الحقيقة والوهم فى سيناريوهات التلاعب بقاعدة بيانات الناخبين

LoghetAlasr - - 04 - comgmail. ghietas@

فى أعقاب الانتخابات البرلمانية الماضية خرج من يقول إن قاعدة بيانات الناخبين تضم تسعة ملايين ناخب أسماؤهم مكررة، وعقب الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية ثارت شكوك قوية حول دقة القاعدة وسلامة ما بها من بيانات، بعدما لاحظ مراقبون ومتابعون للعملية الانتخابية أن هناك تضاربا فى أرقام الناخبين المسجلين فى القاعدة قبل وأثناء وبعد الانتخابات البرلمانية، وقبل وأثناء الانتخابات الرئاسية، وتحدث كثيرون عن أن هذا التضارب يعكس حالات تكرار وتعدد فى الكشوف الانتخابية، وعمليات إضافة بالملايين للناخبين فى قاعدة البيانات لصالح هذه الجهة أو تلك. خلاصة ما جرى أننا أصبحنا إزاء عدة سيناريوهات كل منها يفترض أن هناك تلاعبا وعبثا ما قد حدث فى قاعدة بيانات الناخبين: ـ السيناريو الأول يفترض أن هناك ناخبين أسماؤهم مكررة فى القاعدة قدرها البعض بتسعة ملايين ناخب. ـ السيناريو الثانى يفترض أن هناك ناخبين أضيفت أسماؤهم للقاعدة بدون مسوغ قانونى، وقدر البعض هذه الأسماء بأربعة ملايين، فضلا عن إضافة حوالى تسعمائة شخص من المجندين والعسكريين للقاعدة بعد أن صدرت لهم بطاقات رقم قومى جرى فيها تغيير مهنتهم من عسكريين إلى مدنيين لهم حق التصويت. ـ السيناريو الثالث أنه خرجت من القاعدة كشوف مكررة لنفس الناخبين ووزعت على اللجان وجرى استخدامها أكثر من مرة، ورأى البعض أن هذا الأمر دلالة واضحة على التزوير. وقبل مناقشة مقدار الحقيقة والوهم فى هذه السيناريوهات، لابد من التعرف أولا على الطريقة التى يتم بها إعداد قاعدة بيانات الناخبين: ــ استخلاص البيانات الخام الخاصة بالناخبين المواطنين الذين لهم حق التصويت من قاعدة بيانات الرقم القومى بمصلحة الاحوال المدنية، وكل ناخب له سبعة بيانات هى :(الرقم القومى ـ الاسم ـ النوع ـ العنوان ـ الموقف من مباشرة الحقوق السياسية ـ كود قسم الشرطة ـ كود المحافظة)، وبما أن عدد الناخبين يدور حول ٥٠ مليون ناخب فإن حجم البيانات التى جرى التعامل معها فى هذه الخطوة وصل إلى ٣٥٠ مليون بيان »٧ بيانات لكل ناخب X ٥٠ مليون ناخب« . ـ ترسل هذه البيانات الخام الأولية إلى وزارة التنمية الإداريـة لتحويلها من صورتها الخام الأولية كبيانات مدنية عامة، إلى بيانات انتخابية، أى قابلة للتوظيف فى خدمة العملية الانتخابية، وأول خطوة تجرى على هذه البيانات هى مراجعتها وتدقيقها وإزالة ما بها من اختلافات أو مظاهر تشوه أو غموض، ثم وضعها فى صورة نمطية معيارية قابلة للتوظيف فى مراحل واجراءات العملية الانتخابية وجعلها قابلة لأن تدمج مع بعضها البعض، خاصة فيما يتعلق بأسماء وبيانات الشوارع والميادين وعناوين اللجان. ــ إزالة التشابهات والتكرار فى جداول الناخبين والعناوين واكتشاف حالات الخطأ والتزوير وخلافه. ــ إذا كانت القاعدة في حالة تحتاج إلى تحديث، يتم إزالة المتوفين ومن دخلوا الخدمة العسكرية ومن صدرت ضدهم احكام تحرمهم من مباشرة حقوقهم السياسية، وإضافة من بلغوا السن القانونية ومن خرجوا من الخدمة العسكرية ومن سقطت عنهم احكام كانت تحرمهم من مباشرة حقوقهم السياسية. ــ فصل وتنظيم العناوين الخاصة بالناخبين ووضعها فى صورة معيارية مدققة متطابقة مع الواقع الفعلى على الأرض، وطبقا للتقسيم الإدارى المعتمد للاستخدام فى الانتخابات. ــ إنتاج البيانات المطلوبة للاستخدام فى المقار واللجان الانتخابية، من خلال الدمج بين بيانات الناخبين الواردة من الاحوال المدنية بعد تهيئتها فنيا، مع البيانات الواردة من الابنية