من التعنيف الدبلوماسى فى اللقاءات المغلقة، ثم إلى الضغط والدهس الاقتصادى، ووصولا إلى مرحلة أعمال المخابرات القذرة

Sout Al Omma - - الصفحة الأمامية -

وبدا القاسم المشترك فى كل هذه الحوادث ظاهرا، وهو "دق الإسفين"، وتقويض علاقات مصر النامية مع أطراف دولية بعينها، من روسيا إلى إيطاليا إلى فرنسا، فقد نمت علاقات مصر مع روسيا فى مجالات السياسة والسلاح والتصنيع والمشروع النووى، وتطورت علاقات البترول واكتشافات الغاز مع إيطاليا أكبر شريك اقتصادى أوروبى لمصر، ودخلت على الخط صفقات سلاح وحاملات طائرات من فرنسا إلى مصر، وبدا ظل هذه التطورات مرخيا مرميا على الحوادث الغامضة الدامية، والتى قد تتلوها حوادث جديدة فى السياق نفسه.

ونعرف أن التاريخ ليس كله مؤامرات، وأن داء تفسير كل شئ بالمؤامرة قد يغيب العقل، وينشر نوعا من "البلاهة" العامة، لكن الاحتكام للعقل، ومراجعة حوادث التاريخ ودروسه وعبره وعظاته، يقول لنا شيئا غاية فى البساطة، هو أن التاريخ كله ليس مؤامرة، لكن التاريخ أيضا لا يخلو من مؤامرات، ولا من خطط تدبر فى خفاء، خاصة إذا كان المستهدف بالمؤامرة فى حالة ارتباك، ويبدو كأنه لا يعرف بالضبط من أين تأتيه الضربات؟ ويسهل خداعه وتزييف وعيه، وعلى طريقة ما يجرى فى مصر والمنطقة من حولها، واستسهال توجيه الاتهامات حصريا إلى جماعة الإخوان أو إلى تنظيم "داعش"، أو إلى صلات الجمع والتداخل المنظورة بينهما، فقد يصح ذلك فى تفسير حوادث عنف وإرهاب داخلى، لكنها قد لا تصح، ولا تريح، فى تفسير حوادث كبرى، من نوع إسقاط الطائرة الروسية، أو إسقاط الطائرة المصرية، وقد كانتا على ارتفاعات وصلت إلى 37 ألف قدم، وبعد زمن وصل إلى أربع ساعات طيران متصل كما فى حادثة الطائرة المصرية، وهو ما يعنى أن التدبير الإرهابى قد يرد نظريا، وعلى طريقة ما قيل أنه جرى بزرع قنبلة فى حادثة إسقاط الطائرة المدنية الروسية، وكان أول ما ورد للأذهان مع حادثة الطائرة المصرية، وإن لم يلق الرواج نفسه إلى الآن، فالمطلوب هو اتهام مصر لا اتهام فرنسا، وترويج فكرة "زرع قنبلة" لا يحقق الهدف، وينحو باللائمة والمسئولية على فرنسا، وعلى نقص إجراءات الأمن والسلامة فى مطار "شارل ديجول"، ودون أن يقود ذلك بالضرورة إلى غضب مصرى يدمر العلاقات مع فرنسا، وهو ما يفسر طبيعة الروايات الأمريكية لما جرى هذه المرة، والتى يجرى تسريبها عبر وسائل إعلام بعينها، فقد فضلت الروايات الأمريكية نسبة حادث الطائرة الروسية إلى جماعة "داعش سيناء"، وبهدف تدمير الثقة فى إجراءات الأمن بالمطارات المصرية، و"دق إسفين" مؤثر بالسلب على العلاقات المصرية الروسية المتطورة، بينما مالت الروايات الأمريكية المروجة إلى لوم مصر لا فرنسا فى حادث الطائرة المصرية المنكوبة، وروجت لكذبة مفضوحة عبثية، تدعى مسئولية الطيار المصرى "الذى قد يكون حاول الانتحار"، وعلى الطريقة ذاتها التى أغلقت بها ملف سقوط الطائرة المصرية فى المحيط الأطلنطى بالقرب من الشواطئ الأمريكية، وهى الحادثة التى جرت عام 1999، وأنهت حياة مئات، بينهم عشرات من خيرة العسكريين المصريين، وادعت أمريكا وقتها، أن الطيار المصرى الشهيد البطوطى هو الذى فعلها، وأنه أقدم على الانتحار، وبعد أن قال عبارة "توكلت على الله"، مع أن كل المصريين، وكل المسلمين، ينطقون هذه العبارة المعتادة فى كل حين، ولبعث الثقة والطمأنينة فى النفوس، لكن الأمريكيين كان لهم رأى آخر عظيم الجهالة والصفاقة، وعدوا العبارة المطمئنة دليلا قاطعا على نية انتحار الطيار )!( .

