مصالحة الشباب

Sout Al Omma - - بورصة العقارات - عبدالحليم قنديل

ن�ع�م ل�دع�وة ال� رئ� ي� س السيسى إل�ى ح�وار م� ع الشباب ف� ى خطابه أم�ام البرلمان، فلا يصح لدولة أن تخاصم مجتمعها، والمجتمع المصرى شاب بطبع تكوينه السكانى، والشباب ليسوا فئة محصورة بسن معين، وأك� ث� ر من سبعين ب� ال� م� ئ� ة م�ن ال� م� ص� ري� ي� ن ت� ح� ت سن الأربعين، وهو ما يعنى أن آلام الشباب هى آلام المجتمع ذاته، وأن إحباط الشباب هو إحباط المجتمع، وإن ب� ص� ورة أك�ث�ر عفوية وصخبا وحضورا .

وق�د اع�ت�رف ال� رئ� ي� س � غير م�رة � بفشل م�ح�اولات ال� ت� واص� ل م� ع ال� ش� ب� اب، وه�و كلام فى محله تماما، وإن كانت التفسيرات عندنا تختلف، فليس المطلوب من الدولة استقطاب الشباب، والشباب بطبعه عصى على الانقياد، وينفر من الوصاية، ويغضب ويسخط بطبع مجتمعه المأزوم، ولا يصدق ولا يقتنع بسهولة، ف� لا أح�د يستطيع الإق�ن� اع إلا بما ه� و مقنع وملموس، وليس بالنوايا وحدها يقتنع الناس ولا الشباب، ولا بإحاطة الرئيس فى لقاءاته بزرافات من الشباب، لا تعرف لغالبهم إسهاما ف� ى الحياة العامة، ولا تخطئ العين طبيعة م�وارده�م، فبينهم ع�دد كبير م� ن "ف� راف� ي� ر" الجامعة الأمريكية، وآخ�رون من "عصافير" توردها الأجهزة الأمنية فى العادة، إضافة إلى عدد لا بأس به من شباب البلاستيك وشباب الزينة، ممن ينشئون لهم أحزابا على طريقة المقاولات المدفوعة، أو يفترضون فيهم حس قيادة لا دليل واح� د عليها، وأمثال ه� ؤلاء قد يصلحون لدواعى ووظائف العلاقات العامة، وحسن الاستقبال الفندقى لا السياسى، ول�ي�س كجسر تواصل مع الشباب المصرى بإحباطاته وأحزانه وأشواقه، فهم جماعات تنفير لا تبشير، ولا يضيفون لصورة الرئاسة وجها مقنعا ولا شبه مقنع، بل قد يكونون من صناع المصائب والفضائح، وعلى طريقة توريط الرئيس فى تكريم شاب قيل إنه عبقرى زمانه، ثم تبين أنه أفاق، قبضت عليه الشرطة لاحقا بتهمة النصب على عباد الله، والاتجار بصورة جمعته مع الرئيس، وقد تكررت الحوادث المماثلة، ودون اتخاذ إجراء حاسم ينهى المهزلة، ويوقف الإساءات العبثية لمقام الرئاسة، ودون معرفة السبب على وجه اليقين، وهل هو الطيبة الزائدة من الرئيس؟، أم هى الغفلة الزائدة من المعاونين؟، أم أننا بصدد أدوار غامضة لمستشارين وأجهزة تلعب فى الظلام؟!