التعليمية والجهات الأخرى الخاصة بأسماء وعناوين المقار الانتخابية، بما يقود إلى تسكين بيانات الناخبين وعناوينهم على اللجان الانتخابية وعناوينها وإنشاء قاعدة البيانات الانتخابية المتكاملة النهائية، وفى هذا النظام تم إضافة بيانات جديدة لكل ناخب داخل قاعدة البيانات تشمل: (الدائرة ـ المركز الانتخابى ـ المقر الانتخابى ـ اللجنة الفرعية ـ الرقم فى الكشف داخل اللجنة)، وبذلك يصبح للناخب الواحد ١٢ بيانا داخل قاعدة الناخبين، ومن ثم أصبح الرقم الإجمالى لبيانات الناخبين ٦٠٠ مليون بيان ١٢ بيان لكل ناخب ٥٠ مليون ناخب . ــ ترتيب أسماء الناخبين أبجديا داخل الدوائر والمراكز المقار الانتخابية واللجان الفرعية مقرونة بأرقامها داخل الجداول، ثم طباعتها في جداول ورقية لتوزع على اللجان. فى ضوء هذه الخطوات التى تمر بها عملية إعداد قاعدة بيانات الناخبين وانتهاء بالجداول الانتخابية يمكن القول إن السيناريو الأول الذى يفترض أن بقاعدة البيانات الناخبين تسعة ملايين اسم مكرر من أسماء الناخبين هو سيناريو وهمى وغير قابل للتحقق، لأن هوية الشخص المسجل فى قاعدة بيانات الناخبين والكشوف الانتخابية تتكون من الاسم ـ الرقم القومى ـ العنوان ـ عنوان اللجنة الانتخابية ـ رقم اللجنة الانتخابية ـ الرقم فى كشف الناخبين ، وطبقا لما أعلنته وزارة التنمية الإدارية وما أعلنه من قالوا بهذا السيناريو فإن التحليلات التى استخدمت فى الوصول إلى الاسماء التى يعتقد بتكرارها اعتمدت على كشوف وزعت على المرشحين وكانت تحتوى فقط على الاسماء والمقار الانتخابية، وكان منزوعا عنها الرقم القومى وبقية العناصر الأخرى المكونة للهوية، ومن ثم يكون التكرار على مستوى الأسماء فقط، وليس كل العناصر المحددة للهوية التى إذا ما اجتمعت معا تصنع للناخب هوية متفردة لا تكرار فيها. وتكرار الأسماء ظاهرة معروفة وقابلة للقياس لدى كل من قاعدة بيانات الرقم

القومى بمصلحة الأحوال المدنية وقاعدة بيانات الناخبين بالتنمية الإدارية واللجان القضائية المشرفة على الانتخابات، وهناك أرقام تشير إلى أن التكراريات فى الأسماء تتعدى ١٠٪ من المسجلين فى قاعدة بيانات الرقم القومى الأم، وإذا ما أخذنا النسبة نفسها فى قاعدة بيانات الناخبين يكون التكرار على مستوى الأسماء عشرة ملايين اسم من أسماء الناخبين، وهذا لا علاقة له بأى تلاعب أو تزوير فى قواعد البيانات، وإنما حقيقة واقعية وسليمة تماما. ــ أما السيناريو الثانى المتعلق بإضافة أربعة ملايين شخص إلى قاعدة البيانات بدون مسوغ قانونى وتسعمائة ألف شخص صدرت لهم بطاقات مزورة، فيعنى ببساطة أن قاعدة بيانات الرقم القومى بالأحوال المدنية قد قامت بإنتاج أربعة ملايين رقم قومى وخصصتها إما لأشخاص غير موجودين أصلا، أو منحتها لأشخاص حصلوا على أرقام رقم قومى من قبل، وبعثت بها إلى قاعدة بيانات الناخبين ليضافوا إليها، ثم قامت بإصدار تسعمائة ألف بطاقة تم التلاعب فى طبيعة مهنتها، وهذا أمر لا يمكن للمرء أن يتخيل أن جهاز الدولة الإداري يمكن أن يقوم به تحت أى ظرف من الظروف، لأن القضية هنا لا تتعلق بالانتخابات، ولكن بأصل من الأصول الثابتة للدولة وهو هوية مواطنيها ، بعبارة أخرى هذا السيناريو يجعل هناك اربعة ملايين وتسعمائة ألف شخص يحملون أكثر من بطاقة رقم قومى، ويمنحهم القدرة على التعامل بهاتين البطاقتين اللتين تمنحهما هويتين مختلفتين فى الزواج والطلاق والميراث والملكية والتوظيف والبنوك وجميع المعاملات مع أجهزة الدولة المختلفة وليس الانتخابات فقط، أى ستكون الدولة قد صدرت لنفسها ٤ ملايين وتسعمائة ألف مشكلة تزييف وتزوير بالغة الخطورة أمنيا واقتصاديا