مرة أخرى .. إنه الفيس بوك

LoghetAlasr - - 2 - د. عــادل اللقــانى egorg. ahram.alakany@

أريد أن أســـجل هنا اعترافا مهما أمامكم بأننى كدت أرتكب خطأ كبيرًا فى حق نفسى وأيضا فى حق قرائى من مجلة لغة العصـــر حيث كنت على وشـــك ان أكتب مقالا قريبا أدعو فيه الشباب من فك ارتباطهم بموقع »الفيس بوك « .. لم تكن دعوتى المرتقبة لكم بســـبب موقف سياسى.. أو توجه شخصى نتيجة ظروف معينة طارئة.. أو لعدم إيمانى بجدوى هذه الشبكة المهمة للتواصل الاجتماعى ودورهـــا الكبير الذى لعبته.. فرغم أنني كنت مقتنعا إلى حد كبير بإنجازات هذه الشـــبكة الاجتماعية فى ثورات الربيع العربي، وتشكيل رأي عام مستنير من خلال كســـر نظرية الرقابة والتوجيه المنهجـــي للخبر والمعلومة التى كانت تجيدها النظم الاســـتبدادية فى هـــذه الدول، إلا أننى كنت متخوفا إلى حد كبير فى جدوى اســـتمرار هذه الشـــبكة مســـتقبليا بنفس دورها الإيجابى فـــى مرحلة ما بعد الثورة.. لقد كنت أرى ضرورة أن تسلك ممارسات الشباب على الفيس بوك منهجا مختلفا يخدم ظروف واستعدادات الدولة المصرية الجديـــدة، وكنـــت قد أوضحت فـــى مقالة ســـابقة لى - على صفحات هذه المجلة - أنه بعد أن أضحت هذه الشـــبكة بعد الثورة مصدرا خصبا للشائعات والأكاذيب و" الفتى" فإنها قد أصابتنا بالحيرة الشديدة جراء هذا التحول الخطير الذى طرأ عليها، حيث باتت تلعب دورًا محوريًا، ولكن فى تسيير الأحداث بالدولة على نحو يكون معاكس لما يمكن أن يحلم به الشـــعب المصـــرى نحو بناء دولته العصرية.. لقد تســـاءلت فى حينها" إلى أي مدى تســـتطيع الشبكات الاجتماعية مثل الفيس بوك و"التويتر واليوتيوب - وبعد مـــا أحدثته من ثورات افتراضية عظيمة للحشـــد ضد الفساد - أن تواصل مهامها في الحشد أيضا لإصلاح الوضع الاقتصادي والسياســـي والاجتماعي لهذه البلدان وتحقيق أحلام الشـــعوب؟ " .. نفس هذا التوجه ســـلكه زميلنا هشام جعفر فى مجلة الديموقراطية حينما قال: " إنه مـــع اتفاقه أن ثورات الربيع العربى قد اســـتفادت مما أتاحته الميديا الجديدة من إمكانيات، ولكن هو يرى أن مشكل هذا التصور أن مستخدم هذه الوسائل الجديدة يتعامل معها باعتبارها أدوات للحشد والتعبئة وخلق الوعى ولم يلتفت إليها باعتبارها تعبيرًا عن نموذج معرفى جديد سيكون له تداعيات على مجمل الحراك الثورى ومســـتقبله "، وسلكه أيضا الكاتب محمد المزيني بجريدة الحياة الســـعودية بقوله:" إنه في البدء تباهينا بهذا الإعلام الجديد الذي فجر الربيع العربي ولم يفجر ثقافة نوعية تحســـب له لكي تكتمل حلقات هذا الاســـتحكام الإعلامي الجديد الفارغ من المضامين الجادة والواعية". اذا لم يكن مســـتغربا منـــى - ومعى كثيرون فـــى هذا- أن أشـــعر بالقلق والحيرة من كثير من الممارســـات السلبية التى انتهجها الشباب على الفيس بوك عقب الثورة وفى وقت حرج تمر به الدولة المصرية، و لذا طلبت فى المقال نفســـه أن يبدع الشـــباب من كافة الأعمار فى استخدام الشبكات الاجتماعية فى الحشـــد الايجابى لقيادة المرحلـــة الانتقالية التى تمر بها بلدنا الحبيبة، وأن يطرحوا علينا نموذجا فريدا للبناء والتنمية والانطلاق يبهر العالم على قدر الإبهار الذى حصل به نموذج 25 الثورة المصرية المجيدة فى يناير. وإذا كنـــت اعترفت امامكم الآن بهذا الخطأ الجســـيم- الذى بحمـــد اللـــه لم أرتكبه - فـــإن عودتى الحميدة عنـــه جاء إثر الإجـــراءات والتى أصفهـــا دون أى تجميـــل أو مغالطة أنها مخالفة كلية لحقوق الإنســـان فى القرن الحادى والعشـــرين والتى أقدمت عليها سلطة الانقلاب فى مصر بغلق العديد من القنوات الفضائية وترك قنوات أخرى تعبر فقط عن وجهة نظر هذه الســـلطة وتدافع عنها فى حين حجبت تماما وجهة النظر المقابلـــة والرؤية الأخرى المختلفة، وبما فى ذلك توريط الإعلام الرســـمى بالدولة فى هذا المســـار المنحرف، وأننى أكون غير منطقـــي وآثم امام الله إن لم أعترف بأن الإعلام المصرى بعد 30 "انقـــلاب يونيو " لايمكن إن يرقـــى إلى الإعلام الهادف

