حكايةإلك ونية

LoghetAlasr - - 23 - د. مصطفى الضبع egedu. fayoum.mid00@

ســـافر صديقي لإجراء جراحة دقيقة في مستشـــفى متخصص بمدينة نابولي جنوبي إيطاليا، وبعد قرابة أسبوعين في المستشفى كان عليه الانتقال إلى شقيقه الذي يعيش في بولونيا على بعد قرابة ٥٠٠ كيلو متر شمالا، وعلى الطريقة المصرية وحتى لا يكلف شقيقه بمهمة الحصول على العلاج قرر شراء دواء معين من نابولي قبيل السفر، وفور وصوله بولونيا ( على الطريقة المصرية أيضا ) وكنوع من المجاملة حصل الشقيق على تذكرة العلاج قاصدا أقرب صيدلية للحصول على الدواء، هناك واجهه الصيدلي بالرفض قائلا : أمس صرف للمريض نفسه في صيدلية كذا في نابولي كمية تكفيه عشرة أيام فليس من حقه صرف الدواء قبل هذا التوقيت . بالطبع ســـنتوقف عند حدود التعجب من العالم المنظم ( أو المسستم ) حسب التعبير الشـــبابي، ونكتفي بإبداء الإعجاب لهؤلاء الذين يضعون نظاما صارما لشراء الدواء لا تعيقه مســـافة (٥٠٠ كيلو متر )، ولكن الأخطر أننا لا نفكر في الإفادة من تجارب من سبقونا، أو نحاول - مجرد المحاولة – التفكير في نظام بديل ( هذا إذا كان نظامهم لا يناسبنا بشكل او بآخر ). يعتقـــد البعض أن العمل وفق منظومة إلكترونية ضرب من المســـتحيل، ولكن قليلا من المنطق يدلنا على أن المجتمعات المتقدمة لا تهبط عليها الأنظمة من السماء ولا تستيقظ صباحـــا لتجدها أمام الباب مع زجاجـــات اللبن الصباحية، المجتمعات المتقدمة ( وهو فارق واضح بيننا وبينهم ) تعمل على تطوير نفســـها باســـتمرار، تنتقد نفسها لتعمل على تطوير الأداء ( أليس هذا هو المعنى الكامن في إتقان العمل كما دعت إليه الأديان وأقره الإسلام ؟)، ومنذ فجر البشرية ومهما تباعدت المسافات بين المجتمعات الإنسانية يتناقل البشر الخبرات وتنتقل بينهم المعرفة والتكنولوجيا، ومنذ بداية عصر الاختراعات لم يســـتطع أحد أن يمنع تقدم المعرفة من الذيوع والانتشار أو حصرهما في جغرافية معينة فالعلم بطبيعته انتشاري النزعة يعتمد نظرية الأواني المستطرقة في الحركة من بيئة إلى أخرى (هل حصر أديسون اختراعه للمصباح الكهربائي على موطنه فقط، وهل كان بإمكانه أن يفعل ذلك ؟) يحتاج الإنسان في حياته اليومية والمجتمعات في صناعتها مجال أبنائها الحيوي إلى نـــوع من التنظيم الدائم للعمل : تنظيم حركتها وتنظيم مـــا تمتلكه من معارف وعلوم وإمكانيات مادية، ولا ســـبيل لها للإفادة من كل ذلك إلا بالتنظيم وإنشاء قواعد بيانات قادرة على دعم اتخاذه لقراراته ومعرفة حدود حركته وفق ما يكتنز من إمكانيات تضعه عند تفكيره في مشروع ما أمام خيارين : يمتلك فينطلق، أو لا يمتلك فيفكر في توفير ما ينقصه لينطلق إذ لا سبيل أمامه سوى أن ينطلق في كل الأحوال . وفي العصر الحاضر لم تعد قواعد البيانات نوعا من الترف، ولم تعد تطبيقات البرمجيات مجرد واجهة إلكترونية، وإنما هي تمثل منصة إطلاق مشـــروعات التنمية الإنســـانية والإجتماعية تفرضها طبيعة اللحظة التاريخية ويفرضها النموذج الحضاري الذي تسعى الأمم والشعوب للالتزام به فضلا عن كونها ذاكرة جديدة للإنسان . إنها ثقافة البناء التي يجب الالتزام بها ونشـــرها على نطاق واسع لنكون قادرين على وضع أنفسنا في المكان اللائق وهو ما يدفع مؤسسات الدولة إلى تتبنى مشروع إنشاء قواعد بيانات تخص كل المؤسسات والمرافق والإمكانيات القادرة على تحديد موقفنا من أنفسنا قبل أن نحدد موقفنا من العالم .

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.