خواطر ريادية الل بيسة

LoghetAlasr - - NEWS - Comarenho. nabil@ د. نبيل محمد شلبى

ليســـت هي المرأة التي تنحصر مهمتها في إعداد ملابس من ترافقها، وليســـت هـــي الأداة التي تســـاعد البعض في ارتـــداء حذائه!!. إنها "لبِّيســـة" مختلفة كانت مُلهمتي لكتابة هذا المقال الذي يُســـلط الضوء على البيروقراطيـــة الحكومية والإجراءات المعقـــدة والطويلة في إنهاء المعاملات في مصر المحروســـة وفي عصر الحكومة الإلكترونية.. ففي صباح هذا اليوم، كنت أراجع إحدى الدوائر الحكومية لتوصيل هاتف جديد لشركتي، أقنعت الحضور بالوقوف في طابور منظم لعدم إزعاج الموظفة، ولإنهاء معاملاتنا بســـرعة، لاحظـــت أن الموظفة تقوم بتعبئة نمـــاذج من عدة صفحات ببيانات كثيـــرة وأرقام بالجنيه والقرش تقوم بتجميعها يدويًـــا، ثم تكتب الإجمالي بالأرقـــام والحروف هكذا: فقط خمســـة جنيهات واثنان وأربعون قرشا لا غير.. تستغرق هذه العملية من عشـــرة إلى عشرين دقيقة، تبعًا لســـرعة احتسائها شاي الصباح الساخن مع تناول بعض المعجنات المصرية المحشوة أو السادة. فجأة صاحت الموظفة: اللبيسة.. اللبيسة.. أين اللبيسة؟ .. لقد وقع غطاء القلم البلاســـتيكي وهو ما يُعرف في مجتمع الدلتا القروي باللبيســـة. شـــاركها أغلب الموظفين برحلة البحث عن اللبيســـة وعددهم يزيد على العشرة موظفين، ولا أدري كيف صفوا مكاتبهم وكراسيهم في مساحة لا تتجاوز عشـــرة أمتار مربعة. بحثوا أســـفل المقاعد والمكاتب لزمن، ثم صاح أحدهم على طريقة أرشـــميدس: يوريـــكا يوريكا.. وجدتها.. وجدتها. التقطت أنفاســـي وتمتمت: الحمد لله أخيرًا وجدوا اللبيســـة، وسنتمكن من إنهاء المعاملات. وحســـب الأنظمة واللوائح المعمول بها ربمـــا منذ عهد محمد علي.. يجب عليـــك أن تأخذ هذا النموذج لتدفع بالخزينة، وهي في موقع آخر في بناية مجاورة عليك أن تمشـــي قرابة المائتي متر وتصعد ســـلالم وتهبط من أخـــرى لتدفع هذا المبلغ الكبير خمســـة جنيهات واثنين وأربعين قرشا، ثم تعود لنفس الموظفة لتسلمها صورة من الإيصال لتتحقق من السداد، وتستكمل المعاملة لاحقًا. مشـــهد نراه يوميًا إذا اضطرتك الظروف للتعامل مع الشهر العقاري أو الحي الذي تتبعه، أو أغلب الجهات الحكومية. أحيانًا، تكتب طلبات بصيغة طويلة يُمليها عليك الموظف، ثم تذهب بها للشـــئون القانونية - في طابق أو مبنى آخر- لتســـجل هذه الصيغة في دفاترها وتعتمدها وترســـلها لجهة أخرى تقدر الرســـوم، لتذهب بعد عدة توقيعات وربما أختام إلى الخزينة لتدفع ثلاثة جنيهات كاملة، وبالطبع إيصال السداد مـــن عدة صور لك وللجهـــات الأخرى التي ستســـتكمل معاملتك. لقد لفت انتباهي بالعاصمة الأمريكية واشنطن، عدد كبير من الأشخاص يجلســـون في قاعة كبيـــرة مُكيفة في مول تجاري عـــادي. ظننت في البداية أن ذلك فرع لبنك حيث يُمســـك كل مراجع بورقة مطبوع عليها رقم مسلســـل، لكن أخبروني بأن هذا المكان هو فرع لإدارة المرور يتم إنهـــاء المعاملات فيه تيســـيرًا على المواطنين بالوصـــول لأقرب أماكن لهم. تذكرت "علقة كل عشـــرة ســـنوات"، وهو تعبير أســـتخدمه عندما أجـــدد رخصـــة القيادة كل عقد من الزمان، حيث أســـعد بنزول وزني بعض الجرامات جراء ماراثون الأختام والتوقيعات في مكاتب متباعدة بصورة عشوائية وفي مساحة كبيرة وفي طوابق مختلفة. لقد أجريت دراســـات ومُســـوحات عديدة في عدد من البلدان العربية عن المعوقات التي تجابه الشـــباب عند بـــدء أعمالهم، وكنت أتوقع أن يكون التمويل أو قلة الخبرة أو تســـويق المنتجات هي أهم مشـــاكلهم، لكـــن بالفعل كانت طول الإجراءات الحكوميـــة وتعقدها وكثرة الجهات المرتبطة بالمنشـــآت الصغيرة هي المشـــكلة الأولى التي يعتقد الشباب بأنها العدو الأول لمشاريعهم، خاصة إذا علمنا أن نسبة ٦٠٪ من تكلفة القيام بالأعمال في مصر، تأتي مـــن القيود الإجرائية والبيروقراطية، وأن هناك ٢٥٦٦ جهة تتعامل مع المنشـــآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة. وبالرغم من حدوث ثورتين في مصر، إلا أن تقرير ممارســـة أنشـــطة الأعمال لعام ٢٠١٤ الذي يصدره البنك الدولي بالتعاون مع مؤسســـة التمويل الدولية، قد أظهر تراجع مصر في ترتيبها على مؤشـــر سهولة ممارســـة الأعمال ليحل في المرتبة ١٢٨ مقارنة بالمرتبة ١٠٨ في العام الماضـــي، بالرغم من قيـــام الحكومة المصرية بتنفيذ إصلاحات ســـتة مرات في مجال بدء النشـــاط التجـــاري منذ عام ٢٠٠٧، وكان آخرها إلغاء شـــرط الحد الأدنى لـــرأس المال، إلى جانب الحد من الرســـوم القانونية المفروضة وتبســـيط نشـــر الإعلان الرســـمي، بالإضافة إلى تحسين مجمع الشباك الواحد. ما نحتاجه في الوطن الغالي ببســـاطة، هو هدم الحواجز البيروقراطية والروتينية، فهي العدو الواضح للإبداع وريادة الأعمال، وتغيير الصورة النمطية للموظف البيروقراطي الذي يعلق خلف مكتبه لوحة مكتوب عليه "الصبر"، ويكرر دومًا لمراجعيه "فوت علينا بكره يا سيد"، كما لا يحزن على ضياع "اللبيسة".

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.