الرهان على الحصان التكنولوجي!

LoghetAlasr - - الصفحةالأخيرة - د. رأفت رضوان

comyahoo. 1951@radwan_

تعي �ش مص �ر حالة من المخاض التنموى لأكث �ر من 60 عامًا دون أن ينتهى ه �ذا المخاض إلى مولود يرضى الش �عب. فبعد ثورة يولي �و 1952 دخلت مصر مخاضه �ا التنم �وى الأول عندما ق �اد عبدالناصر توجهات الأم �ة بالرهان على الصناعة كمدخل للتنمية، وعاشت مصر مرحلة مخاض صعبة لإنشاء بنية صناعي �ة يمك �ن الاعتم �اد عليها فى تحقيق طموحات الش �عب فى مس �تقبل أفض �ل.. الرهان على حصان الصناعة لم يس �تمر لفت �رة طويلة حيث بدأت لحظ �ة النهاي � ة الفعلية مع نكس �ة يونيو وإن تأخر الإعلان الرس �مى عنها حتى التس �عينات عندم �ا قررت الدول �ة التخلص م �ن القطاع العام فبيع �ت المصانع بأسعار بخسة وسرح العمال تحت مسميات كان أرقها هو " المعاش المبكر".

فى فترة مبارك عاش �ت مصر مخاضها التنموى الثاني، كان الرهان فى هذه الم �رة على حص �ان الس �ياحة، وظهر على الس �احة التعبير الش �هير "الس �ياحة قاط �رة التنمي �ة"، وبالفع �ل انطلق �ت المش �روعات الس �ياحية على الش �واطئ والبحي �رات بس �رعة كبي �رة، وأقيم �ت الق �رى والمنتجع �ات الس �ياحية بأي �دى الدول �ة والقطاع الخ �اص. الدولة أطلقت مش �روعات الس �احل الش �مالى بدءا م �ن مراقيا وانته �اء بمارينا، كما انطل �ق القطاع الخاص على ش �واطئ البحر الأحم �ر يبن �ى الفن �ادق والمنتجعات الس �ياحية فى ش �رم الش �يخ والغردقة وما حولهما، والتى كانت غائبة عن فكر التنمية المصري.

بدا الأمر أن رهان الس �ياحة هو رهان جيد، حيث قفزت أعداد الس �ائحين لتصل إلى حوالى 13 مليون سائح فى عام 2010 وقفزت الإيرادات المتولدة عن الس �ياحة إلى قرابة 15 مليار دولار، لكن المصريين عرفوا أن الس �ياحة حصان يصع �ب الاعتم �اد عليه، لأنه "ه �ش" ويتأثر تأث �را بالغا بأى اح �داث داخلية أو خارجي �ة ... وكثيرا ما يتحول هذا القطاع بين ي �وم وليلة من مصدر للدخل؛ ليكون مصدرًا للألم للآلاف من العاملين نتيجة لأزماته.

عاش المصريون أزمات قطاع الس �ياحة س �واء لأس �باب داخلي �ة أو خارجية. عاشوا الأزمة فى 1997 نتيجة لحادث الأقصر الشهير، وعاشوا الأزمة فى 2001 نتيج �ة للهج � وم على برجى مرك �ز التجارة، وعاش �وها نتيجة تفجي �رات طابا وتفجير ش �رم الش �يخ، وبواقع مرة تقريبا كل 3 س �نوات، ويعيشونها الآن لأكثر م �ن 3 س �نوات. التنمية الس �ياحية أيض �ا أظهرت أنه �ا تحقق نم �وا اقتصاديا سريعا فى حالة ثباتها واستقرارها، لكنها لا تحقق "تنمية" عادلة تتوزع ثمارها بدرجة ملائمة على جميع قطاعات المجتمع بما يزيد من تماسكه وترابطه، وهو ما شهدناه فى الفترة من 2005 وحتى قيام ثورة يناير 2011 .

م �ا ب � ين الصناع � ة والس � ياحة ظه � رت دع � وات متك � ررة للع � ودة للزراع � ة لتك �ون هى الحصان الذى نراه �ن عليه كون مصر موصوف �ة دائما بأنها أرض الحض �ارة الزراعية، لكن ه �ذا الاختيار يبدو وكأنه خيار م �ن الماضى ولا يصلح للمس �تقبل، ف �الأرض الزراعية المصرية تتآكل بصورة متزايدة، حيث تخس �ر مص �ر فى المتوس �ط 30 ألف فدان كل ع �ام من أجود الأراض �ى الزراعية نتيجة البن �اء غي �ر المرخ �ص، والذى فش �لت الدولة فى أقص �ى درج �ات عنفوانها فى مواجهته، بل وتزايدت المس �احات المعتدى عليها خلال السنوات الثلاث الماضية لتص �ل إلى قرابة 50 ألف ف �دان. والأصعب أيضا أن نتكلم ع �ن الزراعة ونحن نعي �ش بالفع �ل حالة الفقر المائ �ى والتى يقل فيه �ا نصيب الفرد م �ن المياه عن 1000 متر مكعب ) رصيد الانسان المصرى الآن لا يصل إلى 750 مترا مكعبا( ، وهذا بالطبع قبل مش �اكل الس �دود الاثيوبية والتى ندعو الله أن تحل دون أن تؤثر على حصة مصر الثابتة منذ عام 1959 والبالغة 55 مليار متر مكعب.

