«التعليم أهم حاجة يا بيه»

LoghetAlasr - - الصفحة الأولى - نبيل الطاروطى egorg. ahram.taroty@ n. Email:

«مين وزير التعليم؟ قولى مين هو وهيعمل ايه أقول لك إذا كانت البلد هتتقدم ولا لأ..» بهذه الكلمات صاح سائق التاكسي غاضب �ا حينم �ا كن �ت أحدثه ع �ن ملامح التش �كيل ال �وزاري الأخي �ر، وتقمصت دور حس �ين الجس �مي في رائع �ة أغنياته «أملن �ا كبي �ر» مح �اولاً إخراجه م �ن حالة الكبت الذي س �يطر عليه ثم اس �تطرد السائق قائلًا: «التعليم أهم حاجة يا بيه لا تقولى سياسة ولا اقتصاد» .

س �ائق التاكس �ى أجبرنى بعم �ق كلماته على ع �دم الفصال ف �ى الأجرة، وتركت التاكس �ى بع �د ما دفعت خمس �ين جنيهًا أجرة مش �وارى من أمام جريدة الأهرام بوسط البلد بالقاهرة حتى منتصف ش �ارع فيص �ل بالجي �زة، وأنا التمس للس �ائق الأعذار فهو قد انتقل بى من محافظة لأخرى ، بارك الله فيه، وس �رعان ما نس �يت المبلغ الذى تقاضاه الس �ائق غير أننى لم أنس عباراته الحادة عن التعليم وأهميته.

فعندما نناقش قضية التعليم ف �ى مصر، نجد الصورة لها الكثير من الوج �وه، أحد هذه الوجوه التناحر داخل المجتمع المص �رى، بين غالبية تؤيد عجلة التنمي �ة والتطوير والبناء، وقل �ة موت �ورة تري �د ج �ذب العجل �ة للخل �ف بدع �م الإره �اب واله �دم، ف �ى محاول �ة يائس �ة منه �م لوق �ف عجل �ة التاريخ أو رجوعها للوراء، ووجه آخر للصورة تتبارى فيه بعض وسائل الإعلام لتوجيه النق �د للعملية التعليمية بأكملها من مناهج ونظ �م تدريس وتدريب المعلمين، وصولًا لحوادث أتوبيس �ات المدارس، ويظهر الوجه الثالث من الصورة ليلقى الضوء على طبيعة وطريقة تعامل الصفوة مع مشكلة التعليم فى مصر فن �رى برلمانًا فى حيرة منذ عقود طويلة بش �أن إلغاء الس �نة السادسة من مرحلة التعليم الأساسى تارة والإبقاء عليها تارة أخ �رى، وح �دث ولا ح �رج عن الثانوي �ة العامة – لي �س مجالنا الآن – والدروس الخصوصية ونظام القبول بالجامعات ومواد التأهيل للكليات العملية والأدبية.

وهنا أعترف وأنا فى الخمس �ين من عمرى، أنني عش �تهم خمس �ين خريفًا فى هذا السجال الممتد حول تطوير التعليم والتحق �ت بالتعلي �م وتخرج �ت وكذل �ك أبنائ �ى ول �م يتطور التعليم فى مصرنا الحبيبة إلا للخلف.

ولو عبرنا حدود الوطن العزيز علينا جميعًا، س �نرى جانبًا آخ �ر من الص �ورة، حيث ينظ �ر جيراننا من الع �رب والأجانب إلى تطوير التعليم نظرة مختلفة،فارتقت آمالهم وأحلامهم لآفاق بعيدة، حيث يرون أن مجرد إدخال استخدام الكمبيوتر وأدوات �ه فى المدارس لم يعد يكفى لتعليم الطلاب التقنية، بل يج �ب أن يتعلم �وا جميعهم كيفي �ة البرمجة ضم �ن التعليم الأساسى،فالبرمجة هىحجر الأساسلنظام التعليمالحديث.

وهنا قد يس �خر أحدنا ويتس �اءل: هل من الضرورى تعليم جمي �ع الط �لاب الكمبيوت �ر والبرمج �ة، ه �ل س �نصبح كلن �ا مبرمجين؟ الإجابة أيضًا س �تجدها ف �ى جولتك داخل الدول المجاورة عندما قال �وا: نعم جميع الطلاب.. فلماذا يتعلمون جميعهم كرة القدم ف �ى دروس الرياضة، ولا ينتهى بهم الأمر فى المنتخب الوطنى، ولا حتى فريق المدرسة؟

فإن هدف التعليم هو إعداد الأجيال للحياة العملية وس �وق العمل، ولا يمكن لهؤلاء النجاح إن لم يتقنوا أدوات العمل التى أصبحت كلها تعتمد على الحوس �بة والكمبيوتر فى مختلف القطاعات فى أى بلد فى العالم.