م�ا علينا، المهم أن ال�ح�وار م�ع الشباب ل� ه سبيل آخ�ر، ليس ب�اس�ت�ب�دال "ال�ف�راف�ي�ر" و"ال� ع� ص� اف� ي� ر" م� ن ح�ول ال� رئ� ي� س، ولا بلعبة ولا يتعين على الإرهابيين إخطار الشرطة مسبقا بنوايا الهجوم، وقد وقع عدد كبير من الضباط والأف�راد ضحايا لهجمات مفاجئة على الأك� م� ن� ة، ودون أن نلحظ ردا نيرانيا ف �وري�ا ع � ل� ى الإره �اب�ي�ي�ن ال� م� ه� اج� م� ي� ن، ولا إصابات مباشرة وقاتلة بينهم، اللهم إلا فى ح�الات م� ح� دودة، أظهرها تصرف الشرطة كراسى موسيقية، تستبدل شباب الزينة، ولا بإحلال أدوار لأجهزة محل أخرى، بل باستبدال ال � س� ي� اس� ات والاخ �ت�ي�ارات، ف �ق�د لايستطيع منصف أن ينكر على الرئيس إنجازاته، وهى ظ�اه�رة ناطقة ف�ى سياسته الخارجية، وفى تقليص التبعية الموروثة للأمريكيين، وتعظيم ق � وة الجيش، وم � ش� روع تنمية قناة السويس، وش �ب�ك�ة ال�ط�رق وال �م�دن ال� ك� ب� رى ال� ج� دي� دة، وال � ت� وس� ع ال�زراع�ى، وب � ن� اء محطة "الضبعة" ال �ن�ووي�ة، وغ � ي� ره� ا م �ن الان �ج�ازات الموحية بإمكانية خلق مصر ج� دي� دة ناهضة عفية، والتى تتم غالبا بإشراف وإدارة هيئات الجيش، وتوظف مئات الشركات المدنية، وتوفر فرص عمل لنحو مليون مهندس وفنى وعامل مدنى، وف � ى ورش �ة هائلة غير مسبوقة ف �ى إيقاعها المتسارع، لكن إنجاز الرئيس على وضوحه، السريع الكفء فى حادث الهجوم على فندق ب � ال� غ� ردق� ة، وه �و م� ا يثير أسئلة واج � ب� ة عن مستوى اليقظة وكفاءة التدريب والتصويب، فالحرب ضد الإره� اب ليست حروب حشود ولا م�ه�رج�ان�ات أس�ل�ح�ة، ولا إق� ام� ة حواجز وسواتر أسمنت فى كل مكان، بل هى حرب ذك �اء وق �وة تخيل ف �ى الأس �اس، وت �وق�ع مبكر لايصاحبه انحياز اجتماعى قطعى لأغلبية المصريين من الفقراء والطبقات الوسطى، ب �ل ت� ب� دو ال� س� ي� اس� ات والاخ �ت�ي�ارات منحازة للقلة المحظوظة، وتبقى الإن�ج�ازات معلقة بعيدة عن العين والقلب، ربما باستثناء اكتتاب قناة السويس، تحرمها اخ � ت� ي� ارات السياسة والاقتصاد من فرص التعبئة الشعبية الواسعة، وتترك المجتمع بغالبه غارقا فى أزمات الفقر وال � ب� ط� ال� ة وال �م�رض وال�ب�ؤس، وت � س� د منافذ السياسة، وتفاقم القمع، م� ع تضخم سلطة الفساد، وهو ما يولد غضبا اجتماعيا وسياسيا تتوالى أم �ارات�ه وم � ظ� اه� ره، يبرز فيه غضب الشباب بالذات، فهم عنوان لأغلبية المجتمع المصرى الشاب بحكم تكوينه السكانى .

