رحلة الزورق فى البحر الأبيض

Sout Al Omma - - الصفحة الأمامية -

الزورق حين يرسو فى الموانئ المختلفة، أبحرنا من ميلانو باتجاه نابولى ثم مسينا بإيطاليا، ومنها الى مالطا وهى جزيرة فقيرة بسبب الشح المائى، فلا تقع عيناك إلا على أشجار الصبار وثمار التين الشوكى، ومنها الى برشلونة وأخيرا مرسيليا ثم العودة إلى ميلانو لنستقل الطائرة والعودة إلى الوطن الأم بحفظ الله ورعايته.

وبرغم الطقس الجيد على مدى الأسبوعين وهما عمر الرحلة، إلا أننى أصبت بخيبة أمل منذ وطئت أقدامى إيطاليا. فى مطار «ميلانو» والكل يصطف انتظارا لختم جواز سفره، كانت النظرات تلاحق غطاء الرأس. نظرات حادة لا تخطئها العين، تحمل الكثير من التذمر والضيق.

تأكدت من ذلك عندما لفت انتباه من معى بالرحلة، فربما كنت على خطأ، ليؤكدوا أنهم بالفعل لاحظوا ذلك، وكأن سؤالا بات على طرف ألسنتهم يقول: لماذا أنتم هنا؟ فلتعودوا من حيث أتيتم! كانت هناك أيضا بالباخرة عائلات سعودية وإماراتية ومصرية بالطبع، وكلما حان موعد الإفطار أو الغذاء، أطالع الطاولات المحيطة، فأجد الأجانب يتمتمون وينظرون نحوهم فى آن واحد، فأفهم أنهم يتندرون عليهم، كونهم محجبات مما يعنى ربط ذلك بالعمليات الإرهابية التى طالت عدة مدن أوروبية فى الآونة الأخيرة، تلك التى أثرت سلبا وشوهت الدين السمح.

ولا أنكر أننى كمصرية أرفض تلك النظرة لأبناء عروبتى وقوميتى التى أنتمى إليها، فملامحنا ولغتنا المشتركة، تجعلنا أشد تماسكا ووحدة أكثر من أى وقت مضى، خاصة ونحن فى اغتراب، أما الملاحظة الثانية، فكانت نظرات العتاب فى عيون الإيطاليين بلا استثناء، يحاولون رسم الإبتسام عنوة كواجب آلى، كوننا فى مطاعمهم، أو حين نبتاع الهدايا التذكارية، فإذا حاول أحد منا تجاذب أطراف الحديث، وأننا مصريون بيننا وبينهم علاقات تاريخية مميزة، علاقات مودة ومحبة، كانت علامات الحزن أبلغ من أى جواب، والإيطاليون هم الأقرب إلينا فى التعامل من باقى الدول الأوروبية، شعب يشبهنا فى الشكل، ولون بشرتنا الحنطية، يحبون الضحك، من السهل أن تقيم معم صداقة حقيقية، لكن حادثة مقتل الشاب )ريجينى( ألقت بظلالها على نفوس جموع الشعب الإيطالى، وبرغم من حقهم الكامل فى الحزن والألم على إبن وطنهم الذى لم يتسلموا جثته لإلقاء نظرة الوداع، أو نثر الورود على قبره فى الأعياد، أتساءل وماذا عن عشرات المصريين أبناء وطنى الذين قتلوا أو فقدوا؟ ماذا عن عادل معوض؟ ماذا عن )عبدالسلام الدنف( الذى تم دهسه على يد سائق الشاحنة الإيطالى قبل عدة أيام، على مرأى ومسمع من زملائه؟

لنا كل الحق أيضا أن نتألم لفقد أبنائنا الذين راحوا يعمرون أرضا غير أرضهم، والمصرى غالى الأثمان على وطنه وأسرته، لكننا لا نلقى باللائمة على عموم الشعب الإيطالى، ونعود لأجواء الرحلة التى لا تخلو من التعرض للسرقات أكثر من مرة، رغم النصائح التى لم يأل المشرف جهدا كى نأخذ حذرنا، اللصوص كثر، المتسولون ومن يفترشون الحدائق والأرصفة فى كل مكان، لم تعد هناك دولة فى مأمن من العنف والإرهاب، لكن يظل السؤال لماذا مصر بالذات التى تسلط عليها الأضواء؟ لماذا يصنع من صغائر الأشياء كبرى الهالات؟.

والإجابة لأن مصر أرض نمت على أرضها عبر القرون أديان كل الأنبياء، مصر الكنانة في ضمير كل مصري لايمكن تعويض ترابها وشمسها وناسها الطيبين .»

هذه القصة الأولى الموحية كثيرا عن علاقات دولية هشة، وعن تأثير الاعلام السيئ فى عقول البشر، وعن كراهية بعض الغرب للاسلام وحتى اللباس الاسلامى.

أما القصة الثانية التى وقعت فى نفس الرحلة فتقول الشاعرة عنها: فى القلب أعظم مدن الأرض.