هذا التحول فى التفسيرات، ومن مواقع تدعى العلم بما يخفى، وبفضل امتلاك التكنولوجيا والخبرة المتقدمة، وسلاسل الأقمار الصناعية الدوارة فى الفضاء اللانهائى، واعتياد الناس تصديق الأمريكيين، على محمل أنهم يعرفون أكثر، كل ذلك وغيره جعل لأمريكا سلطة التفسير حين الغموض، ومكنها من التلاعب بالأوراق، فقد صدقت فورا على بيان منسوب لداعش فى الفضاء الإلكترونى، ادعى المسئولية المباشرة عن حادث إسقاط الطائرة الروسية، ودون أن يقدم دليلا ولا شبه دليل، ولا حتى اسم منفذ العملية "المباركة"، وكانت حجة واشنطن فى التصديق، أن لديها معلومات مخابراتية تخصها، تماما كما فعلت المخابرات البريطانية،

صراعات التاريخ ليست مشكلات نفسية، وقد واجهت الأمة "حروب الفرنجة" المعروفة غربيا باسم "الحروب الصليبية"، وجرى احتلال فلسطين وووسواها من مناطققىفى الشام،موواقيمت ممالك الصلبان،بنوواستسلم لها من استسلم، وعقدت معاهدات صلح ذهبت مع الريح، ودخلت مصر -بالطبيعةفى حروب ضارية ضد هذه الظاهرة الاستعمارية الغازية، كان أظهرها حروب صلاح الدين الأيوبى التى انطلقت من القاهرة لتحرير القدس ولم تذكر المخابرات الأمريكية ولا البريطانية وقتها طبيعة مصادرها، والتى تبين اسمها سريعا، فقد نشرت صحيفة "جويش كرونيكل" اليهودية البريطانية وقتها تقريرا منيرا، وكشفت أن المخابرات الإسرائيلية "الموساد" هى التى أعدت تقرير مسئولية "داعش"، وهو ما يعنى أن هذه "الداعش" بدت كقناع مستعار فى القصة كلها، وكغطاء لعملية مخابرات صرفة، استهدفت تدمير علاقات مصر بروسيا، وهو خداع يبدو أنه تكرر من الأطراف ذاتها فى عملية إسقاط الطائرة المصرية، والتى توارى فيها هذه المرة قناع "داعش"، وجرى الترويج لسيناريو انتحار الطيار المصرى الشهيد، أو على الأقل تحميله المسئولية بأحاديث الدخان وفتح النوافذ، ودون أن يتطرق أحد بالطبع لحقيقة ما جرى، ولا لاحتمالات أكثر واقعية وقابلية للتصديق، ومن نوع إمكانية إصابة الطائرة بصاروخ مناورات أمريكية إسرائيلية كانت مقررة فى البحر المتوسط، وعلى مقربة شديدة من المنطقة ذاتها التى سقطت فيها الطائرة، وهو احتمال وارد جدا، فياسا إلى الدقة المقصودة فى ما جرى، وتفجر الطائرة لحظة عبورها بالضبط إلى المجال الجوى المصرى من المجال الجوى اليونانى، وليس بالضرورة أن يكون السبب فى صاروخ، بل التشويش الإلكترونى ممكن جدا، وإفساد أجهزة الطائرة عن بعد تستطيعه أمريكا بأكثر من غيرها، ويسبب خللا مفاجئا، سارعت أمريكا لتفسيره بترويج قصة انتحار الطيار المصرى!، ومن المعلوم فى حوادث الطيران، أنه لا توجد نتيجة قاطعة يمكن التوصل إليها حتى بعد انتهاء التحقيقات، والتى قد يطول مداها إلى سنوات، تكون القصص المروجة فيها قد كسبت الجولة، وعلى طريقة ترويج أمريكا لقصة إسقاط طائرة ماليزية فوق أوكرانيا بصاروخ روسى )!( .

