ونسى المنقرض أن «يسيّف»!

اجتمعت المؤسسة كلها فى غرفة المنقرض التى تشاركه فيها مجموعة من الزملاء. لم تكن مناسبة سعيدة، بل كان يومًا لم تطلع عليه شمس، ولم يكف فيه المنقرض عن ترديد الآهات، وكاد الدمع من عينيه أن يفر.. وكم كانت يومئذ فرحة الشامتين، وكم كان حزن المحبين.. وبالأخص هدى..

LoghetAlasr - - صديقيالمنقرض -

بدأ اليوم بصرخة سمعها القاصى والدانى بالمؤسسة.. واهتزت لوقعها الجبال.. وبكت لها السماء.. أطلقها المنقرض بعد هنيهة من دخوله الغرفة. راح المسكين يلطم خديه.. ويجذب خصلات شعره؛ الخصلة تلو الخصلة.. ولولا بقية من حياء لكان قد شق قميصه، وخبط على صدره، وولول، كما تفعل النساء! ك�ان�ت ه�دى ق�د علّمته كيف أن�ه م�ن ال �ض �رورى- بعد أن نكتب أى ن�ص على الكمبيوتر- أن نحفظه داخل الكمبيوتر كى لا يضيع. قالت له: يا منقرض، حذار أن تظل تكتب وتكتب دون أن تسيّف، وإلا فإن كل ما كتبت سوف يضيع أدراج الرياح. يا منقرض بعد أن تفتح الصفحة من حرف دابليو الموجود أمامك فى أسفل الشاشة ( والذى يعنى وورد).. فإن عليك أن تضغط على المربع الصغير- الأبيض فى أزرق- الكائن فى أعلى يسار الشاشة.. وساعتها سينفتح أم�ام�ك ب �رواز آخ� ر ب�ه ع� دة اخ� ت� ي� ارات.. فتقوم سيادتك بضغط كلمة "سيف" بالإنجليزى- يعنى حفظ يا منقرض.. ثم تسيّف فى أى مكان تختاره.. وليكن على الديسك توب مثلا.. الديسك توب يعنى سطح الكتب.. يعنى الشاشة يا منيّل.. فاهم يا منقرض؟ وطبعا- وكالعادة- فإن المنقرض لم يفهم حرفًا واحدًا مما نطقت به.. غير أن حياءه الذكورى (كونه رجلًا من ظهر رجل!) منعه من الاعتراف بعدم الفهم.. وراح كالأبلة يهز رأسه، وقد رسم على وجهه سيماء الفاهمين، وما هو بفاهم أى حاجة، وكانت نية المنقرض قد انعقدت على عدم إدخال الكمبيوتر طرفًا ف�ى عمله.. وك�ان م�نن الفطنة بحيث ل�م يكذب على نفسه.. واع �ت �رف ل�ه�ا ب� أن� ه- ف� ى م� وض� وع ال�ك�م�ب�ي�وت�ر- حمار ينقصه العليق! وم�ع ذل�ك فقد وقعت الواقعة، وح�دث ما لم يكن فى الحسبان! لقد ورد إلى القسم تكليف من رئيس مجلس الإدارة بضرورة الانتهاء من مشروع الميزانية فى غضون ي� �وم� �ين ع �ل �ى أق� �ص� �ى تت��ق ��دي ��ر، وط� �وال ع� م� ره �� ب�الم�ؤس�س�ة والم� �ن� �ق� �رض م �ع �روف عنه أن�ه أب �رع م�ن يعد ه�ذا الم�ش�روع.. واعتاد الج� م� ي� ع أن ي �ت �رك �وا له ت�ل�ك الم�ه�م�ة ال�ت�ى تتوقف عليها ك�ل أن�ش�ط�ة المؤسسة فى العام الجديد. استدعاه مدير الإدارة- ال�ذى لم يتوقف ي�ومً�ا ع�ن ق�رش ملحته، وتشويه صورته، وإذلال كرامتهوش� خ� ط ف�ي�ه ش�خ�ط�ت�ه الأث الألأث�ي ��رة:" إس �م �ع ي �ا ح �ب �ي �ب �ى.. م� �وش ع ���اوز ت �أخ �ي �ر.. رئ �ي �س م�ج�ل�س الإدارة فى انتظارنا.. ووعدنا بمكافأة معتبرة للقسم.. يالّا.. ورينا شطارتك يا معلم". وقبل أن يغادر المنقرض مكتب مدير الإدارة صرخ المدير فيه: "إسمع.. الباشا رئيس مجلس الإدارة عاوز الميزانية السنة دى على الكومبيوتر.. خلّى هدى تبقى تكتبها لك على الكمبيوتر بعد ما تخلّص.. فاهم؟" كدأبه دائما.. عكف المنقرض- عبقرى الحسابات- على مشروع الميزانية ليلتين كاملتين، فأعده خير إعداد.. لكن شيطانه وسوس له بكتابته هو بنفسه على الكومبيوتر فى بيته.. ردد لنفسه عبارة كان قد سمعها من ه�دى:" ها ابقى آخده على فلاشة!" وهكذا تشملل.. وتمنظر.. وركبه شيطان العظمة.. وراح يكتب.. ويكتب.. ويكتب.. حتى كّلت أصابعه.. وتبللت بدمع السهر والسهاد مدامعه.. وأغلق الكومبيوتر ون�ام.. ثم فى الصباح صحا.. وهرع إلى حاسوبه فى البيت يريد طبع ما كتب.. لكن أين ما كتب؟ ليس على الشاشة شىء مما كتب.. لقد نسى الخائب أن يسيّف ما كتب.. فضجت روحه بالعويل.. وها هم زملاؤه الآن حوله يصرخون.. لقد تأخر ميعاد تسليم الميزانية.. وضاعت المكافأة.. وضاع معها مستقبلك يا عويل! ض�رب�ت ه�دى ص�دره�ا بيدها وص�رخ�ت ف�ي�ه: إن�ت م�ا سيّفتش ي�ا منيّل؟ ألم أعلمك كيف ت�س�يّ�ف.. فلماذا ل�م تسيّف؟ نظر إليها ح�ائ�رًا ت�ائ�هً�ا.. وغمغم بكلمات لم يفهم كنهها أحد إلا هدى.. كان يقول: الله يلعن أبو اليوم اللى شفتك فيه أنت والكمبيوتر! .. وف�ى تلك اللحظة دق ج�رس الهاتف المحمول فى جيبه.. فأسرع إل�ى الرد معتقدا أنه الملمدير. المدير..لم يكن المدير بل ابنته.. قال بصوت كنعيب البوم: سيبينى دلوقتى يا بنتى.. أبوك خلاص.. راح فى داهية.... فلما سألته عما جرى.. حكى لها الموضوع فى عجالة ثم بكى.. فإذا بالبنت تضحك وتسأله: لما مالكومش فى الكمبيوتر بتلعبوا فيه ليه.. ولا يهمك يا سى بابى.. إرسل لى ساعيا وستكون عندك الميزانية فورا .. ولا تنسى الحلحلحلاو الحلاوة! ص �رخ الم�ن�ق�رض م�ن � � �ة ال�ف�رح�ة:ص�ح�ي�ح؟ � ط�ي�بإزاى؟ ق�ال�ت البنت: مالكش دعوة يا سى .. بابى..دى لعبتنا احنا ببقى.. ! وب �ع �د س �اع �ة ك� ان م�ش�روع الميزانية ف � � � � �وق م� �ك� �ت� �ب م� �دي� �ر الإدارة. وح� � �ت� � �ى ال� ��ي� ��وم لا ي� � �ع � �رف الم� �ن� �ق� �رض كيف استطاعت ابنته اس � �ت� �خ� لالالاص م � ا ك� ت� ب� ه م � ن أح �ش �اء ال�� ك�� م�� ب�� ي� وت��رر ال �ل �ع �ين، ق �ال �ت ال�ب�ن�ت ض�اح�ك�ة لأب�ي�ه�ا ع�ن�دم�ا ع �اد: ي �ا عم � ب�اب�ى..هل نسيت أن�ك من جيل ع ��ف �ا ع �ل �ي ����ه ال � ده � ر ف� �ك� �اد.. أن

ينقرض؟

الرسمإهداءإهداء من الفنان: خضر حسن

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.