بالإضاف �ة إلى الفائ �دة الكبيرة التى تس �اعدهم فى حياتهم مهما يكن العمل الذى يختارونه مستقبلًا، فالكمبيوتر أصبح هو أح �د أهم الإنجازات الإنس �انية الحديثة وبفضله يمكنهم تحقيق إنجازات عديدة أخرى.

كم �ا أن تعل �م البرمج �ة لا يعن �ى بالض �رورة الس �عى للعمل كمبرم �ج أو مهن �دس كمبيوت �ر، لكن �ه ق �د يعن �ى تعلم �ك اس �تخدام المنط �ق والتفه �م والتعبي �ر ع �ن نواي �اك بأس �لوب منهجى مفهوم، فهو وس �يلة لتفهم المشاكل من خلال الخوض فى أعماقها لفهمها وإيجاد الحل لها .

ه �ذا ما دف �ع بلدا مث �ل أس �تونيا لأن تق �وم بتنفي �ذ برنامج تعليم �ى يجع �ل كل ط �لاب الم �دارس الحكومي �ة يتعلم �ون البرمج �ة تحت عنوان مبادرة )بروجى تيجر(، تهدف المبادرة إلى تحويل الصغار من مجرد مستهلكين مهووسين بالتقنية إل �ى مطورين لها، س �يتم تطبيق البرنامج م �ع طلاب الصف الأول ممن هم فى س �ن الس �ابعة أو الثامنة م �ن الصغار حتى سن السادسة عشرة .

كما يجرى أيضًا تدريب المدرس �ين والمدرس �ات على المهارات الجدي �دة مع مس �اهمة ش �ركات التقنية فى القط �اع الخاص هن �اك ف �ى البرنامج ف �ى تلاحم رائ �ع بين الحكوم �ة والقطاع الخ �اص لخدمة التعلي �م فى أس �تونيا ، تلاحم تج �اوز حدود التب �رع بقطع �ة أرض أو مجرد بناء مدرس �ة أو معهد ثم يبدأ الص �راع ب �ين رج �ل الأعمال والحكوم �ة على أحقي �ة التعيين فيهما.

وف �ي معظ �م ال �دول الأخ �رى تكتف �ى الم �دارس باس �تهلاك التقني �ة وإجب �ار الط �لاب على ش �راء الأجهزة ث �م ينتهى بهم الأمر لاستخدام الألعاب وتصفح الإنترنت لمجرد اللهو، وبدلًا من تعلي �م الطلاب فنون الكمبيوتر يج �رى تدريبهم على النظر إليها على أنها أدوات مذهلة وغامضة دون أى إرش �ادات لفهم جوان �ب ومفاهيم أساس �ية لعلوم الكمبيوتر لترس �يخ قاعدة الابت �كار ل �دى الط �لاب، فلا تج �د ف �ي مدارس �هم وجامعاتهم معامل للكمبيوتر مغلقة بالأقفال فى كثير من الأحيان.

ولاش �ك أن دع �وة الرئي �س أوبام �ا لتعلي �م البرمجة لجميع الط �لاب الأمريكي �ين، أث �ارت ج �دلًا لن ينته �ي قريبً �ا، وتوالت ال �ردود في صح �ف ومواقع عدي �دة ، لكن هل تث �ار مثل تلك الدع �وة ف �ى التعليم فى العال �م العربى ويتحقق حلم س �ائق التاكسى المصرى؟

الاجابة: يمكن ذلك بالطبع بعد توسيع كل الأبحاث المرتبطة بذل �ك وانع �كاس الهدف عل �ى النظ �ام التعليمى ف �ي المدارس والجامع �ات، أم �ا إذا كان الهدف مجرد توليد وظائف بس �يطة مث �ل الرد على الهاتف أو البريد الإلكترونى أو تس �كين درجات وظيفي �ة خالي �ة للإس �هام ف �ي ح �ل الكلم �ات المتقاطع �ة التي انقرض �ت من أغل �ب الصحف، فس �وف يكف �ى تعليم بضعة مفردات إنجليزية لذلك الغرض وعندنا من مدارس اللغات - التى يضرب أغلبها بقرارات الوزارة عرض الحائط – ما يكفى ويزيد للتصدير مثل محصول البطاطس والتفاح فى مزارع الطريق الصحراوى.

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.