انقلاب يقف وراءه آى فون وفيس بوك و» تسليع التكنولوجيا «

LoghetAlasr - - 37 -

ملخص هذا التوجه أو الانقلاب هو أن العاملين في المؤسسات والشركات بدأوا يمتلكون ويشغلون أدوات تكنولوجية ذات فعالية عالية فى أعمالهم بعيدا أو بموازاة أو بالتكامل مع ما تمتلكه أو تشغله مؤسساتهم من بنية تكنولوجية وأدوات معلوماتية، بمعنى أنه أصبح هناك طرف ـ غير الإدارة ـ يمتلك المنتج ويحدد وظيفة استخدامه، ومن ثم أصبح الموظف أو المستخدم يمتلك من الذكاء الكافي ما يؤهله لكى يختار أدواته وأساليب عمله بصورة لا »تقبض « عليها الإدارة كما هو الحال المتبع والموروث، فالتقنيات الحديثة وشبكات التواصل الاجتماعي والحوسبة السحابية والتقنيات المحمولة - لا تشجع فقط على مثل هذا الاستخدام التكنولوجي »الفردي « أو شخصنة الاستخدام التكنولوجي - لكنها تغير أو تنقل فكرة المنتج النهائي من الأجهزة والتقنيات الأخرى إلى المستخدم نفسه الذي يرى فيها وظائف جديدة تغير من فلسفة تصميمها. مثل هذا التوجه لا يجعل إدارات ومسئولى تكنولوجيا المعلومات بالمؤسسة هى القوة المسيطرة، والمؤسسة التى لا تتحسب لخطواتها فى هذا الصدد تدخل مباشرة فى نوع من »صراع الأدوار « بين مسئولى بين تكنولوجيا المعلومات وفئة مستخدمي الأعمال بشكل خاص، والمستخدمين بشكل عام.

»كرافت فودز .. تجربة للتوضيح

تلقى تجربة شركة »كرافت فودز« الأمريكية مزيدا من التوضيح على هذا التحول الكبير فى استخدام تكنولوجيا المعلومات داخل المؤسسات المختلفة، فقد شهدت هذه الشركة تحولا ملحوظا عندما تغير تفكير إدارتها من ثقافة المدرسة القديمة المتمثلة في مركزية استخدام تكنولوجيا المعلومات حيث الأفكار والتقنيات تخرج من المركز الرئيسي للشركة، فقد كانت الشركة من أوائل الشركات التي تدرك أن أجهزة المستهلكين يمكن أن تعطي قيمة كبرى لأعمال الشركة وقد أدركت ذلك بشكل مبكر جدا، فقد بدأت الشركة في نشر استخدام الأي فون في ٢٠٠٨ قبل أن تصبح الهواتف الذكية بمثابة الضرورة خاصة لمستخدمي الأعمال. وبحلول ٢٠٠٩، كان أكثر من نصف العاملين المتنقلين في الشركة لديهم أجهزة أي فون ثري جي وتوالت طلبات الشركة لمئات من الأجهزة كل شهر لكي يستخدمها هؤلاء العاملون لديها بهدف تعميق فكرة الاستفادة من هذه الأجهزة المحمولة حيث رأى نائب رئيس قسم أنظمة المعلومات في الشركة أن الإبداع الموجود في أجهزة الأي فون يفتح عقول موظفي الشركة لما هو ممكن الاستفادة منه في وظائفهم. هذا التفكير أكده تيد شادلر المحلل بمؤسسة فوريستر والذي قال أن النجاح الذي حققه انتشار استخدام الأي فون بين موظفي شركة كرافت ساعد الشركة على فهم إمكانيات الأجهزة المحمولة وعلى رأسها الأي فون في الوصول إلى المستهلكين بطرق ووسائل جديدة. وكنتيجة لذلك فإن شركة كرافت طورت تطبيقاتها الخاصة على أجهزة الأي فون بما أعطى للمستهلكين إمكانية الوصول إلى آلاف الوصفات الغذائية ومكتبة متكاملة من ملفات الفيديو الإرشادية وقوائم كاملة من التسوق على أساس الوجبات الغذائية المتكاملة وتطبيقات لتحديد مواقع المحال الغذائية.

