ليست نهاية «الداعشية»

Sout Al Omma - - اقتصاد وبنوك - عبدالحليم قنديل

وقد بدت القصة كلها على قدر من الافتعال، وص�ورت الدولة المصرية بجلال قدرها، كما لو كانت جماعة مقابل جماعة الإخوان ومظاهراتها الخائبة، ول� م يكن من جديد فى ه� ذا كله، فقد تواتر مثله فى زيارات الرئيس السابقة لنيويورك، وال � ت� ى ي�ح�رص على ال �رح�ي�ل إليها ك � ل ع�ام فى مناسبة انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتصور مقابلاته هناك، كأنها غ�زوات وفتوحات عظيمة ف� ري� دة، وه � و م�ا تكرر ه � ذه لمرة أيضا، وأض � ي� ف� ت إل�ي�ه�ا ل�ق�اءات للرئيس م � ع مرشحى ال � رئ� اس� ة الأمريكية ت � رام� ب وه�ي�لارى، وه �و ما يعد فى نظر الإع� لام الرسمى نصرا مبينا، فوق المتابعة المفصلة المملة لجلسات ومقابلات ال � رئ� ي� س، وم�ع ك� ل ل� ق� اء ت�دق الأج ��راس، وت� زف البشرى، كأننا حصلنا على ميداليات الذهب فى دورى رؤساء الدول، مع أن مثل هذه اللقاءات يجريها كل رئيس أو ملك أو أمير أو حتى وزير خارجية يذهب إلى هناك، وقد لا تكون هذه هى القصة التى ن� ود لفت النظر إليها، فقد جرت مفارقة أط� رف، كان بطلها هو الإع� لام الرسمى نفسه ال� ذى يصفق لمقابلات ولقاءات الرئيس، وبالتحديد ف� ى ج� ري� دة "الأه��رام" التى توصف بشبه الرسمية، ففى صباح الأح� د 18 سبتمبر 2016، أى قبل ساعات من طيران الرئيس إلى مقابلاته ف� ى ن� ي� وي� ورك، وع � ل� ى ص �در الصفحة الأول� ى للجريدة الحكومية، ومع إحالة لتفاصيل إضافية على الصفحة الثالثة، نشرت "الأه� رام" تقريرا عن "خطة القوى الخارجية لفرض حصار على م� ص� ر"، وظهر التقرير ب �دون اس � م لمحرر بعينه، وهو ما يوحى بأن جهات "عميقة" جدا هى التى سربته، وهو ما يحدث كثيرا فى الصحافة ال � رس� م� ي� ة والأم �ن�ي�ة، وي � م� ث� ل ات�ص�الا لتقاليد فولكلورية متكررة، ربما لم تعد تلفت النظر، أو تدفع للتوقف عند سطورها وكلماتها ال�واردة من المطابع السرية، لكن فقرة فى التقرير الغامض ب �دت مدهشة، ومثيرة لأل �ف ت� س� اؤل واستفهام عن الذى يجرى فى الكواليس، وجاء نصها على النحو التالى بالحرف "تستهدف القوى الخارجية المشار إليها من تحركاتها الحالية والمستقبلية استهلاك ج� زء من وق� ت القيادة السياسية فى ل � ق� اءات دبلوماسية لأس � ب� اب بروتوكولية فقط من خ� لال دف � ع مسئولين كبار ورؤس �اء حكومات ومسئولين فى منظمات الأم� م المتحدة ووسائل إعلام دولية وصحفيين كبار إلى طلب مقابلات )م� ع الرئيس("، إل�ى هنا انتهى النص الإعلامى الرسمى الملفت، والذى يصور مقابلات الرئيس م �ع الصحفيين والمسئولين الأج � ان� ب كمؤامرة خطيرة على مصر، بينما يضع الإع� لام الرسمى نفسه لقاءات الرئيس فى خانة إحباط المؤامرة، وه � وم� ا يعكس انفصاما مفزعا ف � ى الشخصية ذاتها، فوق الإي�ح�اءات المريبة للتقرير العجيب الغامض، وال� ذى بدا كدش ب� ارد يلقى على رأس برنامج مقابلات الرئيس فى نيويورك، تقف وراءه جهات رسمية "عميقة"، بمقدورها أن تملى على الصحيفة شبه الرسمية ما تكتبه وتنشره وتبرزه، ودون الكشف عن مصادر، ولا عن أسماء، اللهم إلا ما قيل فى مطلع التقرير عن "معلومات موثقة

ربما لا يكون من شك فى أن شوطا من اللعبة قد انتهى، فالذين استخدموا "داعش" أو ما يسمى "تنظيم الدولة الإسلامية"، هؤلاء قرروا إنهاء الوجود الجغرافى لخلافة "داعش" العبثية، فقد اكتملت استعدادات طرد "داعش" من الموصل فى العراق، وكادت تنتهى عملية تصفية إمارة داعش فى سرت الليبية، وأوشكت عملية طرده من "الرقة" السورية � عاصمة الخلافة إياها � أن تبدأ، وكما دل سير معارك مماثلة سبقت، فإن داعش لا يقاتل كثيرا القوات التى تزحف على المدن، ويترك الجمل بما حمل بسرعة ملفتة، ويهرب الداعشيون إلى أقرب وكر صحراوى، ولا يجدون من سبيل غير عمليات التفخيخ والتفجير وقتل المدنيين فى عمليات "النكاية" والانتقام الأعمى .

لكن نهاية "داعش" التى نعرفها، لا تعنى نهاية الداعشية، فوراء كل "داعش" تولد دعشنة جديدة، فقد أثرت فترة صعود داعش بشدة فى تكوين الحركات المسماة بالإسلامية، وسرت حالة "دعشنة" هائلة فى قواعدها، وحلت صورة "الخليفة" أبو بكر البغدادى كمثال أكثر إلهاما من قادة الحركات الأخرى، صحيح أنه قد يقتل غالبا، وقد يلقى مصير أسامة بن لادن، حيث لا جثة تبقى ولا قبر منظور، لكن إلهام البغدادى من نوع مختلف، فهو ليس شيخا ولا شبه شيخ، ولا فقيه له جمهور ومريدون، ولا هو مليونير أو ملياردير متدين على طريقة بن لادن، بل مجرد شاب عادى متدين، انضم إلى حركة "الإخوان المسلمين" لبعض الوقت بشهادة الشيخ يوسف القرضاوى، ثم غادرها إلى قاعدة "الزرقاوى" بعد تجربة سجن قصيرة نسبيا، وإلى أن خلف "أبو عمر البغدادى" فى قيادة ما أسمى "الدولة الإسلامية" فى العراق، وحتى اكتملت القصة التى صارت محفوظة من فرط تكرارها، وقامت دولة الخلافة � إياها � عابرة ومحطمة للحدود بين العراق وسوريا، وكانت تلك هى نقطة التميز التى احتسبت له فى صفوف الشباب "الإسلامى"، فقد جعل من حكم الخلافة حقيقة، ولو لبعض الوقت، وأقام نظاما إداريا يداعب خيال المولعين بالعودة إلى عصور مضت، وباستخدام كثيف متقن لتكنولوجيا العصر الحاضر، وجعل تقاليد قطع الرءوس وحرق الناس وسبى النساء أكثر جاذبية وحرفية من أفلام هوليوود، وفى تلبية مثيرة لغرائز الشباب وتدلى لحاهم فى الوقت نفسه، وهكذا صنعت أسطورة البغدادى، الذى نجهل عنه أكثر مما نعلم، وربما أضاف غموض شخصه إثارة إلى المشهد كله، يصعب أن تتفكك آثارها سريعا بزوال دولة "داعش"، فشخصية البغدادى مغرية بالتكرار والتناسل، وبوسع أى شاب "إسلامى" أن يكون كالبغدادى، حصلتعليهاالأهرام")!