امتياز العار

Sout Al Omma - - الصفحة الأمامية - عبدالحليم قنديل

والتى كان عباس شريكه فيها، وبما قاد للمأزق الذى تعيشه القضية الفلسطينية إلى اليوم، بعد أن تحول مجرم الحرب إلى رفيق سلام، وتحول الجانى إلى بطل يتسابق الضحايا إلى تكريمه، وعلى نحو ما بدا عليه الحضور المذل لمسئولين عرب فى جنازة شيمون بيريز.

ليس للمسألة وجه إنسانى ولا شبه إنسانى، وما من مبرر بروتوكولى ولا غير بروتوكولى لحضور عرب بالجنسية فى جنازة السفاح بيريز، فلا يوجد فى القانون الدولى إلزام ولا شبه إلزام بحضور الجنازات ولا الأفراح، لا مبرر دبلوماسى ولا أخلاقى، اللهم إلا إذا كانت المعايير كلها قد انقلبت، وصارت الكرامة عجينا، وصار البعض مولعا بالعار كأنه الجائزة الكبرى، وعدوا لوطنه وأهله إلى حد احتقارهم، وإهانة دماء مئات الآلاف من الشهداء الذين سقطوا فى الحروب ضد كيان الاغتصاب الإسرائيلى، وللملايين التى جرى طردها وتشريدها إلى أربع جهات الأرض، فلا الدماء ماء زلال، ولا الأوطان وجهات نظر، ولا مقدساتنا وحرماتنا الإسلامية والمسيحية مبان عشوائية، ولا عين أخيك كعين عدوك، وقد عاش بيريز عدوا شرسا للفلسطينيين والعرب، وبذل غاية طاقته وذكائه ومواهبه لخدمة كيان الاغتصاب الإسرائيلى، وطبيعى أن تنظر إليه الحركة الصهيونية كبطل وحكيم ومهندس مؤامرات، وأن تسعى لتكريمه فى جنازة مشهودة، وأن تدفنه فى جبل بالقدس العربية المحتلة، أطلقوا عليه اسم «هرتزل» مؤسس الصهيونية المعاصرة، كل ذلك يبدو طبيعيا جدا عند الإسرائيليين، فقد جئ بهم إلى فلسطين التى اغتصبوها، وطردوا أهلها، واحتلوا بيوتهم وأراضيهم وبساتينهم، تماما كما هى حال بيريز «البولندى» الأصل، والذى عاش بالسيف الباتر للحق الفلسطينى، ومات ودفن فى القدس الفلسطينية، فقد اغتصب القبر بعد اغتصاب البيت، فحياته حرام وقبره حرام، ومشاركة عرب فى جنازته إثم دينى ودنيوى، يظل يلاحق أصحابه، ونبرأ منه إلى الله والأوطان والشعوب، فهم ليسوا منا ولسنا منهم، وحالهم كحال الصهاينة، يكرمون كبيرهم الصهيونى بيريز.

كانت الجنازة حارة والميت «...»، ولا يساوى، وكان كل المجرمين على شاكلته فى صفوف الجنازة الأولى، فالطيور على أشكالها تقع، سيماهم على وجوههم، و»قلنسوات» اليهود على رءوسهم، فهم الذين صنعوا كيان الاغتصاب الإسرائيلى، وهم الذين جعلوه خنجرا مسموما فى خاصرة العرب وعلى باب مصر، وكان طبيعيا أن يشارك ولى العهد البريطانى، فبريطانيا هى التى أعطت وعد «بلفور» قبل مئة سنة، أعطت ما لا تملك لمن لا يستحق، احتلت فلسطين، وسلمتها غنيمة لعصابات الحركة الصهيونية، وكانت وقتها تحتل مصر أيضا، ثم شاركت إسرائيل فى حرب العدوان الثلاثى على مصر، ومعها فرنسا التى شارك رئيسها بحرارة فى الجنازة، وكانت البلد الذى لجأ إليه بيريز لبناء مفاعل «ديمونة» النووى، فقد كانت الدفعة الأولى الكبرى لقنابل إسرائيل النووية بتكنولوجيا فرنسية، قبل أن ترث أمريكا نفوذ بريطانيا وفرنسا الاستعماريتين الغاربتين، وتصبح السند الجوهرى لكيان الاغتصاب الإسرائيلى، وتعتبر جيش إسرائيل كأنه الجيش الأمريكى، واقتصادها كأنه اقتصاد واشنطن، وتكنولوجيتها كأنها تكنولوجيا البنتاجون، وتندمج معها استراتيجيا فى صراعات المنطقة والدنيا، وتدفع لها الضرائب بانتظام، إلى حد منح أوباما لإسرائيل 38 مليار دولار هدية رحيله عن البيت الأبيض، رغم أن أوباما يكاد لا يطيق نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلى، وعبر عن ضيقه من عجرفته غير مرة، لكن تلك كلها مجرد «سكرات» تنتهى دائما بالفكرات، فمصلحة كيان الاغتصاب الإسرائيلى فوق الاعتبارات الشخصية للرئيس الأمريكى، ولها أولوية الكتاب المقدس، وجعلت أوباما يختال فى جنازة بيريز بالقلنسوة اليهودية، ويهوى بكلمات الوقاحة والجلافة إلى الدرك الأسفل، ويشبه بيريز بنيلسون مانديللا زعيم كفاح جنوب أفريقيا ضد العنصرية والاستيطان الأبيض، برغم ما هو معروف بداهة من رفض مانديللا لعنصرية كيان الاغتصاب والاستيطان الإسرائيلى، وموقفه المؤازر بالمطلق للحق الفلسطينى، فلم يكن مانديللا من عبيد الصهيونية على طريقة أوباما، والذى أهان مانديللا بمساواته مع مجرم حرب استعمارى عنصرى عتيد من عينة بيريز.

كانت الجنازة متسقة لولا نشاز الحضور العربى، فأبرز الذين حضروا هم واحد من اثنين، إما من الإسرائيليين الذين يذكرون لبيريز شاركوا فى تكريم القاتل باسم أهل القتيل، وحولوا موتنا إلى موتين، ونالوا امتياز العار الذى لا ينازعهم فيه أحد

تحول الجانى إلى بطل يتسابق الضحايا إلى تكريمه

فضل جرائمه، أو من قادة الغرب الاستعمارى، والصهيونية نبتة طبيعية لعنصرية وعدوانية الغرب، وقد احتل هؤلاء بلادنا مشرقا ومغربا، واستنزفوا ثرواتنا ومواردنا، أذلونا وأهانونا، ولا يزالون يفعلون، وهم وإسرائيل «حتة» واحدة، وقد احتفلوا بتكريم بيريز بصفته رفيقهم ومثلهم الأعلى الإجرامى، فهولاند وتشارلز وأوباما مجرد أطفال على موائده، وقد عاشت دولهم فى خدمة بيريز وإسرائيل، وجاءوا إلى جنازة بيريز لتجديد العهد والوعد، وتأكيد دورهم فى بناء وحماية إسرائيل، فهم يحتفلون بما قدموا، ويعدون بالمزيد، وهذا كله يبدو طبيعيا ومفهوما فى سياق ما جرى ويجرى، لولا أن نفرا منا شاءوا أن يخلطوا الأوراق، وأن يزوروا التاريخ لصالح الصهيونية ولصالح بيريز، وأن يشاركوا فى تكريم القاتل باسم أهل القتيل، وأن يحولوا موتنا إلى موتين، وأن ينالوا امتياز العار الذى لا ينازعهم فيه أحد.

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.