من رحيق اللغة.. عرفات فى الأدب العربى

Sout Al Omma - - الصفحة الأمامية -

فى هذه الأيام المباركة، هلّ علينا صديقنا المنوفى الأستاذ الأحمدى الشلبى بمقال عن عرفات كما تناولها الأدب العربى. يقول الرجل: «لم أستطع مقاومة كم المشاعر التى اعترتنى حينما وقعت عيناى على قصيدة شوقى- إلى عرفات الله- ونحن فى رحاب الأيام المقدسة إيذانًا بموسم الحج بعبيره الفواح ورحيقه الذى لا يقاوم وأشواق تحملنى على أجنحة من الأحلام لشعيرة من الشعائر الفياضة بعبق الإيمان فهرعت إلى صوت قيثارة السماء أم كلثوم فزلزلت كيانى بإحساسها المتدفق.

وشاء المنعم أن تلتقى حنجرتها الروحانية مع إيقاعات السنباطى التى تجعلك فى نشوة دينية روحية متصلة وحلم جميل لا تحب أن تفيق منه واكتملت البهجة بأشعار شوقى الطيعة فعشنا معها أجواء الرحلة المقدسة وعاشت بداخلنا معالمها القدسية حيث نهل معانيه من المعجم القرآنى البديع فى إشراق صوفى روحانى.

وتلك القصيدة آخر روائع أمير الشعراء الدينية الأربع التى شدت بها أم كلثوم وهم: ولد الهدى، ونهج البردة، وذكرى المولد، وتعتبر هذه القصيدة أروع ما يمثل الغناء الدينى لمناسك الحج، كتبها أحمد شوقى أواخر سنة 1909م ونشرتها مجلة الهلال فى يناير 1910م بمناسبة تهنئة الخديو عباس الثانى بمناسبة حجه ،وقد أسدت أم كلثوم إلى الشعر العربى وإلى أمير الشعراء بل وإلى كل محبى التراث الشعرى جميلا عسى الله أن ينفعها وينفع السنباطى بها يوم لقائه فتحولت القصيدة من نفاق بارد إلى ذروة تدفق المشاعر النورانية الدينية فى أوج عظمتها فصارت هذه القصيدة تاجا على رأس قائمة أغنيات الحج.

فقد كان أمير الشعراء مقربا إلى قلب وعقل الخديو عباس كسمير وجليس يأنس إليه ويؤثره فطلب منه الخديو عباس حلمى أن يعد نفسه لأداء فريضة الحج لكن خوف شوقى من ركوب البحر أفزعه:

عنت لك فى الترب المقدس جبهة ... يدين لها العاتى من الجبهات

منورة كالبدر شماء كالسها... وتخفض فى حق وعند صلاة

ويا رب لو سخرت ناقة صالح ... لعبدك ما كانت من السلسات

ويا رب هل سيارة أو مطارة ... فيدنو بعيد البيد والفلوات

ترتفع فى تلك الأبيات وتيرة إيمان أمير الشعراء فهو مؤمن أشد الإيمان بالمساواة بين البشر وساق لنا الدليل فى المساواة فى الموت بين الفقير والغنى، ويتمنى على الله أن يمده بوسيلة أخرى غير السفينة التى كانت لا تروق له كوسيلة للسفر تقله إلى الأراضى المقدسة كناقة سيدنا صالح –عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- لما لها من قداسة، أو سيارة أو طائرة تبل غليل شوقه إلى لقاء محبوبه - سبحانه وتعالى- ونبيه الكريم – صلى الله عليه وسلم- ورغم أن شوقى كما أكدت المصادر لم يكتب الله له الحج لكنه عاشه ولامسه بوجدانه ومشاعره النورانية المتوهجة غفر الله لنا ولك أيها الشاعر العظيم وكافة المسلمين أجمعين.

ومما يروى أنه قد غافل الخديو عند مدينة بنها واختبأ عند أحد أصدقائه هناك وحتى يدارى فعلته الشنيعة وخجله من سيده نظم تلك القصيدة المطولة من ثلاثة وستين بيتًا يودع بها الخديو إلى عرفات الله شاكيا حزنه وبثه وشوقه إلى الله ويبتهل إلى الله سبحانه وتعالى شاكيا إليه حال المسلمين كعادته فى القصائد الدينية متوسلا بالرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم - ولم ينس أن يمدح الخليفة محمد الخامس وأن يفصح عن مكنون قلبه الولهان بمعشوقته الأولى والأخيرة مصر.

صدحت أم كلثوم بخمسة وعشرين بيتا من هذه القصيدة لحنها أسطورة النغم رياض السنباطى وغنتها فى ست حفلات وتشعر وأنت تستمع إليها فى كل مرة تشعر أنك تسمعها للمرة الأولى أعانها الله على ذلك بحنجرة لا نظير لها وصوت طفولى فطرى صقلته تراتيل القرآن الكريم والشيخ أبو العلا محمد بدأ شوقى قصيدته بقوله:

إلى عرفات الله يا خير زائر.... عليك سلام الله فى عرفات

ويوم تولى وجهة البيت ناضر... وسيم مجالى البشر والقسمات

على كل أفق بالحجاز ملائك..… تزف تحايا الله والبركات

لدى الباب جبريل الأمين براحه..… رسائل رحمانية النفحات

وفى الكعبة الغراء ركن مرحب..… بكعبة قصاد وركن عفاة

وزمزم تجرى بين عينيك أعينا … من الكوثر المعسول منفجرات

يشجينا السنباطى بصوت الدفوف المتصاعدة المتآلفة بإيقاعات مستمدة من أناشيد وأهازيج وتراتيل الصوفية تجعلك تتمايل طربا مع إيقاعها ووقعها فى النفس المشتاقة المتلهفة لاستلام الحجر والنهل من زمزم الغراء والطواف بالبيت الحرام وزيارة خير الانام -عليه الصلاة والسلام- والوقوف بعرفة وهو الحج كما فى الحديث الشريف وأنت تستمتع بغناء أم كلثوم تجد أنها هى الأخرى ومعها السنباطى والموسيقيون مستمتعين إلى أبعد مدى بتلك الرائعة الشعرية التى تجاوبت مع اللحن البارع والأداء الموسيقى الرقراق فتلتصق الصورة بالأذهان طوال القصيدة فتتحول القصيدة إلى نهر فياض ببياض ملابس الإحرام، فيرسم شوقى لوحة بديعة للشعائر المقدسة تمارس فيه اللغويات والمعانى طقوس الطواف والدعاء والتلبية:

لك الدين يا رب الحجيج جمعتهم … لبيت طهور الساح والعرصات

أرى الناس أفواجا ومن كل بقعة … إليك انتهوا من غربة وشتات

تساووا فلا الأنساب فيها تفاوت … لديك ولا الأقدار مختلفات

ثم يطل علينا شوقى منحنيا أمام الله عز وجل ملتمسا العفو والمغفرة لتقاعسه عن أداء فريضة الحج فيدعو الله أن يتجاوز عن تلك الهفوة بل كل الصفحات السوداء فى كتابه ولعلك تلمس معى أنها أصدق لحظات الصدق الشعورى والإحساس بالذنب فى آن واحد وتجاوبت أم كلثوم مع أمير الشعراء بصوتها الريان فوصلت إلى درجة الذوبان التام ليتحول صوتها إلى قطرات من دموع الندم والطمع فى الغفران والعفو عن الهفوات:

ويا رب هل تغنى عن العبد حجة … وفى العمر ما فيه من الهفوات

وتشهد ما آذيت نفسا ولم أضر … ولم أبغ فى جهرى ولا خطراتي

ولا حملت نفس هوى لبلادها … كنفسى فى فعلى وفى نفثاتي

وقدمت أعذارى وذلى وخشيتى... وجئت بضعفى شافعا وشكاتى

وأنت ولى العفو فامح بناصع … من الصفح ما سودت من صفحاتي

ومن تضحك الدنيا إليه فيغترر … يمت كقتيل الغيد بالبسمات

وكعادة شوقى فى نهايات قصائده الدينية يلبسنا أثوابا شتى من الأسى والحسرة ونذرف معه الدموع الحارة متوسلين إلى الله عز وجل برسوله الكريم أن يوفق أمتنا الإسلامية إلى سبل الصواب فتفيق من ثباتها العميق ودياجير الظلمات التى تتخبط فيها بالرغم من كونها تحمل فى إيمانها أطهر نورين؛ القرآن الكريم والسنة المطهرة، وكان المنعم رحيما بشوقى والمصلحين من أمثاله فلو عاشوا مأساة أمتنا اليوم لذهبت أنفسهم حسرات ودعونا نبتهل مع شوقى إلى الله أن يوفقنا للعظائم ويصرف عنا كيد الكائدين وأن يلبى الله أمنية كل مشتاق لأداء فريضة الحج وييسرها له وينزع من نفوسنا الحقد والتقاتل والحسد وأن يجمع كلمتنا لرخاء مصر وسائر بلاد المسلمين ولنردد مع شوقى ذلك الدعاء النابع من أعماقنا جميعا وقد أشعل معه السنباطى حرارة الصدق الشعورى الموسيقى والتهبت بهما حنجرة كوكب الشرق مرددة:

إذا زرت بعد البيت قبر محمد … ولثمت مثوى الأعظم العطرات

وفاضت مع الدمع العيون مهابة … لأحمد بين الستر والحجرات

وأشرق نور تحت كل ثنية … وضاع أريج تحت كل حصاة

فقل لرسول الله يا خير مرسل … أبثك ما تدرى من الحسرات

شعوبك فى شرق البلاد وغربها … كأصحاب كهف فى عميق سبات

بأيمانهم نوران ذكر وسنة … فما بالهم فى حالك الظلمات

وذلك ماضى مجدهم وفخارهم … فما ضرهم لو يعملون لآتى وهذا زمان أرضه وسماؤه … مجال لمقدام كبير حياة

مشى فيه قوم فى السماء وأنشؤوا … بوارج فى الأبراج ممتنعات

فقل رب وفق للعظائم أمتى ... وزين لها الأفعال والعزمات.

انتهى كلام صديقنا المنوفى. وأتمنى للجميع السلامة والبركة فى هذا الموسم الجميل، وأتمنى للحجاج العودة بسلامة الله تعالى.

وكل عام وأنتم بخير.

كان أمير الشعراء مقربا إلى قلب وعقل الخديو عباس حلمى كسمير وجليس يأنس إليه ويؤثره فطلب منه الخديو عباس أن يعد نفسه لأداء فريضة الحج

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.