(. م�ؤام�رةعلىمصر،أوك�أنذه�ابالرئيسإلى

ال�واق�ع�ة على غرابتها وش�ذوذه�ا، تكشف نيويورك، وانشغاله بلقاءات سياسية وصحفية خللا ما يجرى فى كواليس الحكم، فهى ليست وأم� م� ي� ة، مما لا ت�رض�ى عنه ج�ه�ات ن� اف� ذة فى رأيا لكاتب ولا لصحفى، ولا وجهة نظر لجريدة الحكم، وه�ذه ه�ى النقطة الأخ�ط�ر ف�ى القصة رسمية، ليس لها رأى فيما تؤمر بنشره، وعلى كلها، فلا يعقل أن تكون مقابلات الرئيس � أى ص��ورة ت�ق�ري�ر خ�ب�رى، ن�ش�ر ب�لا اس�م ل�م�ح�رر، رئيس � نوعا من المؤامرة على بلده، وإن حرص ربما إمعانا فى تأكيد طابعه الرسمى المحض، المسربون للتقرير على الإيحاء بخطر المؤامرة، وص�دوره ع�ن جهات أمنية ن�اف�ذة، ب�دا صدرها ربما لإثبات شىء ما، هو تسجيل اعتراض مكتوم ض� ي� ق� ا ح�رج�ا ب� ت� ح� رك� ات وم�ق�اب�لات ال� رئ� ي� س ع�ل�ى ت� ص� رف� ات ال� رئ� ي� س ذات�ه�ا، وت� أك� ي� د وج�ود السيسى، وإل�ى حد تصوير الانشغال بها كأنها جماعات ومصالح ومراكز قوة، تعارض وتخالف والأعداد المتطلعة للدور كبيرة جدا، أولها � بالطبع � قوافل الداعشيين بالانتظام أو بالمراسلة، وكل جماعات تنظيم "القاعدة" التى تسعى لوراثة خلافة "داعش"، وكل جماعات التكفير السلفى الجهادى كذلك، إضافة لقواعد أوسع نطاقا بكثير فى جماعات الإخوان، خاصة أن القيادات الراهنة للإخوان فى حالة بلبلة وحيرة، وكثير منها ينحو إلى فك الصلة بقضية استعادة الخلافة، والتكيف مع بيئات وطنية محلية، واشهار الانفصال عن التنظيم الدولى، كما جرى فى الأردن واليمن أخيرا، أو التحول إلى أحزاب ليبرالية بلحى مهذبة، كما جرى فى المغرب وتونس، وكلما تقدمت جماعات إخوانية على طريق "اللبرلة" والتكيف المحلى، زاد ميل قواعدها وجمهورها لهجرها والانفصال عنها، وزاد بأس جماعات التكفير "الداعشى"، حتى مع توافر بيئات ديمقراطية وحريات سياسية، وبالضبط كما جرى ويجرى فى تونس المتفوقة ديمقراطيا، فقد تحولت تونس الصغيرة نسبيا إلى أكبر دولة مصدرة للمقاتلين "الداعشيين" على الإطلاق، فى الوقت نفسه الذى جرت فيه تحولات قيادة حركة "النهضة"، وإعلان هجرتها من دار الإسلام السياسى بالجملة، وتحولها � كما قالت القيادة � إلى ديار "الديمقراطية المسلمة" بأولوية تونسية نهائية ومطلقة .