واجتماعيا وشرعيا ودينيا لا سبيل إلى الفكاك منها. ـ وبالنسبة للسيناريو الثالث فهو أمر لا يتعلق بخطوات بناء وتشغيل قاعدة بيانات الناخبين، بل بإنتاج وتوزيع المعلومات والبيانات من القاعدة، فالجداول الانتخابية المطبوعة داخل اللجان هى من مخرجات القاعدة ، وليس من خطوات بنائها أو أدوات تشغيلها، ومن ثم إذا كانت هناك ازدواجية أو تعدد فى الكشوف داخل اللجان بصورة تخل بسير عملية التصويت، فهو أمر لا علاقة له بالقاعدة ولكنه مرتبط بسلوكيات من تداولوا هذه المخرجات سواء قبل وصولها للجان أو أثناء التصويت. هل يعنى ذلك أن قاعدة بيانات الناخبين محصنة تماما ضد أخطار التلاعب والتزوير؟ بالقطع لا، لكن الأخطار التى تتهددها تقع خارج نطاق السيناريوهات الثلاثة السابقة، وهى كالتالى: ـ أن قاعدة بيانات الناخبين موجودة بصورتها المادية والفعلية بالإدارة العامة للانتخابات بالداخلية وليس اللجنة القضائية، مما يجعل عمليات التشغيل الفعلى للقاعدة معظم الوقت تحت السيطرة المباشرة للداخلية بعيدا عن اللجان القضائية. ـ طباعة البطاقات الانتخابية والجداول وتوزيعها على اللجان يتولاها فعليا كل من الإدارة العامة للانتخابات والمطابع الاميرية والمحليات طبقا للتعليمات الــواردة من اللجان القضائية، ونظرا لضخامة كميات المطبوعات وكثرة التفاصيل المتعلقة بمراحل الطبع والتخزين والتوزيع على عشرات الآلاف من اللجان الانتخابية، فإن مراحل الطباعة والتخزين والتوزيع لا تتم تحت الاشراف الكامل للجان القضائية، وهذه تعد حلقة الضعف الاكبر التى يمكن أن تتسرب من خلالها الاخطاء والتجاوزات المتعلقة بالكشوف الانتخابية التى يمكن أن تؤثر فى عملية التصويت فيما بعد ـ الإجــراءات الفنية والتكنولوجية المتعددة المتعلقة بتنقية وتحديث قاعدة البيانات يتم بمعرفة وزارة الداخلية والتنمية الإدارية بدون تنظيم قانونى وإجرائى واضح وشفاف ومحكم، فضلا عن أنها عمليات بحكم تعقيدها وطبيعتها الفنية وضخامة البيانات المستخدمة فيها تجعلها فى المجمل خارج سيطرة وفهم اللجنة القضائية حتى وإن كانت الإجراءات ورقيا تقول بالإشراف القضائى، وفى ظل وجود قاعدة البيانات فى حوزة الداخلية عمليا طوال الوقت يصبح الأمر مثار شك وحلقة ضعف. ـ من غير الواضح ما إذا كانت هناك نسخة مرجعية مطبوعة ومؤمنة من قاعدة بيانات الناخبين لدى اللجان القضائية من عدمه، يمكن الرجوع إليها للتحقق عند حدوث تضارب فى الارقام، فضلا عن أنه لا يوجد إطار قانونى ينظم كيفية التعامل مع النسخة المرجعية من قبل المرشحين والناخبين والأحزاب والقوى السياسية والمدنية، وحدود ما يتم إتاحته وما يتم حجبه من معلومات وبيانات فى هذه النسخة حتى يطمئن الجميع إلى سلامة القاعدة وسلامة الجداول الانتخابية. نخلص من ذلك جميعا إلى أن : ١ـ هناك العديد من المراحل والإجراءات المتعلقة بالعملية الانتخابية تتم بعيدا عن السيطرة الكاملة والفعلية للجان القضائية، وهو مخالف لما ينص عليه قانون مباشرة الحقوق السياسية من ضرورة خضوع العملية الانتخابية من بدايتها إلى نهايتها للإشراف القضائى الكامل. ٢ـ هذه المراحل تمثل حلقات ضعف ومناطق تسرب وتلاعب فى البيانات يمكن أن تؤثر سلبيا على سير العملية الانتخابية ونتائجها وهذا ما يتطلب فتح تحقيق للوصول إلى الحقيقة. أما السيناريوهات الثلاثة السابقة والتى أطلقها البعض ولهثت وراءها الفضائيات وجهات من هنا وهناك، فهى بمنتهى الصراحة »فشنك «، ولا يمكنها الصمود أمام ما يمكن أن تقدمه اللجان القضائية والتنمية الإدارية والداخلية من دفوع لدحضها لو وضعت أمام جهات تحقيق جادة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.