خلاصة الأمر الرهانات الثلاثة )الصناعة، الس �ياحة، الزراعة( مهمة جدا، ولكنه �ا لا يمك �ن أن تحقق طموحات الش �عب المص �رى فى تنمي �ة عادلة وغير منح �ازة لقل �ة على حس �اب باقى فئ �ات المجتم �ع. ولا يمكن تص �ور أن المجتمع

> الرئيس الأسبق لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء

المصرى � بعد طول فترة المخاض التى عاش �ها والتى طالبته حكوماته المتعاقبة بش �د الح �زام عل � ى أمل حل المش �اكل والانط �لاق إل �ى التنمية � يمك �ن التعامل مع �ه ب � ذات الطرق وذات الأس �اليب وخصوصا بعد أن ع �رف وتعود على طعم الثورة!!!

الش �عب المص �رى صب �ر كثيرا وتحم �ل طويلا ووعد م �رارا أن الغد أفضل، ناصر وعده بتماثيل رخام على شواطئ الترع، السادات وعده بعام الرخاء فى 1980 ، مبارك وعد المصريين كثيرا وبلغ الأمر من طول فترة الحكم إلى القول أن الانجازات فاقت المعجزات، ناهيك عن مش �روع النهضة الذى شربه المجتمع المصرى م �رارة ووبالا على كينونته ووطنيته وانته �ى بتضاعف عجزه وتآكل حتى احتياطياته القليلة أصلا.

المجتمع المصرى يريد رهانا كسبانا لأنه راهن كثيرا وخسر طويلا ولم يعد ق �ادرا على تحمل المزيد م �ن الرهانات والتجارب الفاش �لة. الرهان المس �تقبلى يج �ب أن يكون ناجح �ا، والنجاح فى ه �ذا الرهان يرتكز عل �ى الإدارة الحكومية الرش �يدة والكف �ؤة ذات الإرادة م �ن جان �ب والق �ادرة عل �ى إدارة التغيي �ر عل �ى الجانب الآخر ... وأحس �ب أن هذا هو التحدى الأكبر الذى تعيش �ه مصر حيث تمث �ل الإدارة الحكومي � ة الس �يقان الكس �يحة غي �ر الق �ادرة عل �ى حم �ل أحلام المصريين فى المستقبل الأفضل إلى الأمام.

المش �كلة أن إص �لاح الجه �از الحكومى عبر الأس �اليب التقليدي �ة يبدو وكأنه راب �ع المس �تحيلات نظرا لاكتظاظ ه �ذا الجهاز بالموظفين غي �ر المنتجين وغير الراغب �ين ف �ى التغيير خصوصا مع تدنى مس �تويات الأجور وظ �روف العمل، هذا بالإضافة إلى ترسانة القوانين واللوائح والتعليمات المكتوبة وغير المكتوبة التى تشل حركة أقوى الأحصنة وتمنعها من أبطأ أنواع الحركة الممكنة.

وأم �ام ه �ذه التحديات تأت �ى تكنولوجيا المعلومات والاتص �الات ببارقة أمل حقيق �ى فيما يمكن أن تقدمه لتلك الإدارة ش �به المش �لولة، ويعتمد هذا الأمل عل �ى ما يطلق عليه القفز فوق التعقيدات البش �رية والاعتماد على الوس �ائل والأس �اليب التقني �ة من خلال م �ا تعارفنا عليه باس �م "الحكوم �ة الالكترونية" والتى قدمت للإنس �انية آفاقا جديدة لأداء العم �ل عن بعد أو من خلال المفهوم الحضارى الجديد" اتصل ولا تنتقل" .

وإذا كان �ت مص �ر ق � د تبن �ت النم �وذج التقلي �دى للحكوم �ة الإلكتروني �ة مع انتقال تنفيذ المش �روع من مركز معلومات مجلس الوزراء إلى وزارة الاتصالات عند إنش �ائها فى ع �ام 1999 ثم إلى وزارة الدولة للتنمي �ة الإدارية عندما تولى مسئوليتها مهندس لأول مرة فى عام 2005 .. فيبقى السؤال: ماذا بعد كل هذه الس �نوات؟ هل حقق �ت الحكومة الالكترونية المصري �ة الطموحات التى تجعل منه �ا حصانا يجب المراهنة علي �ه؟ وهل النموذج ال �ذى تم تبنيه هو النموذج الأمثل للحالة المصرية؟ وهل للحكومة الإلكترونية ش �كل ونمط محدد، أم أنها يجب أن تتش �كل وفق ظروف كل مجتمع؟ هل يمكننا توظيف نموذج جديد يقفز فوق العقبات التى عشناها ويؤثر على التنمية فى مصر؟

أس �ئلة كثي �رة له �ا إجاب �ات مختلف �ة ولكنه �ا جميعا ت �ؤدى ل �ذات النتيجة، وه �ى أن الره �ان المص �رى يجب أن يك �ون على الحص �ان التكنولوج �ى فى كافة المج �الات والتطبيق �ات، وأنن � ا س �واء قبلن �ا أو رفضن �ا ف �إن الوج �ود ف �ى القرن الحادى والعش �رين يلزمنا أن نستخدم أدواته وإمكانياته فى مواجهة تحدياته ومش �اكله.. لك �ن قب � ل الره �ان دعون �ا نتناق �ش ... ه �ل تس �تطيع تكنولوجيا المعلوم �ات والاتص �الات أن تعي �د تش �كيل المجتمع المص �رى وأن تطل �ق طاقته وإمكانيات �ه لينطلق بس �رعات أكب �ر للأمام ؟؟ هذا هو مح �ور مقالاتنا التالية.. وللحديث بقية.

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.