مفهوم أعمق

وتوضح تجربة شركة كرافت أنها حققت فائدتين من الفوائد الأربعة المهمة التي يمنحها انتقال »عصا القيادة« التكنولوجية للموظفين وهي: ١- الاستخدام الداخلي لتسريع الاتصالات ورفع كفاءة الموظفين المتنقلين والاستفادة منهم لصالح الشركة. ٢- استخدام أدوات المستهلكين أنفسهم في التواصل معهم، خاصة استخدام الشبكات الاجتماعية لدوام التواصل معهم وتشكيل آرائهم في الشركة وتثبيت انتمائهم لها. ٣- استخدام هذه الأجهزة كأداة موارد بشرية: يستخدم صغار الموظفين هواتفهم الذكية والأجهزة الأخرى طوال الوقت وأية شركة ترفض استخدام هذه الأجهزة داخل مقر أو نطاق عمل الشركة ستواجهها مشكلة احتواء هؤلاء العاملين والاحتفاظ بهم وبقدراتهم. ٤- إنتاجية متزايدة في تكنولوجيا المعلومات: قد يبدو أن التسليع (زيادة الاستهلاك) يمثل عبئًا على أقسام تكنولوجيا المعلومات بالشركات، لكن ذلك يأتي من أن معظم الأجهزة وتقنياتها المستخدمة من قبل موظفي الشركات تستخدم بشكل ذاتي، لكن إذا تم التعامل معها وعولجت هذه المشكلة بشكل سليم من خلال

إشراف الشركة على ذلك وإدخالها في منظومة دعم قسم تكنولوجيا المعلومات بالشركة، فإن ذلك يؤدي إلى زيادة الاستفادة من قسم تكنولوجيا المعلومات بالشركة وبموارد أقل. ويؤكد المحلل فرانك جينز بمؤسسة أي دي سي البحثية هذا المعنى بقوله أن هذا التوجه يتسع ليشمل استخدام الموظفين بالشركات لتطبيقات مثل الفيس بوك وتويتر والشبكات الاجتماعية الأخرى ذات الصلة بالمستهكلين وهو ما يشمل العاملين في الشركات الذين يتعاملون مع المستهكلين في فروع الشركات وخارجها.

تطور في المفهوم

المهم في هذا التطور أن الموظفين أو العاملين في الشركات يكتشفون كل يوم طرقًا مبتكرة في استخدام هذه النوعية من الأجهزة يدفعهم في ذلك تنافسهم وذلك بسبب ظهور أجيال جديدة من هؤلاء الموظفين معرفتهم أكبر بتكنولوجيا المعلومات وفلسفة عملها فقد رصدت مؤسسة فوريستر على سبيل المثال في دراسة لها أن ٣٧٪ يستخدمون الأجهزة المملوكة لهم دون الحصول على إذن من قسم تكنولوجيا المعلومات بشركاتهم وهذه النسبة في ازدياد مطرد. وقد أشار شادلر في مجلة »هارفارد بيزنس ريفيو« أن تقنيات مثل لنكيد إن وجوجل دوكس وسمارت شيت دوت كوم وفيس بوك وأجهزة الأي باد وموقع يوتيوب ودروب بوكس وفلب بورد وقائمة طويلة لا تنتهي، هى أمثلة أخرى على مشروعات ذاتية الاستخدام، حيث لا يعتمد فيها المستخدم إلا على نفسه في استخدامها فعلى سبيل المثال عندما يستخدم موظف شركة ما الفيس بوك في طرح أسئلة عن عمل شركته لمشتركين في الفيس بوك- مثلما تفعل شركات اتصالات وفودافون وموبنيل على سبيل المثال لا الحصر – يصبح هؤلاء المشتركون أصدقاء له. خذ مثلا استخدام أجهزة الأي فون والهواتف الذكية الأخرى في الإطلاع على البريد الإلكتروني واستخدام التطبيقات الأخرى ناهيك عن الدخول على الإنترنت. الثورة التي صنعتها جوجل في إنشاء المواقع واستخدام حزمة أوفيس بديلة (جوجل دوكس) لتبادل المستندات بين الشركات وبعضها البعض وبين المستخدمين وبعضهم البعض واستخدامها بشكل احترافي بتكلفة بسيطة؟ حتى موقع يوتيوب أصبح يستخدم بطريقة مبتكرة في العمل حيث تنشر عليه ملفات فيديو من قبل متخصصين في الشركات لحل مشكلات معينة لدى المستخدمين اختصارًا للوقت والمسافات بل إن الأطفال أصبحوا يستخدمون تقنيات »فلب بورد« لتصوير فيلم عن مشكلات يحلها أباؤهم وهذه بعض الأمثلة الواقعية عن العلاقة الجديدة بين المستخدمين والتكنولوجيا. إن فكرة ترك الموظفين في الشركات يستخدمون أجهزتهم المملوكة لهم وأداء أعمالهم بأفكار مبتكرة تنبع من داخلهم مع عدم إلغاء الإشراف والمتابعة وإدخال ذلك في منظومة أو استراتيجية متكاملة يتعاون في وضعها الموظفون والمسؤولون في الشركات فلا يفيد ذلك العمل فقط بل سيفيد قطاع تكنولوجيا المعلومات نفسه، فكما يقول جارلاند المحلل بمؤسسة »بي دبليو سي « إن توسيع اتخاذ القرارات المتعلقة بتكنولوجيا المعلومات ومشاركته مع المستخدمين يزيد من مساحة استخدام تكنولوجيا المعلومات وقدراتها وفوائدها بالتالي على العمل دون الحاجة إلى مزيد من العاملين في أقسام تكنولوجيا المعلومات في الشركات.

