الحاجة أم الاخ اع.. فمن أبوه ؟

LoghetAlasr - - 79 - د. نبيل محمد شلبى

طرحت هذا السؤال على الحضور الذين كانوا يستمعون لكلمتى بالمؤتمر الدولـــى الأول للإبداع وريادة الأعمـــال بالقرية الذكية، وأوضحت أنه إذا كانـــت الحاجة أم الاختراع فإن التمويل هـــو أبوه والحاضنة هى بيتـــه وملاذه، حيث يحتاج الاختراع إلـــى الدعم المادى والفنى والبيئة المناسبة لمزيد من التجارب وخروجه إلى حيز الوجود. لقد حمل العرب دومًـــا، كنز وتاريخ عظيمين من الإبـــداع والمعرفة فى الوقت الذى كان الأوربيـــون غارقين فى ظلمات الجهل وأمريكا لم تكتَشـــف بعد، فهناك الألغوريثـــم الذى يدرســـه كل مبرمجى لغـــات الكمبيوتر فـــى العالم والُمحرَّف من (ألخوريزم) نســـبة إلى مبتكره عالمنا العربى الخوارزمى وغيره من عشرات الأمثلة. وسبحان الله (البديع) وهو اسم من أسماء الله الحســـنى، فهو الخالق المصور الذى خلق المخ البشرى حيث مكان الفكر والذاكرة ومركز الإحســـاس والتعلم. متوسط وزن المخ البشرى ٣١٫ إلى ٤١٫ كيلو جرام من المادة الحية، ويمكنه العمل بحوالى ٢٠ ٪ مـــن طاقته وقدرته العقلية. به ما يزيد علـــى ألف مليون خلية، ويخزن ألف معلومة جديدة كل ثانية. بحجمه الصغير يتفوق على حاســـب آلى وزنه عشـــرة أطنان، ويتحكم فى القدرة على استخدام اللغة والحساب والمنطق والتحليل، كما يتحكم فى قدرة الإنســـان على الحدس والتنبؤ والتصور والتخيل والرؤية والإبداع. ولكن مـــا فائدة الاختراع إذا كان حبيـــس الأدراج، أو لم يجد البيئة الخصبة التى تخرج به إلى النور؟. لقد قابلت منذ أعوام قليلة فى مملكة البحرين أحد المهندسين المصريين الذى يعمل معيدًا بإحدى الجامعات بالقاهرة، ضمن مســـابقة دولية نظمتها منظمـــة التعاون الاقتصادى الأوروبى وكان لدى الشـــاب نموذج أولى لجهاز قياس نســـبة السكر بالدم (غير اختراقي) بمعنى عدم احتياج المريض للوخز بالإبرة.. بينما يبحث هذا العالِم الشـــاب إلى جهة تحتضن فكرته. ولنا أن نعرف، أنه ضمن سبعة آلاف حاضنة أعمال وتكنولوجيا حاليًا بالعالم، هناك أقل من ثلاثين حاضنة فقط تعمل حاليًا بالدول العربية الاثنتين والعشرين، وأنه فى عام ٢٠١١م وحده ســـاعدت حاضنات أمريكا فى بدء تشغيل ٠٠٠٤٩٫ شـــركة وظفت أكثر من ٠٠٠٢٠٠٫ عاملًا وأدخلت إيرادات ســـنوية قدرها ١٥ بليون دولار، كمـــا تقلل حاضنات الأعمال المخاطر التى تؤدى إلى فشل المنشآت الصغيرة، ولى دراسة تفصيلية لأكثر من خمســـة وثلاثين حاضنة حول العالم أكدت أن ٨٦٪ من المشاريع التى تخرجت من هذه الحاضنات ما زالت تزاول نشاطها. إن الكثير من المبدعين فى مصر يمتلكون أفكارًا واعدة يمكن أن تكون نواة لمشـــروعات جديدة غير تقليدية، ولكـــن كيف يتأتى ذلك مع وجود قصور من جهات يفترض أن تتبنى أفكار الشباب، بالرغم أن الاتجاه والرغبة المتنامية لتأسيس مشروعات