ولا يعنى ذلك أن الديمقراطية ليست مطلوبة، فهى مطلوبة لذاتها، ولدورها الضرورى فى التطور الاجتماعى، وضمانها للحقوق والحريات غير القابلة للإنكار، لكنها � أى الديمقراطية � ليست ترياقا ولا شرطا حصريا لهزيمة الإرهاب الداعشى أو غيره، تماما كما أن استيعاب الاعتدال "الإسلامى" لا يضيق المجال بالضرورة على التشدد والتطرف والغلو، فهذه كلها معادلات عكسية افترضتها مراكز الدراسات والأبحاث الغربية طويلا، وثبت بؤسها فى الواقع الملموس، فالقضية أعمق من ذلك بكثير فى التربة الاجتماعية والفكرية، ودور الإسلام فى نهوضنا من الانحطاط التاريخى بحاجة إلى إعادة تعريف، فلا يمكن نفى الإسلام على الطريقة العلمانية الأرثوذكسية، ولا يصح تحنيط الإسلام على الطريقة الدينية المفرطة، والمطلوب شىء آخر، هو أن نعى حدود الفصل والوصل بدقة، فالطابع الثقافى للإسلام المتصل بالعروبة مما لا يصح التنكر له، وقيم الإسلام الكبرى كالعدالة والمساواة والتوحيد تظل مؤثرة بعمق فى تكويننا الحضارى، ومبادئ ومقاصد شريعة الإسلام بالمعنى القانونى مما يصح التسليم به فى دنيانا، فالإسلام دين ودنيا، لكن معنى الدولة أكبر وأعقد من حصره فى صيغ تاريخية مضت وانتهت، فدولة الخلافة ليست نصا دينيا، وإنما كانت شأنا دنيويا له ظروفه التاريخية، وامبراطوريات الأديان قامت عندنا وعند غيرنا فى العصور الوسطى، وآخر نماذجها عندنا � الخلافة العثمانية � انتهت إلى بؤس عظيم وعقيم، صعدت كمجرد حالة تغلب عسكرى لا حضارى، وأدى تخلفها الأخير إلى كبح التطور الاجتماعى والتحديثى لمجتمعات وأمم وشعوب العالم الإسلامى، وتركنا فريسة سهلة ميسرة لزحف قوافل النهوض والاستعمار الغربى، وأطفأ أنوار الإسلام الحقيقية الداعية للعلم والمعرفة وكرامة العقل الإنسانى، وهذا هو جوهر محنتنا، فتأخر التحديث والتصنيع، والانقلاب على تجاربه، جعل مجتمعاتنا غاية الرئيس، ومن داخل بنية الحكم ذاتها، ومن مواقع تملك أن تملى على الصحف الحكومية ما تكتبه، وه� و ما يعنى � ببساطة � وج� ود دوائ�ر متناقضة فى السلطة الحاكمة، وق� د لا تكون تلك حقيقة ج�دي�دة، ربما الجديد فى الكشف عنها، وبهذه الدرجة من السفور والتحدى، وإلى حد الاستنكار العلنى لمقابلات الرئيس الكثيرة، والإيحاء الخفى الظاهر بوقوع الرئيس فى خية وورطة المقابلات )!(، وه� و ما لا يحتمل إلا واح�دا من تفسيرين، كلاهما وارد، الأول أن تكون الجهات التى سربت فى التشوه، وجعلنا عالة على الآخرين، نستهلك ما صنعوا مع عجزنا عن مجاراتهم، ونكاد نسلم بدونيتنا واحتياجنا إلى حمايتهم، وهو ما يولد ردود فعل محبطة ساخطة، ومناقشات دينية أقرب إلى التطفل على آخرين من نوع مختلف، تترك نهر الإسلام الصافى فى قرآنه وسنته المحكمة، وتشرب من ترع ومستنقعات تراث وتفاسير الأقدمين، وتصور أعمال وخطايا الخلفاء غير الراشدين كأنها من أوامر الله، وتستعيد معارك داحس والغبراء، وصراعات السنة والشيعة، كأنها أصول الدين والفروض والطاعات، وكلها