طوابير الجهاز الإدارى.. معرقل التنمية!

LoghetAlasr - - الصفحةالأخيرة - Comyahoo. 1951@radwan_ د. رأفت رضوان

تواج �ه مصر تحدي �ات تنموية متع �ددة تقلل من فرصتها وم �ن قدرتها علي الانطلاق للأمام، فما بين اقتصاد استهلاكي ضعيف البنية يتمثل في منظومة زراعية عفي عليها الزمان، وبنية صناعية استس �هلت التركيب والتجميع بحثا عن الربح الس �ريع، ومنظومة س �ياحية تتقات �ل علي فقراء العال �م وتهدر ثروة طبيعي �ة ومكانه تاريخية خاصة لمصر، إلي تعليم متهالك يضخ س �نويا حوالي مليون خريج بلا قدرات أو مهارات تتناس �ب مع احتياجات س �وق العمل أو حتي م �ا أنف �ق عليه �م – برغم محدوديت �ه – يأتي ضع �ف وترهل وس �وء أداء الجهاز الإداري للدولة بوصف �ه المعرقل الأكبر لكل طموحات التنمية والقاتل الأول لكل جهود التقدم والانطلاق.

وط �وال الس �نوات الت �ي أعقبت ث �ورة 1952 عش �نا محاولات متع �ددة لإصلاح ه �ذا الجه �از البيروقراط �ي العتيق أوصلتن �ا جميعا وبلا فخر إلي الفش �ل التام، ب �ل وعل �ي العكس مما اس �تهدفته ف �ي الاص �لاح فق �د زادت الطين بل �ة وانتهت دائم �ا بتزاي �د أع � داد العاملين في �ه وإضافة المزيد م �ن التعقي �دات والاجراءات العقيمة إلي آليات التعامل فيه وبحيث أصبح أي تعامل معه هو نوع من العذاب للمواطن المصري ناهيك بالطبع عن المس �تثمر الاجنبي. س �قطت مش �روعات الاصلاح الإداري في عصر مبارك ، والثورة الإدارية في عصر السادات، والقضاء عل �ي البيروقراطي � ة ف �ي عصر عب �د الناص �ر، وصمد الجه �از العتيق الفاش �ل وأثب �ت أنه ق �ادر علي امتصاص جميع الصدمات، وحت �ي ثورتي 25 يناير و 30 يونيو بدأتا مهادنته بضخ نحو مليون عاطل جديد في شرايينه المسدودة أصلا ليضافوا إلي طابور المعطلين للتنمية.

وعندم �ا خرج �ت إل �ي العال �م أف �كار "أوس �برون : Osborn " التي تبن �ت إعادة بن �اء الاجه �زة الإدارية في كتاب �ه الش �هير Government" the Inventing Re " م �ن خلال فكر القطاع الخاص لإطلاق طاقات المجتمع التنافس �ية، فقد انتقلت مصر لمرحلة أعقد من س �وء الأداء وهي س �وء أداء القطاع الخاص والذي اكتفي بتوفي �ر ذات مس � تويات أداء متدني �ة م �ع تقاض �ي مقابل ضخم لا يتناس �ب مع حج �م التحس �ين ف �ي مس �تويات الخدم �ات. حدث ه �ذا ف �ي التعلي �م والصحة والنق �ل بصورة جلي �ة حيث لا يختلف مس �توي خريجي الم �دارس الخاصة ذات الكلف �ة العالي �ة ع �ن أقرانه �م ممن يلتحق �ون بم �دارس حكومية، ول �م تختلف مس �تويات الخدم �ة كثي �را في المستش �فيات الخاص �ة الغالي �ة ع �ن نظيرتها في المستش �فيات العامة الرخيصة، كما لم تتحس �ن حالة خدم �ات النقل من خلال الميكروباصات عن الحالة المتدنية لأتوبيسات النقل العام!!!

تعق �د المنظوم �ة الإداري � ة فت �ح الب �اب عل �ي مصراعي �ه لفك �ر الالتف �اف عل �ي القوان �ين والاج � راءات المعطلة، وهو ما أطل �ق العنان للفس �اد ليصبح هو الأصل في أداء العمل . وتطورت خلال الس �نوات الثلاثين الأخيرة مفاهيم المحس �وبية والرش �وة الت �ي كانت ترفضها قي �م المجتمع إلي مفاهيم تفتي �ح الدماغ والإنجاز التي صارت أساسا لإنهاء التعاملات في الجهاز الإداري. وتطور التعبير البسيط " وينجز تنجز" – وينجز: نوع سجاير شهير قبل الكليوباترا والماركات الاجنبية – ليصبح "إبرز تنجز" ليعكس التحول في صورة الرشوة من سيجارة الاصطباحة إلي الدفع النقدي مقابل أداء العمل.

كي �ف يت �م إذاً تطوي �ر المنظومة الإداري �ة في مصر؟ ه �ذا هو التح �دي الأكبر، ف �دون تطوي � ر تلك المنظومة فقل علي التنمية الس �لام، وبالطبع فإن تصور أن تكنولوجي �ا المعلوم �ات والاتصالات بمفردها قادرة علي إصلاح ما أفس �ده الدهر في خبطة واحدة هو تبسيط واستخفاف بحجم التحديات التي يواجهها الجهاز الإداري المترهل والممتلئ بكل أش �كال قلة التنظيم والفس �اد وضعف مس �تويات الأداء. وبالتالي فإن الاقتراب من مفهوم أداء الأعمال الالكترونية يجب أن يراعي كل تل �ك التحديات وألا يس �ارع إلي فكرة إتخ �ام تلك المنظوم �ة الإدارية المتخلفة بأجهزة كمبيوتر لن تستطيع أبدا أن تغير ما فعلته السنون في أدائها.