من خريجى الجامعات والمدارس لإقامة مشـــروعات خاصة بهم فى تزايد مســـتمر لأســـباب اقتصادية واجتماعية، منها عدم استيعاب القطاع الحكومى لهم والصعوبات التى يواجهونها لدى القطاع الخاص إضافة إلى الرغبة الشخصية لهم فى اقتحام مجال العمل الحر بما له من بريق خاص. إن التحدى الحقيقى الـــذى يواجـــه مجتمعاتنا هو ضرورة توجيه الدعم الكامل لاكتشـــاف المبتكرين والمبادرين القادرين على إنجاح مشروعات غير تقليدية رائدة يمكنها توليد مشـــروعات تســـهم فى زيادة فـــرص العمل وقادرة على المنافسة فى الأسواق المحلية و الدولية. ولأننا فى عصر تتغير فيه الأشياء بسرعة مذهلة (مثلًا تويتر استغرق ٣ سنوات وشهرين لأول مليار تغريدة، والآن تويتر يسجل مليار تغريدة كل يومين تقريبًا)، لا يوجد مكان للأفكار البالية التى لا تساير متطلبات الحياة للأفراد الذين تتزايد رغباتهم فى الاســـتمتاع بكل ما هو جديد، وينطبـــق هذا بجـــلاء على المنتجات الاســـتهلاكية أو الخدمية أو حتى الســـلع المعمرة التى يجب أن تتطور كل يـــوم لتفى بمتطلبات الأفراد والمجتمـــع. رائد الأعمـــال يجب أن يظهر ابتكاره الجديد فى ســـلعته وفى خدماته المختلفة، فالابتكار يُعد أهم العوامل فى نجاح المشـــروع، وهو مفتاح أية ميزة تنافســـية، وقوة دافعة نحو تحقيق النمو. وفى ظل اقتصـــاد جديد يعتمد على المعرفة، تتزايد أهمية الابتكار والتحول من اقتصاديات الســـلع إلى اقتصاديات الأفكار، كما تتضح أيضًا أهمية تبنـــى الاختراعات والابتكارات التى يمكن أن تقوم عليها مشـــروعات اســـتثمارية جديدة من خـــلال آليات مبتكرة، حيـــث يمكن لحاضنات الأعمال على سبيل المثال أن تتبنى ابتكار المستثمر وكأنه وليد يحتاج إلى الرعاية الفائقة، ثم تدفع به تدريجيًا بعد ذلك لأســـواق العمل قويًا قادرًا على النماء ومؤهلًا للمستقبل ومزودًا بآليات النجاح. أخيرًا.. أتمنى لمصر بعد ثورة ٢٥ يناير: ١- هـــدم الحواجـــز البيروقراطيـــة والروتينية، فهـــى العدو الواضح للإبداع وريادة الأعمال. ٢- توعية راغبى تأســـيس مشـــروعات جديدة أو توســـعة مشروعات قائمة من خـــلال الندوات وورش العمل والمؤتمـــرات والمعارض بصفة مستمرة بضرورة الابتكار والتجديد والابتعاد عن التقليد. ٣- نشـــر المراكز الرياديـــة والحاضنات والمُســـرِّعات، لنقل الأفكار الإبداعية من الحيز النظرى إلى حيز الوجود. ٤- تطويـــر برامج ومناهج وأســـاليب التدريـــس الحالية فيما يتعلق بالعلـــوم التقنية والفنية والتطبيقية، والبدء مما انتهى إليه الآخرون فى مجالات مثل تقنيـــة المعلومات والاتصالات والتقنيـــة الحيوية وتقنيات النانو والفمتو والهندســـة الوراثية والذكاء الاصطناعى وعلوم الفضاء وغيرها من العلوم الحديثة لخلق جيل جديد من المبدعين.

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.