من مآسى التأخر العلمى والصناعى، والإلهاء عن واجب الوقت بمعارك طواحين الهواء الدوارة، واصطناع قداسة وثنية لعلماء ومشايخ ليست من الإسلام، فليس فى الإسلام سلطة دينية لأحد، والسلطة عمل مدنى خالص من صنع الناس، والمجتمعات لا تتقدم بغير التحديث والتصنيع الشامل وأولوية العلم، فالتصنيع هو الذى يخلق طبقة وسطى وطبقات عاملة منتجة حافظة ومطورة لحيوية المجتمع وموازين قيمه، وهو الذى يجعل للديمقراطية قيمة فى طلب الكرامة والمساواة، والتوزيع العادل للسلطة والثروة، والتصنيع مع العدالة الاجتماعية هو وحده الذى يضيق المجال على الإرهاب الداعشى وغيره، ودون إخلال بما هو ضرورى لحفظ قوام الدولة الوطنية، وامتلاك جيوش تجنيد وطنى بقوة كافية لردع مخاطر التفكيك، فالإرهاب ابن الخراب، ويزدهر حيث تغيب قوة الدولة الحديثة العادلة، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، وفى غيبة ذلك كله، ومع غلبة اقتصاد التطفل والريع، وانعدام تكافؤ الفرص وتفشى الفساد ويأس الأجيال الجديدة، والدوران فى حلقات مفرغة من الخيبة المتصلة، والاعتماد على الآخرين فى سلاحنا وحياتنا وسلعنا، فلا أمل فى ردع موجات الإرهاب، لا بالولائم الديمقراطية، ولا بالسطوات الديكتاتورية، بل بأن نزرع ونصنع ونتعلم ونحارب ونتحرر ونبنى استقلالنا ونهوضنا فى سباق العصر، والوفاء بفريضة استخلاف الله للإنسان، والسعى لاتحاد عربى فى القلب الإسلامى، وإلى تضامن فعال سياسيا وصناعيا وعسكريا بين أمم العالم الإسلامى .

ويبقى أن نتذكر ما جرى ونعى درسه، فقد ولدت صيغة "داعش" فى العراق، وتفشت بالامتداد إلى سوريا، وهى بنت الاحتلال الأمريكى، وصيغ التفكيك والاحتراب الطائفى، فقد تفكك العراق فعليا، والدور اليوم على تفكيك سوريا، وفى ظروف البؤس، وعلى أنقاض الأطلال، تولد وتتكاثر الصيغ والكائنات الوحشية، ولأن الأمور تظل كذلك حتى إشعار آخر، فسوف تولد "دواعش" جديدة أسوأ من "داعش" البغدادى وأشباهه . التقرير معارضة وضائقة بالرئيس نفسه، ولا تريد له أن يمارس دوره باعتراف دولى وإقليمى متسع، ولا إط�لاق ي�ده ف� ى التصرف كما يريد وي�رى، وهو ما قد يرد فى سياق رغبة ترمى إلى تقييد سلطة الرئيس، ووضعها تحت وصاية، قد تكون قابلة للفهم أكثر مع التفسير الثانى التالى، وه� و أن دوائ�ر ف� ى الحكم تضيق بتضخم نفوذ الدائرة المحيطة اللصيقة بالرئيس، التى لا يأنس الرئيس إلا إليها، ويوليها أمر التدابير اليومية، بما فيها جداول اللقاءات الرسمية البروتوكولية وغيرها، وترتيبات الزيارات المهمة على طريقة الحضور السنوى لاجتماعات الأم�م المتحدة، وتحديد أسماء المرافقين المفضلين، وقطع النور عن المغضوب عليهم بعد اتصال الرضا، وكما جرى هذه المرة فى توارى دور ومقاولة ملياردير "سيراميكى" بعينه، ورفض السفر الدورى المعتاد لمذيع النفاق الأكثر فجاجة، وال�ذى أوق� ع اسم الرئيس فى مصيبة استفتاء الفشل الإلكترونى المدوى، والتهب "قفاه" من مضاعفات الحماس