«مخطىء من ظن أن الصخر فى كف الصغار من أبناء فلسطين أى صخر، إنه شمس وبدر ومطر، إخوتى فى الشرق والغرب اطمئنوا، إننى المغوار فى قلب الخطر، إن أتاكم اننى استشهدت، لا تبكوا على، من دمى المسفوح يزهو الخصب، تزدان العروبة، تنبت الأرض صغارا آخرين، تنبت الأرض بطولات جديدة، مثل طارق وصلاح الدين. من المؤكد أن هذا هو لسان حال كل من يعيش فى الأرض المحتلة بفلسطين الحبيبة، أكثر من ستين عاما والأراضى المقدسة تئن من عنف أبناء صهيون القادمين من شتات الأرض، إستيلاء على الأرض وحرق الزرع وأشجار الزيتون، تدنيس المقدسات، تهويد القدس وهى أعظم مدن الأرض، أرض الإسراء ومهبط روح القدس، حصار إقتصادى، تعدى على الآمنين، قتل الأبرياء، تجاوزوا كل الحدود بالإرهاب والتخريب، الشهداء كل يوم يتساقطون.

فمن ينسى صور الشهداء فى عكا وفى يافا وفى غزة أو قانا؟ تحولت مدينة النور لساحة للعقارب والأفاعى، لكن من ظن أن فلسطين تضيع فهو سادر فى الوهم. ومصر التى أخذت على عاتقها الوقوف إلى جانب الحق وقدمت من الشهداء الكثيرين، لم ولن تألو جهدا فى الدفاع عن أبناء عروبتها.

القضية الفلسطينية قضية كل عربى شريف، من أجل ذلك أرفض كغيرى من الوطنيين أن تطأ قدمى القدس المحتلة، طالما مازالت تدنسها أقدام الصهاينة وتعيث فيها الفساد. ولدينا الأمل أن نذهب سويا مع أشقائنا المسلمين للحج والتقديس يدا بيد، حين تبزغ الشمس فتفتح فى الظلمات طريقا، تخترق الأسلاك المزروعة حول المدن المغلوبة، فيخفق – ذلك البزوغ - فى القلوب نورا قدسيا، يحلق فوق قباب الأقصى يتسابق والرايات فى فجر فلسطين، يفتح آفاقا خضرا للآتين وللغادين. لكن ماذا أفعل حينما وضعت بأصعب موقف مر بحياتى، فقبل مشاهدة عرض مسرحى بإيطاليا مطلع هذا الشهر، كنت أتحدث مع بعض الأصدقاء المصريين الذين جاورونى فى الجلوس بالمسرح، وقبل أن أنهى جملتى استدار عجوز تعدى الثمانين من عمره، ودون أية مقدمات سألنا، تتكلمون العربية، من أين أنتم؟ فأجبناه بصوت واحد.. من مصر، قلناها بكل فخر وسعادة.

علت الفرحة وجهه ثم مد يده ليصافحنا، وحين مددنا الأكف لرد السلام سلناه وأنت من أين؟ وجاءت الإجابة التى لم نتوقعها على الإطلاق، من إسرائيل.

لتنكمش الأيادى رغما عنا، وكأن سهما أصاب أفئدتنا بلا استثناء. وتوقفنا عن الكلام للحظات، قلت له: لكنك تتحدث العربية بطلاقة، دمعت عيناه... أنا عراقى الأصل تركت بغداد عام 1951، أعشق تراب الوطن الأم، العراق بالدماء، وأعشق مصر. سافرنا بالجسد لكن الأرواح تركناها هناك، كانت زوجته إلى جواره وبعض أصدقائهم بنفس العمر، لمعت عيونهم وكأنهم يرون فينا، حضارة وادى الرافدين، حدائق بابل المعلقة، أسد بابل، شارع الرشيد، قلعة كركوك، سوق دانيال والذى بناه اليهود فى ثلاثينيات القرن الماضى. من المؤكد أنهم يبكون خروجهم، بسبب الفكر الصهيونى الذى تسرب اليهم، فشهد العراق هجرة جماعية لمواطنيه من اليهود، فقبل هذا الفكر الاستيطانى كانوا يتمتعون بكافة الحقوق في اندماج كامل مع المجتمع العراقى، بدأ العرض المسرحى ليصمت الجميع، وما إن أشعلت الأضواء إيذانا بانتهاء العرض، حتى وجدتنى أسرع الخطى نحو باب الخروج. فبرغم الدموع التى سالت من عين العجوز، وبرغم نظرات الحسرة والحنين لتراب الوطن، وعبق العروبة الذى مس قلوبهم لثوان معدودات، إلا أن مشهد الدماء اليومى فى فلسطين، كفيل بأن يجعلنى أتوقف عن أى حوار». إنتهت القصة الثانية والرسالة.

أقول: هكذا الأدب الراقى حتى فى قضايا الدين والسياسة. والحديث ذو شجون ولنا عودة لموضوع فلسطين وجرائم الاسرائيلين والحركة الصهيونية التى ترفضها كل الأديان والشرائع السماوية والانسانية المنصفة وأول من يرفضها الدين العظيم الذى جاء به موسى عليه السلام.

وبالله التوفيق

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.