مصر بين »مسخرتين«!..

El Watan - - 16 -

هذا مقال مؤجل منذ فترة.. نعم.. ترددت كثيراً قبل أن أكتبه.. ليس تحسباً لـ»غضب الرئيس« أو »سوء فهم وعتاب من زملاء وأصدقاء«.. وإنما درءاً لتفسيرات خبيثة وتأويلات مغرضة.. غير أننى اليوم وجـدت أننا أمام مخاطر تهدد أغلى ما تملك مصر.. وأقدس مهنة شقيت بحبها وعشقها منذ زمن طويل..!

هـذا مقال مؤجل منذ فـتـرة.. دفنته فى أعماقى.. فأوجعنى، وطفح على جـلـدى.. وَارَيْــتُــه بين ضلوعى، فمزقها.. وسكن ضميرى.. فأرّقه.. فلماذا أصمت عن كلمة حق؟!

..سأقول ما عندى لمصلحة وطن دافئ، منحنى الحياة والأمان.. فكيف لا أرد له جميلاً يسرى فى عروقى، لأننى أخشى التأويل والتفسير والاصطياد..؟!

ثمة علاقة وطيدة بين »كادرين« أو »لقطتين« تُظهران الآن أسوأ ما فى مصر، وتنذران بخطر داهم.. مشهدان بدأ كل منهما خافتاً وخجولاً.. فصمت الجميع.. فبات طبيعياً أن يتسع كل مشهد و»كـادر« ليملأ صورة مصر بالبقع السوداء..!

الكادر الأول.. يقف الرئيس السيسى فى قلبه، ومن حوله.. ومـن أمامه وخلفه.. يتزاحم أشخاص من كل »ملة وصنف ومهنة«.. تصطدم الأكتاف بعضها ببعض.. وتتدافع الأجساد والأذرع، لتظهر »السحنة« إلى جوار »الرئيس«.. وكلما فقد الشخص الحياء واحترام نفسه ومقام الرئاسة.. ظهر فى »الـكـادر« أقــرب.. وأقـرب.. والابتسامة تعلو وجهه: »أنا بتاع الرئيس.. أنا من رجالته.. أنا وطنى ومخلص.. تحيا مصر.. ومصر هى أمى وأبى وبنتى ونور عيونى«.. والكارثة أن أحداً لم يسأل نفسه: ما علاقة الوطنية بـ»الكادر« مع الرئيس؟!

فى »الكادر« يتزاحم الجميع.. وربما لا يعلمون.. أو يعلمون.. أن »الرئيس« من داخله لا يهوى ذلك.. وربما لا يعلمون.. أو يعلمون.. أنه »لا يحترم« بعضهم.. غير أن المرء قد يلتمس الأعذار لهم، لأن المصالح حاكمة دائماً فى علاقة الكثيرين بـ»الرؤساء«.. ولكن »الكادر« الذى يصعب أن نلتمس لأصحابه الأعذار، هو »كادر الإعلاميين والـرئـاسـة« فى رحــلات »الرئيس« للخارج.. لن أقول إن سفر الإعلاميين مع، أو بجوار، »الرئيس«، وتصدى مؤسسات لتنظيم هذه الرحلات، خطأ أو تجاوز.. وإنما الخطر الحقيقى على صورة مصر و»مقام الرئاسة« يكمن فى »زفة كل من هب ودب«، وكأن رحلات رئيس مصر الكبيرة، مفتوحة دون ضوابط ومعايير تحفظ للرئاسة مقامها الرفيع، وللإعلام احترامه وقيمته.. وللعلم فإن الرئاسة لا تدعو أحداً للسفر، سواء على نفقتها أو فى طائرة الرئيس.. ولكن هذا لا يعنى أن تتخلى عن دورها وحقها فى وضع معايير، حتى لو سافر الإعلاميون على نفقتهم الخاصة..!

ما حدث فى رحلة الكويت كان خَصماً واضحاً من رصيدنا جميعاً.. وما حدث فى الإمــارات كان خصماً إضافياً.. فهل يتصور أحـد أن يحضر لقاء السيسى والإعلاميين فى الكويت أكثر من ٧٠ شخصاً، بينهم فنيو كاميرات بالفضائيات المصرية ومصورون ومتخصصو إضـــاءة.. بينما يتحدث رئيس مصر للإعلاميين فى قضايا أمن قومى، وملفات وأسـرار، ويطلب منهم عدم النشر حفاظاً على أمن مصر، فى وجود هذه »الزفة«.. وفى الإمــارات كان تعامل مسئولى الدولة الشقيقة مع الإعلاميين غير لائق.. فهل نلوم الإمارات.. أم نلوم أنفسنا؟، لأننا نتعمد تصغير »مقام الرئاسة«، وإهانة »الإعـلام المصرى«.. راجعوا لقاء السيد الرئيس مع الإعلاميين فى أبوظبى.. لتكتشفوا أنه لا يليق بـ»مقام الرئيس«، ولا بمكانة إعلامنا.. فالصغار والمشتاقون تسابقوا للظهور فى الكادر بـ»أى كلام«.. فأساءوا لـ»الكبار«.. وبصراحة لم أر فى حياتى صحفيين وإعلاميين يكشف لهم الرئيس نيته السفر حالاً إلى السعودية، ويطلب منهم عدم النشر حتى يصل الرياض لاعتبارات عديدة تخص البلدين.. فيخرج بعضهم بحجة »دخـول الحمام ولا مؤاخذة«، فيتصلون بمحطاتهم وصحفهم لإبلاغها الخبر ونشره، بينما لا يزال الرئيس داخل الاجتماع..!!!

أى مسخرة تلك.. وأى »كــادر« هـذا الـذى نضع فيه رئيس مصر؟!.. أنا لا ألوم صحفيين وإعلاميين صغاراً ومراهقين »يقطعون تـذكـرة« ويـسـافـرون للظهور فى »الــصــورة«.. وإنمــا أوجــه لـوم المحب لمؤسسة الرئاسة التى تسمح بذلك، وكأن رحلة الرئيس »سداح مداح..« وكأن الدولة الشقيقة أو الغريبة مطلوب منها أن ترعى وتحتضن وتوفر الدعم اللوجيستى والأجواء المهنية لـ ٨٠ إعلامياً وصحفياً يسافرون كل مرة للظهور فى »الكادر«!..

»الـكـادر« الثانى الـذى تربطه علاقة وثيقة بـ»الكادر الأول« هـو التسريبات الـتـى بـاتـت تشبه مسلسلات رمضان.. لن أتحدث عنها كثيراً، لأن »اللبيب بالإشارة يفهم«.. غير أن لدىَّ تفسيرين، كلاهما أخطر من الآخر: فإما أن منظومة دائرة الحكم الجديد فى مصر تشوبها عيوب وتقصير واضح فى الحفاظ على أسـرار الدولة العليا والسيادية.. أو أن هناك صراعات أجنحة داخل هذه الدائرة، وتقاطعات مصالح وقوى بين أجهزة كبيرة فى الدولة..!

الاحتمالان »مصيبة«.. لذا لا أطلب من »الرئاسة« رداً أو توضيحاً.. وإنما أرجو بحث الأمر بجدية، لأن التسريبات المتتالية والخطيرة، تلحق أضراراً بأعز ما نملك: مصر.. ورئيسها.. والاثنان بات يربطهما مصير واحد..!

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.