ال �م�ف�رط المفتعل لاس �م ال� رئ� ي� س، وق�د لايكون المذيع الأمنى � إياه � رقما فى معادلة ذات بال، لكن المصالح التى يمثلها، ويعمل عندها، كانت رقما فى دائ� رة الاقتراب والتأثير على الرئيس، وكانت خدماتها مطلوبة إلى وقت قريب، ويبدو أن� ه قد ح� ان الأوان لتسريحها، وربما الانتقال بها من دائرة الغرام إلى دوائر الانتقام، ولا يبدو ذلك غريبا فى ظل غموض ما يجرى بالكواليس، وتوالى ظواهر المصائر الملتبسة، وكأننا بصدد "بيت أشباح" لا بيت حكم، لا تبدو عناصره مرتبة مصطفة من خلف الرئيس، بل تسرى أحوال من تضارب وتصادم المصالح، خصوصا مع التداخل ال � م� رئ� ى ب� ي� ن ج� ه� ات أم�ن وج �م�اع�ات ب�ي�زن�س، والتدافع بالمناكب على مصالح وأدوار، وعلى التأثير المباشر فى قرارات الرئيس، وقد نشأت ه �ذه ال� ظ� اه� رة، وتكاثفت ص � وره� ا م � ع النصف الثانى لثلاثين سنة من حكم المخلوع مبارك، وولد التزاوج والتداخل المدمر بين الأمن والثروة والإع�لام، وفاقم التطور فى مضاعفة معدلات الفساد الرسمى المحمى، وكانت جماعة البيزنس فى غالبها قرينة لجهاز أمن الدولة وامبراطورية حبيب العادلى، لكن قطع الرءوس الذى توالى فى سنوات ما بعد الثورة، وزوال دور المنظم الحاكم ع � ن المخلوع ونجله ج � م� ال م�ب�ارك، ث� م صعود الجيش ودوائ � �ره إل �ى م� وق� ع السلطة المركزية اليومية، وام �ت�دادات ح � ض� وره الفعال إل �ى بيت رئاسة السيسى، وتزايد أدوار أجهزة أمنية أعلى، وغلبتها على دور ما تبقى لجهاز أمن الدولة بعد تغيير لافتاته، كل ذلك يخلق اضطرابا فى الصورة العامة، وتضاربا محسوسا فى المصالح والتقارير الموضوعة على مكتب الرئيس، ومع ميل غريزى وظيفى عند الرئيس، يعطى الغلبة والأفضلية دائما لآراء وتقارير وأدوار المؤسسة التى جاء منها، ولرجاله المختارين من قلب المؤسسة، وإلى جوارها، ودون مقدرة ملموسة على اكتساب ح �س س�ي�اس�ى واج � ت� م� اع� ى، ولا ع � ل� ى م�د نفوذ الخلصاء إلى فضاء مدنى سياسى وشعبى، ومع تربص نخبة مبارك المخلوع بالرئيس، وضيق مجال التأثير المضمون على ق� رارات� ه، وه� و ما يدفع قطاعات بينهم إلى التصرف على طريقة "ح �روب العصابات" الاقتصادية، وح � رق الأرض تحت أق�دام الرئيس، خاصة مع تدهور شعبيته ال � ت� ى ك� ان� ت ه� ائ� ل� ة، وه �و م�ا يغريهم بالسلوك المخالف م� ن وراء ال � س� ت� ار، وت � ه� ري� ب أموالهم للخارج، ومد الجسور إلى مصالح دولية وإقليمية مناوئة، وإلى جهات لا تزال مؤثرة فى جهاز الدولة الإدارى والأم �ن�ى، ت�دب�ر ال� م� ؤام� رات بالملابس الرسمية.

أطرف مفارقة كان بطلها هو الإعلام الرسمى نفسه الذى يصفق لمقابلات ولقاءات الرئيس وبالتحديد فى جريدة «الأهرام» التى توصف بشبه الرسمية تحولت تونس الصغيرة نسبيا إلى أكبر دولة مصدرة للمقاتلين «الداعشيين» على الإطلاق.. فى الوقت نفسه الذى جرت فيه تحولات قيادة حركة «النهضة»

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.