تجربة إدخال الكمبيوتر في المدارس خير شاهد علي أن الموضوع أكثر تعقيدا من فكرة ش � راء الاجه �زة أو أن تلك الأجهزة بمفردها يمك �ن أن تطور المنظومة، فعب �ر الس �نوات الت �ي قاربت علي العش �رين )ب �دءاً م �ن 1986 ( اش �ترت الوزارة أجه �زة بمليارات الجنيهات، وضع أغلبها في معامل تحت القفل، وتقادم الكثير منها دون اس �تخدام حقيقي، وإذا قيس العائد التعليمي منها فإننا س �نكون أمام "كارثة" إهدار مال عام تستدعي مساءلة الكثيرين.

التجرب �ة الأكث � ر نجاحا ف �ي تطبيق نظ �م المعلومات ف �ي الجه �از الإداري وهي تجربة الرقم القومي والتي بدأها مركز المعلومات ودعم القرار برئاس �ة مجلس الوزراء مع مصلحة الأحوال المدنية منذ عام 1991 لازالت غير مكتملة، وتوقفت عن �د إص �دار بطاقات الرقم القومي وبذات الطريقة الفاش �لة التي كانت تصدر به �ا البطاق �ات الورقية. بل والمذه �ل أن البطاقة اليدوية كان �ت تصدر في نفس الي �وم، بينما البطاق �ة الالكترونية تص �در بتأخير يصل إلي أس �بوعين، ناهيك عن العذاب الذي يلاقيه المواطن في طابور التقديم المهين والذي لم يتغير شكله ولا أسلوبه برغم التطور المكاني الكبير لمكاتب مصلحة الأحوال المدنية ومبانيها.

نعم طوابير الحكومة شئ مهين بحق، ولكننا عشقناها إلي مرحلة الإدمان في حال �ة عجيبة من حالات "لذة تعذيب النفس"، وصار المنظر المألوف هو عش �رات أو مئات المواطنين الذين يقفون في صفوف متلاصقة أمام موظف يجلس علي مكتب �ه ليخ �دم واحداً فقط والباق �ون ينتظرون وهم يتل �ذذون بالتعذيب الذي يمارس �ه من يفترض أنه "خادم عام Servant: Public ،" ولم تفكر الحكومة ولا مدي �رو الجه �از الإداري في جهاز تكنولوجي بس �يط يعطي أرقاماً مسلس �لة لكل طالب خدمة كما يحدث الآن في معظم البنوك في القاهرة والاسكندرية.

في التموين، في البريد، في الش �هر العقاري، في الجوازات، في الأحوال المدنية أو بالأح �ري ف �ي أي جهة حكومي �ة يمكن أن تتطور الخدم �ة وينعكس ذلك علي المواط �ن بصورة كبيرة بمجرد توفير جهاز بس �يط يسلس �ل الحق في الحصول عل �ي الخدمة وفق نظام من يأتي أولا يخ �دم أولا " Service First Come First " وه �و ما س �يؤدي إلي إنهاء ص �ورة الطاب �ور التقليدي المهين وبحي �ث لا يقف أمام الموظ �ف إلا ف �رد واح �د، ب �ل ويمكن أيضا الاس �تعاضة ع �ن الجهاز، ال �ذي لا تزيد تكلفت �ه عل �ي 300 جني �ه، بمجموع �ة ك �روت عليه �ا أرقام مسلس �لة ف �ي علبة يس �حب منها المواط �ن كارتا يعرف منه دوره ف �ي الطابور، وبحي �ث يمكنه إدارة وقته بطريقة أكثر نفعا له وللمجتمع.

قضي �ة الحكوم �ة الالكترونية لا تتوق �ف عند أداء الخدم �ة بالكمبيوتر أو علي الانترن �ت فقط ولكنها تتحول الأن إلي مفهوم اكثر تركيزا علي تجويد وتحس �ين الخدم �ة من خلال مفه �وم "الحكومة الذكي �ة" والذي يقصد من �ه الحكومة التي تط �ور أدائه �ا بص � ورة مس �تمرة لتلبي �ة توقع �ات المتعاملين معه �ا، وبما يضمن تعظي �م العائ �د م �ن الم �وارد الش �حيحة الت �ي تملكه �ا .. يعني خدم �ة أفضل في وق �ت أقل وبتكلفة أقل س �واء كان ذلك بالكمبيوت �ر أو الأنترنت أو حتي بالحمام الزاجل.

الأمم لم تعد تتنافس فقط الجودة والس �عر ولكنها صارت تتنافس في الوقت، والجمي �ع يتحدث عن أداء الاعمال بس �رعة الأف �كار the( at Business Doing Thoughts of Speed ) ونح �ن لا زال أي تعام �ل م �ع أي جه �ة حكومي �ة ف �ي موضوع بسيط للغاية يقتضي يوم إجازة عارضة .. فهل نفكر ؟؟؟ .. وللحديث بقية

> الرئيس الأسبق لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.