ال � م� ط� ل� وب � إذن � ح��وار وم � ص� ال� ح� ة مع الشباب، هو فى جوهره ح� وار ومصالحة مع المجتمع، وقد لا نقلل من وزن مبادرات الرئيس ب �ال�خ�ص�وص، وم �ن ن�وع منح ق �روض بفوائد مخفضة للشباب، أو تخصيص نسبة للشباب من وحدات الإسكان الاجتماعى، وهى خطوات محمودة، لكن البيروقراطية المتربصة تعوقها ف �ى التطبيق، وق � د تعدم ج � دواه� ا ف �ى اقتناع الشباب بحدوث تغيير ما، ثم أنها لاتغنى حتى فى ح� ال التطبيق، عن م � ب� ادرات أخ �رى أكثر إل � ح� اح� ا، وع �ن ال�ض�رورة القصوى لتصحيح المشهد كله، ووقف "الانحراف الفلولى" بمغزى تحرك الشعب المصرى فى ملحمة الثلاثين من يونيو، تماما كما جرى تصحيح "الانحراف الإخوانى" بحركة الثورة الأصلية فى 25 يناير، فلم يقم الشعب المصرى بثورته، ولم تتلاحق هباته الجماهيرية العظمى، لم تحدث الثورة لأى سيناريوهات مفترضة ق�د يلجأ إليها الإره�اب�ي�ون، وه�ى ح�رب م� ع� ل� وم� ات واف� ي� ة مدققة، وليست خبط عشواء، يأخذ العامل ب� ال� ب� اط� ل، وي�ق�ب�ض ع�ل�ى ك� ل س� ك� ان ال� ش� ارع لمجرد اشتباه ف� ى وج�ود إره� اب� ى محتمل، خ� اص� ة أن ال� ع� ش� وائ� ي� ة ت�ج�ل�ب ال� ع� ش� وائ� ي� ة، والجهل بالمعلومات يزيد القسوة، وي� ورط لتحكم بعدها قوى الثورة المضادة، لم تحدث الثورة ليحكم الإخوان فيما مضى، أو ليسيطر الفلول، وعلى نحو ما يجرى الآن فى الحكومة والبرلمان وجهاز الدولة الفاسد، وهذه القضية ه � ى "م� رب� ط ال�ف�رس" ف � ى المشهد المصرى ال � راه� ن، وال �ك�رة فى ملعب الرئيس المنتخب بعد 30 ي � ون� ي� و، وال � م� ط� ل� وب: ث ��ورة تصحيح شاملة قبل ف�وات الأوان، جوهرها العدالة والحرية والكرامة والتصنيع وتكافؤ الفرص، وبما يفتح الطريق إلى قلب الشباب، ويكسب اقتناعهم ال � ط� وع� ى ال�ح�ر، وي �م�ل�ك الرئيس السيسى � مثلا � أن ي� ب� دأ بتمكين عشرات الشباب المتفوقين المحرومين من حقوقهم فى تقلد وظائف السلك القضائى، وقد ظلت مشكلتهم معلقة لنحو ثلاثة أع�وام إل� ى الآن، كما يملك ال� رئ� ي� س أن يستعمل صلاحياته فى تفكيك الاحتقان السياسى ال� زائ� د، وقد سبق له أن أصدر ق�رارات بإخلاء سبيل مئات الشباب المحبوسين، والمطلوب مبادرة أوسع نطاقا بكثير، يخلى بها سبيل عشرات الآلاف من الشباب المحتجزين فى غير تهم العنف والإرهاب المباشر، خاصة أن الرئيس اعترف م � �رات ب�وج�ود م� ظ� ال� م ه� ائ� ل� ة ف�ى ال�س�ج�ون السياسية.

نعم يا سيادة الرئيس، إن الله يزع بالسلطان ما لايزع بالقرآن، وق�رار واحد صحيح أفضل من ألف خطبة، وأبرك من مليون مناشدة على الهواء لضمائر الشباب المحبط المظلوم. الشرطة فى تصرفات تدينها، ولاتشجع على التعاون معها م�ن عموم المواطنين، وتخل بسلامة وكفاءة التحريات، وتجعل الفاعلين الحقيقيين ف� ى م�ن�أى ع� ن الاك� ت� ش� اف، وهو ما يفسر تحول العديد من الجرائم الكبرى � ك� اغ�ت�ي� ال ال � ن� ائ� ب ال�ع�ام م � ث� لا � إل�ى أل� غ� از وف� وازي� ر ب� لا ح � ل� ول، ويبقى القضايا معلقة ومثيرة للشبهات، وعلى طريقة التحريات فى فضيحة اتهام طفل الفيوم (4 سنوات) فى قضية أمن دولة ومحاكمة عسكرية، أو على طريقة التحريات التى لم تصل لشىء معقول ولا مقبول حتى الآن فى قضية تعذيب وقتل الشاب الإيطالى جوليو ريجينى، والتى تكاد تدمر علاقات السياسة والاقتصاد النامية مع إيطاليا.