الفوائد مقابل مخاطر

ما هى المخاطر والفوائد التى يحملها هذا الانقلاب الجديد وانتقال عصا القيادة للموظفين؟ هناك تجارب عديدة توضح أهمية التدقيق والموازنة بين الفوائد والمخاطر فى هذه التوجه، ففى إحدى الشركات الهندسية الأوربية التي يزيد فيها عدد العاملين عن ٢٠ ألف عامل ــ والتي أخفت مؤسسة فوريستر البحثية اسمها ــ اهتمت الإدارة بالوقت الذي يهدره الموظفين في الدخول على المواقع الإباحية وما يترتب عليه من مسؤولية، وقامت بتثبيت برنامج »ويب

سنس« لمنع الدخول على هذه المواقع من شبكة الشركة، وقد نجح هذا الحل في إيقاف ذلك لكن ترتب عليه إيقاف برنامج سكاي بي والذي كان يعتمد عليه العاملون في فروع الشركة في فيتنام وباكستان في التحدث مع المستهكلين وشركاء الشركة كبديل عن ضعف الاتصالات الهاتفية مما أجبر الشركة على إعادة الوضع على مكان عليه. التجربة الأخرى التي تلقي الضوء على تحد من نوع آخر هو تجربة شركة ليود حيث أراد عملاء الشركة الوصول إلى فريق مبيعات الشركة عبر الفيس بوك وقد قامت الشركة التي تتسم إدارتها بالمحافظة إلى إغلاق هذه الخدمة على شبكة الشركة، مما أدى إلى استخدام فريق المبيعات لأجهزة الأي فون في التواصل عبر الفيس بوك مع العملاء. هذا الفصل بين التقنيات التي يفضل الموظفون العمل بها وبين سياسة الشركات في العمل أقنعت إدارة الشركة بالسماح باستخدام الفيس بوك والأي فون. وإلى جانب هذه التجارب وضع بعض الخبراء حزمة توصيات قالوا أن على الشركات والمؤسسات الأخذ بها لاحتواء هذا الانقلاب والتعامل معه بالتوازن والمرونة الكافية لتعظيم الاستفادة منه دون التعرض للمخاطر، ومن هذه التوصيات: - إدارة ودعم هذه التقنيات المتزايدة في الانتشار - تأمين البيانات الحساسة والأصول ضد القراصنة والفيروسات ولصوص الهويات والأنواع الأخرى من التهديدات والمخاطر. - تقديم خبرات التطبيقات التفاعلية التي يبحث عنها المستهلكون عند إجرائهم لمعاملاتهم. - معالجة العبء المتوقع من كثافة هذا التوجه على البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات. - جذب والاحتفاظ بالجيل الجديد من العاملين الذين يدخلون قوة العمل في الشركات. وتكشف أن الموضوع متعدد الجوانب إذ لا تقتصر تحدياته على مشكلة التأمين أو إدارة هذا التوجه أو تحديث البنية التحتية إلخ، لكن هناك مشكلات أخرى تنبع من التطبيق مثل إدارة دورة عمل البيانات الناتجة عن ذلك وكيفية الربط بين تطبيقات الوسائط الاجتماعية وبيانات الشركات مثل بيانات تاريخ المستهلك، بالإضافة إلى المشكلات القانونية المرتبطة باستخدام التكنولوجيا الشخصية في العمل مثل الخصوصية. هذا التوجه ما زال في بدايته عالميًا وما زال طور التعامل فيه في مرحلة الطفولة والاستعداد له وكيفية الاستفادة منه يمكن أن يكون فرصة كبيرة للأسواق الناشئة لكن لا تزال هناك جوانب كثيرة لهذا الموضوع سنتناولها فى أعداد مقبلة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.