إذن، فالقصة تنطوى على سياسة فى غالب الأحوال، وليس على ادعاءات بتفسيرات علمية ولا شبه علمية، وأيا ما كان السبب الدقيق فى ما جرى للطائرة المصرية، والذى قد لا يعلن أبدا، فإن الأثر المقصود ظاهر بلا ريب، خاصة مع توالى حوادث متفرقة، قصدت كلها شيئا واحدا، هو عزل مصر عن أصدقائها الدوليين الجدد، وإنهاك اقتصادها إلى حد الإفلاس، ووقف التطور فى تسليح جيشها، وإعادته إلى حظيرة التحكم الأمريكى الحصرى، وهو ما يشير بالبداهة العقلية إلى المستفيد الأول من جرائم ارباك مصر، وإجراء عمليات "خض ورج" و"غرام وانتقام"، تعيد مصر إلى القفص الحديدى، وبديهى أن واشنطن هى صاحبة المصلحة الأولى، ومعها بالطبع ارتباطاتها وتوابعها فى لندن وتل أبيب، وفى عالم التداخلات السرية مع جماعات الإرهاب وجماعات البيزنس فى مصر، وقد قالها الرئيس السيسى مرة فى لقاء مغلق مع عدد من المثقفين، قال السيسى ما نصه "أمريكا كانت بترفع سماعة التليفون وتملى أوامرها"، وأضاف الرجل ما مفاده "ولأن ذلك لم يعد يحصل، فقد عانينا وسنعانى "، ولا يقول السيسى ذلك علنا فى العادة، لا يقول للناس حقائق الكواليس، بل يردد دائما عبارة غائمة عن "أهل الشر"، ويفسرها إعلام الطبل والزمر بمبالغات فجة فى أوزان "الإخوان" و"6 أبريل" وبقية القائمة إياها، ربما لصرف النظر عن الاتهام المباشر للأمريكيين، ولامبراطوريتهم السياسية والاقتصادية والمخابراتية الهائلة فى مصر، بينما يعلم الرئيس بالذى لا يعلن، ويعرف طريقة أمريكا التى تعلم فيها، والتى تتدرج من التعنيف الدبلوماسى فى اللقاءات المغلقة، ثم إلى الضغط والدهس الاقتصادى، ووصولا إلى مرحلة أعمال المخابرات القذرة، والتظاهر بمواساة مصر فى مصائبها ونوازلها، والمشاركة البحرية والجوية فى عمليات انتشال الحطام والأشلاء، وعلى طريقة "يقتل القتيل ويمشى فى جنازته" .

نعم، يعلم السيسى من أين تأتى الضربات، ويتصور أنه يمكن استرضاء الأمريكيين بالانفتاح أكثر على إسرائيل، وليس بتعبئة شعبية وطنية ضد مؤامرات "الأمريكان"، وهذا هو الخطأ الذى قد يجعلنا نخسر المعركة قبل أن نخوضها.

قال السيسى ما نصه «أمريكا كانت بترفع سماعة التليفون وتملى أوامرها»

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.