والاع� �ت� �راف ب� ال� ن� ق� ص وال�خ�ل�ل ه�و أول ال�ط�ري�ق ل� ط� ل� ب ال�ك�م�ال، ف�الأم�ن ح� اج� ة إنسانية طبيعة فطرية، ولا ي�وج�د مجتمع حديث ب�دون شرطة وق� ان� ون، وه� و م�ا يعنى ببساطة، أن الشرطة عليها أولا أن تلتزم بصحيح القانون، فلا يصح لباب النجار أن يكون "مخلعا"، والهيبة لا تكتسب بالبلطجة والان�ف�لات الإج�رام�ى، ب�ل بالكفاءة وحسن التدريب وسلامة الضمائر ونظافة اليد، وهو ما يعنى أننا بحاجة إلى مراجعة شاملة لأداء الجهاز الأمنى، وإلى تطهير شامل لصفوفه، وإل� ى استغناءات واسعة وإح�الات للتقاعد، فنصف ال� ق� وة الأم� ن� ي� ة الحالية يكفى جدا لضمان أم� ن مصر، بشرط ت�واف�ر الحرفية وال� م� ع� ل� وم� ات� ي� ة ودق� �ة ال�ت�ح�ري�ات وت� ط� وي� ر التكنولوجيا الأمنية، وليس بالتساهل والميل للتخفى ب� الأخ� ط� اء ون�واح�ى ال� ق� ص� ور، ولا بتسديد الخانات تغطية لضعف التحريات، ولا باستخدام كاميرات مريبة عجيبة، يثبت ف� ى ك� ل م�رة أن�ه�ا عمياء لاتبصر ولات� ص� ور، ولا بتحويل العمل الشرطى إلى مهنة انتقام وتجبر على المواطنين، ولا بتفريغ العجز الحرفى ف� ى شحنات تعذيب وح�ش�ى وقتل خارج القانون، فلم يعد بوسع أحد أن يخفى جريمة تعذيب أو قتل نظامى، وتكنولوجيا المواطن ص� ارت أق� وى من تكنولوجيا جهاز الأم��ن، وص��ار ب� ال� وس� ع ن� ق� ل ك�ل م�ا يجرى فى المخافر والأق� س� ام والأقبية وال� ش� وارع، وبالصوت والصورة الكاشفة فورا لكل تواطؤ مهما بلغ سلطانه، فالسلطان ال�ي�وم لوعى المصريين ال�ذى تطور، ولنصوص الدستور التى جعلت التعذيب جريمة لا تسقط بتقادم الزمن.

ن� ع� م، لاب�د م� ن وق� ف� ة ورد اع� ت� ب� ار للناس، ل� ض� ح� اي� ا ت��ج��اوزات ال�ش�رط�ة، ت� م� ام� ا كما لشهداء الشرطة نفسها، فالحق لا يصادر ولا يصادم بعضه بعضا، وه�ذه قضية سياسية بامتياز قبل أن تكون أمنية، فالعدالة وحدها هى التى تكفل الأمن، ولا عدالة بدون اجتثاث ال� ف� س� اد م� ن ج��ذوره ف� ى ال� ش� رط� ة وغيرها، وب� دون الاقتصاص للحقوق، وب� دون الانحياز لمصالح وأشواق الفقراء والطبقات الوسطى، وب��دون جعل مهمة ج� ه� از الأم�ن حفظ أمن الناس، وليس حراسة أمن المظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

الحوار مع الشباب له سبيل آخر ليس باستبدال «الفرافير» و«العصافير» من حول الرئيس

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.