25 المســـئول الذى كنا ننشـــده ونطمح إليه بعد ثـــورة يناير المجيـــدة، ومخالفا تماما لأحد اهداف ثورتنا والذى تمثل فى: خلق إعلام مسئول يتسم بالشفافية فى التداول والتعاطى مع الأحـــداث والأخبار ودون التحيز إلى جهـــة دون الأخرى ولا يحيد أبدا عن رسالته الســـامية تجاه المجتمع المصرى الذى يهفو إلى الحرية والمعرفة وبناء وطن يتسع لكل المصريين . فى ظل هذا التعتيم الإعلامى لم يكن أمامى أنا وكثيرين معى إلا العـــودة مرة أخـــرى إلى "الفيس بـــوك" كمصدر للأخبار والتقارير والرؤية المختلفة مع الســـلطة فـــى الدولة، ولأتعرف من جديـــد على الأحداث التـــى جرى بشـــأنها التعتيم مثل: المسيرات، والحشود، والمؤتمرات الصحفية، وسقوط الشهداء من المتظاهريين الســـلميين وغيرهـــا، ولأدرك من جديد مدى أهميـــة وقدرة هذا الرافد على كســـر حالـــة التعتيم والحجب المتعمد لمعلومات مهمة نرى أن من حقنا كمواطنين أن نتعرف عليها فى وقتها وبحيادية شـــديدة وبصـــرف النظر عن مدى اختلافنا واتفاقنا عليها، وأســـتدعى هنا بضعة كلمات قالها رئيـــس تحرير صحيفة »الحيـــاة « حين يصف الإعلام الجديد بأنه فـــرضَ تأثيراته علـــى الإعلام التقليـــدي فتنفس الناس هذا الرافد الجديـــد حتى أصبح المواطن صحافيًا، وأصبحت الصحافة تأخذُ من الفيسبوك والتويتر. 2011 27 أيضا أتذكر معكم هنا مقالا قد كتبته يوم يناير - قبل يوم واحد من جمعة الغضب الشهيرة- فى جريدة الأهرام بعنـــوان " من يصنع قوة الإعـــلام الجديد؟ ".. كان من ضمن ما تناولته هو أن الأحداث التى جرت خلال السنوات الماضية على المســـتوى السياســـى والاجتماعى فـــى العالم من حولنا تجعلنا نؤمن أن العالـــم يتغير بقوة، وأن هناك صورة جديدة للإعـــلام يجب أن نعتاد عليها مـــن الآن يكون الدور المحورى هو للمواطن العادى والبســـيط وليـــس للحكومات أو الجهات الإعلامية الرسمية وأشرت وقتها إلى أن قوة الإعلام الجديد لم تكن بمثل هذا التأثير الكبير التى ظهرت عليه لولا دور المواطن العـــادى الذى تفاعـــل باحتراقية بالغة مع ثـــورة الاتصالات والمعلومات، وأجاد استخدام ما أفرزته هذه الثورة من تقنيات حديثة مثل التليفون المحمول، والتابلت، والاى فون، والإنترنت، وشـــبكات التواصل الاجتماعى، وأن هذا المواطن أجاد أيضا عمـــل التغطية الفورية للأحداث بالصوت، والصورة، والفيديو، وقام بتبادلها إلكترونيا مع الأخرين فى كافة دول العالم، بل لا يكون من قبل التجاوز منى إذا قلت إن هذه الرسائل الإعلامية الجديـــدة التـــى بثها المواطنـــون كانت أقوى فـــى مضمونها وحيويتها وتعاطف الأخرين معها من الرسائل الإعلامية التى تبثها الأجهزة الإعلامية التقليدية والفضائيات ووكالات الأنباء العالمية والصحف حتى أن هذه الرسائل سجلت حضورا بقوة في التقاريـــر اليومية لهذه الجهات الاعلامية التي لم يتســـن لمراســـليها التنقل إلى مسارح الأحداث لأسباب مختلفة وعلى رأسها اتخاذ اى ســـلطات قمعية فى الدول المستبدة سياسات خاطئة لإحداث تعتيم إعلامى . لقـــد أكدت وقتهـــا على أن وســـائل الإعـــلام الجديـــد وعلى رأســـها" الفيس بوك" سوف تتســـبب فى إحداث تغييـــر حقيقى فـــى مفهوم العلاقـــة بين الدولـــة والمواطن لتكـــون قائمة على الشـــفافية والصراحـــة والصدق، وحذرت من أن الراغبين فى التشـــبث بالمفاهيم القديمة البالية ويصرون عليها فإنهم يســـتعدون من الآن لأن يكونوا أضحوكة هذا العالم الجديد وسيكونون خارج حسابات المستقبل. و من الأكيد أن الســـلطة التى تدير البلاد الآن فى مصر هى من هؤلاء المتشبثين بالطرق البالية القديمة.. يسقط .. يسقط حكم العسكر .

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.