عيد ميلاد سعيد.. وحزين !!

LoghetAlasr - - حصادالشهر -

للمعلومة دوره��ا ال�ذى لا يم�ك�ن إن�ك�اره ف� ى ك� ل م�ج�الات الحياة، فهى تشكل الخلفية الملائمة لاتخاذ القرارات ولا غنى عنها ف�ى الح�ي�اة اليومية لأى ف�رد ولأى حكومة، كما تمثل م�وردًا ضروريًا للصناعة والاقتصاد والإدارة والسياسة، ولا شك أن الثورة المعلوماتية التى نعيشها اليوم، أعطت لمجتمع المعلومات إنجازات ونجاحات أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع فالثورة المعلوماتية لا تقل أهمية عن الثورة الصناعية التى غيرت العالم من قبل، وقد صدق الرئيس الأمريكى الأسبق بيل كلنتون عندما قال عام 1996 إن المعرفة تمثل الآن سلطة أكثر من أى وقت مضى، وأن الدولة التى ستتزعم ثورة الإعلام هى الأقوى بين الدول.

باختصار "م�ن يملك الم�ع�ل�وم�ات ويستثمرها ي�ك�ون هو الأقوى". وإذا كانت المعلومات قد لعبت دورًا كسلاح فى تغيير المجتمعات قبل ظهور الإن�ت�رن�ت، ف�إن ذل�ك يعطينا ص�ورة أوضح عن دورها بعد ثورة المعلوماتية، فمن البديهى القول إن المعلومات تغير فى المجتمعات والدول إلى حد إعادة صياغة شكل تلك المجتمعات، حيث أدت وف�رة المعلومات وإنتاجها واستهلاكها إلى تداخل المجتمعات كما أدت سهولة الاتصالات ال�ى زي�ادة تأثير ه�ذه المجتمعات على بعضها البعض، مما جعل الم�م�ارس�ة الديمقراطية ت�دخ�ل ف�ى مرحلة جديدة قائمة على الانتشار والتغلغل في حياة الناس وقراراتهم، خاصة بعد التصويت الإلكترونى واستطلاعات ال�رأى العام عبر الإنترنت.

فالإنترنت - كثورة معلوماتية - ليست وسيلة من وسائل تكنولوجيا المعلومات فحسب، إنما هى منظومة معلوماتية أيضا بم�ا تعنيه م�ن ثقافة وتج�ارة وغيرها، كما أن فرض العولمة التى تقودها الإنترنت مستخدمة أدواتها فى السيطرة ع�ل�ى وع�ى ال�ش�ع�وب وارادت�ه�ا وم�ح�رك�ات ال�س�ل�وك ال�ف�ردى والج�م�اع�ى للمجتمع، ه�ى بم�ث�اب�ة زل� �زال ل�م ت�ت�ع�رض له البشرية من قبل ولا سابق له فى التاريخ.. فهى التى تعيد صياغة ال�ع�لاق�ة ب�ين الإن� س� ان وع�الم�ه الخ�ارج�ى، ب�ين الفرد ومجتمعه، وبين ثقافة المجتمع وغيره من الثقافات.

فقد تج�اوزت الإن�ت�رن�ت - بم�ا صنعته م�ن انتشار ثقافى وفكرى وحضارى - المفردات البسيطة التى تعرف عن هذه الشبكة وحصرها فى مجرد نقل المعلومات عبرها، حيث بدأ المجتمع يتغير، فأصبح مجتمعا إنترنتيا، وعالمًا جديدًا ومختلفًا كليا عن ذلك العالم قبل الإنترنت.

غير أنه لابد من التنويه إلى الاختلاف حول ما تتيحه هذه الشبكة العنكبوتية ف�ى نطاق الح�ري�ات، فيرى البعض أن هذه التكنولوجيا – التى جعلت العالم بين أط�راف أصابعنا - ستحقق درج�ة غير مسبوقة لما تمثله من وسيلة عملية لإط�لاق حرية الإن�س�ان ف�ى أن يحصل ف�ى أى وق�ت وف�ى أى مكان على كل ما يريده ويحتاجه من معلومات، وأن يبعث فى أى وقت وإلى أى مكان أيضا ما يراه من أفكار وآراء، وعلى الجانب الآخر هناك من يؤكد أنها تنطوى على تهديد حقيقى لخصوصية الإنسان المعاصر، بعد أن باتت بياناته الشخصية متاحة لأجهزة الرقابة والسيطرة، سواء فى إطار مجتمعه أو أى مجتمع آخر.

فالإنترنت كوسيلة اتصال وإع�لام لم يقتصر دوره�ا على تطور البث والاستقبال م�ن وإل� ى الأف�راد فقط، وإنم� ا ترك آثارًا واسعة على البيئة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمجتمعككل.

ول�م تغفل الإن�ت�رن�ت ع�ن ال�ق�ي�ام ب�دوره�ا السياسى، وهى الشبكة ال�ت�ى ظ�ه�رت ف�ى بدايتها م�ن أج�ل غ�رض سياسى وعسكرى، فقد غدت من أهم الوسائل التى تستعملها بعض ال�ق�وى السياسية لتحرير الشعوب، مم�ا تعتقده استبدادا وظلما سياسيا واجتماعيا، حيث وفَّ�رت إمكانات كبيرة، كالحصول على المعلومات، وسهولة وصولها إل�ى الجمهور، وإمكانية ال�ت�أك�د م�ن ع�دم ال�ت�دخ�ل أو الح�ذف ف�ى الرسالة الإعلامية، إضافة إلى رخص ثمن الاتصالات بل ومجانيتها فى أغلب الأحوال.

وف�ى ال� وق� ت ال�ذى ي� ح� اول ف�ي�ه ال�دك�ت�ات�وري�ون ف� ى بعض الحكومات التضييق على الإنترنت خوفا من انفلات الأمور م�ن قبضتهم، ب�دأ الإع�لام الإل�ك�ت�رون�ى يقلص دور الإع�لام المطبوع ويزعج المرئى، وبات مرشحا للسيادة فى المستقبل لما له من مميزات عديدة بالمقارنة بالإعلام التقليدى.

وأوض�ح مثال على خطأ ه�ؤلاء الحكام الديكتاتوريين أن الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعى قد شكلت قنوات إع�لام�ي�ة وم�ن�اب�ر للتعبير ع�ن ال�رأى استطاعت الشعوب م�ن خ�لال�ه�ا مناقشة ق�ض�اي�ا المجتمع وأح�وال�ه السياسية والاقتصادية والاجتماعية بكل حرية وبصورة موضوعيه - م� ن وج�ه�ة ن�ظ�ره�م - ب�ع�ي�دا ع� ن ال�ت�ه�وي�ل أو التحريف الحكومى فى تناول القضايا وفقا لمصالحها، وما حدث فى تونس ومصر واليمن يعد نماذج جلية لذلك.

وعندما ننتقل من زل�زال الإنترنت لنتناول توابعه من شبكات التواصل الاجتماعى، نجد "اليوتيوب" الذى أصبح أرشيفًا حيًا للعالم بأكمله، وشاهدا على إبداعات البعض من جهة وبشاعة الآخرين ووحشيتهم من جهة أخرى. أما عن "الفيسبوك" و"تويتر" صاحب التأثير الأكبر على الإعلام العالمى والغربى على الأخص فحدث ولا حرج.

ورغ�م أن الإن�ت�رن�ت تحتفل الشهر المقبل بعيد ميلادها ال�س�ادس والعشرين - ال�ذى يعد ميلادا سعيدا على بعض الدول و"حزينا" على أخرى - فمازالت الحكومات والشعوب العربية تعيش حالة غياب كبيرة تجاه هذا الموضوع المهم، وكثيرا م�ا يلجأ ال�ع�رب إل�ى ش�راء المعلومات ع�ن أوطانهم من مؤسسات خارج بلادهم رغم أنها صادرة من أوطانهم وم�ازل�ن�ا نتحسس خطواتنا ف�ى الاس�ت�ف�ادة م�ن المعلومات المتاحة والمتوافرة على الوجه الذى يحقق التنمية والتطور والنهوض بمجتمعاتنا بصورة واضحة ومدروسة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.