من رحيق اللغة مع حافظ والعمرية )4-2)

Sout Al Omma - - الصفحة الأمامية - دا م.حكمااوللةللهللبافوهىم

هناك من قال: إن منظر الكم الهائل من الكتب التى كانت تزخر بها دار الكتب؛ أدخلت فى نفسه السأم والملل؛ حيث خشى من المصير الذى آل إليه أستاذه؛ محمود سامى البارودى؛ حيث فقد بصره بسبب كثرة القراءة؛ أوضيقه وحنقه على من أبعدوه عن الجيش وأحالوه للاستيداع؛ ومما لاشك فيه أن حافظ إبراهيم؛ كان درة أدبية نادرة من درر زمانه المتفردة؛ليس فى جزالة ألفاظ شعره؛ وحسن ديباجته؛ وطرافة معانيه؛ وصدق عاطفته فحسب؛ ولكن فى قوة ذاكرته التى قاومت السنين؛ فظلت متوقدة؛ متوهجة ولم يصبها الضعف والوهن؛ حتى وفاته - رحمه الله - حيث استوعبت الآلاف من القصائد؛ والمقطوعات النثرية؛ حيث كانت لديه المقدرة على الاستظهار والحفظ.

منذ الوهلة الأولى لقراءة النص الشعرى أو الأدبى ؛ ومما يروى عنه؛ أنه كان يستمع إلى قارئ القرآن فى بيت خاله بطنطا؛ يرتل سورة الكهف أو مريم أو طه؛ فكان يحفظها ويعيد تلاوتها؛ بنفس الرواية التى سمعها؛ وهذه منة من المنان؛ منَّها الله على شاعرنا؛ لذلك كانت ذاكرته أشبه بخزانة تحوى الآلاف والآلاف؛ من القصائد والمطالعات الأدبية. وقد كان باستطاعته أن يقرأ ديوان شعر أوكتاب أدبى أو فكرى؛ فى دقائق معدودة؛ ثم يتمثل ويستشهد ببعض أبيات هذا الديوان أو فقرات من هذا الكتاب؛ بشهادة أقرانه ومعاصريه؛ وسبحان العاطى الوهاب.

لقد كانت أهم مفاتيح شخصية سيدنا عمر- رضى الله عنه- ولعه وحرصه الشديد على العدل؛ وكرهه بل مقته الشديد للفتن بشتى أشكالها وصورها ووأدها فى مهدها دون النظر لأى اعتبار.

وقد ظهر ذلك جليا فى موقفه الرائع من بيعة سيدنا أبى بكر - رضى الله عنه- فبعدما ظهرت بوادر فتنة بين الأوس والخزرج؛ حيث رأى كل فريق؛ أن صاحبهم أولى بالخلافة؛ فكان الفاروقُ بالمرصاد؛ بعدما عاد إليه رشده؛ بعدما اندفع يهدد من يقول بوفاة النبى – صلى الله عليه وسلم- ؛ يدفعه قوة حبه للنبى؛ وعاد إليه صوابه بعدما تلا سيدنا أبوبكر قول الحق تبارك وتعالى)وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أوقتل انقلبتم على أعقابكم( - وبقوة نفسه وصلابة إيمانه؛ ثاب إلى رشده ؛وأدرك بحدسه الفطرى حجم الفتنة وأبعادها وأهوالها؛ فبايع أبا بكر؛ فبايعه كافة المسلمين؛على اختلاف مشاربهم وأهوائهم وانتماءاتهم القبلية - ولولا عمر لانسابت الأفاعى تعبث بوحدة المسلمين؛ وتذكى روح الفتن- لعنها الله- وياليتنا نتعظ.ويقينى أننا لو غرسنا تلك المبادئ فى نفوسنا؛أطفالا وشبابا وشيوخا؛ بروح سمحة؛ تؤثر الصالح على المصالح لتجنبنا الفتن؛ وإهدار الوقت والإمكانات والدماء. والزمن لاينتظر أحدا والتاريخ لن يرحمنا. ومع شاعرنا ليجسد هذا الموقف الرائع المبهر عن بيعة سيدنا أبى بكر بعنوان: عمر وبيعة أبى بكر.

وموقف لك بعد المصطفى افترقت ** فيه الصحابة لما غاب هاديها

بايعت فيه أبا بكر فبايعه ** على الخلافة قاصيها ودانيها

وأطفئت فتنة لولاك لاستعرت ** بين القبائل و انسابت أفاعيها

بات النبى مسجا فى حظيرته ** وأنت مستعر الاحشاء داميها

تهيم بين عجيج الناس فى دهش ** من نبأة قد سرى فى الأرض ساريها

من قال نفس المصطفى قبضت ** علوت هامته بالسيف أبريها

أنساك حبك طه أنه بشر ** يجرى عليه شئون الكون مجريها

وأنه وارد لابد موردها ** من المنية لا يعفيه ساقيها

نسيت فى حق طه آية نزلت ** وقد يذكّر بالآيات ناسيها

ذهلت يوما فكانت فتنة عمم ** وثاب رشدك فانجابت دياجيها

فللسقيفة يوم أنت صاحبه ** فيه الخلافة قد شيدت أواسيها

مدت لها الأوس كفا كى تناوله ** فمدت الخزرج الايدى تباريها

وظن كل فريق أن صاحبهم ** أولى بها و أتى الشحناء آتيها

حتى انبريت لهم فارتد طامعهم ** عنها وآخى أبوبكر أواخيها

ففى تلك اللحظات العصيبة التى واكبت صدمة الصحابة بوفاة المعصوم - صلى الله عليه وسلم - وعلى رأسهم عمر الذى توعد وهدد من يقول بوفاة الرسول- صلى الله عليه وسلمحتى حسم سيدنا أبوبكر الصديق- الأمر كما بينا سلفا؛ وظهرت بوادرُ فتن أخرى كان الفاروقُ متنبها لها ووأدها فى مهدها.

وهل يقوى غير الفاروق عمر، على اتخاذ مثل ذلك الموقف؟فعلى بن أبى طالب- كرم الله وجهه - ابن عم الرسول - صلى الله عليه وسلموصهره ومكانته الإيمانية والعلمية وبطولاته؛ لاتنكر وكل ذلك لم يشفع له عند عمر لتأخره لانشغاله ببعض الأمور عن مبايعة الصديق؛ فخشى عمر من الفتنة- لعن الله من أيقظها- فاندفع مهددا حتى سيدنا على نفسه ومكانته من عقل وقلب المصطفى لاتضاهيها مكانة. ومع عمر وعلى نقرأ الآتى:

وقولة لعلى قالها عمر ** أكرم بسامعها أعظم بملقيها

حرقتُ دارك لا أبقى عليك بها ** إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها

ما كان غير أبى حفص يفوه بها ** أمام فارس عدنان وحاميها

كلاهما فى سبيل الحق عزمته ** لا تنثنى أو يكون الحق ثانيها

فاذكرهما وترحم كلما ذكروا ** أعاظما ألِّهوا فى الكون تأليها

شاء الله-عزوجل- أن يبتلى سيدنا عمررضى الله عنه - بألوان شتى من الفتن ليبين لمن يأتى بعده كيف يجابهها بلا مواربة أو مهادنة. ومهما كانت مكانة القائم بها - قصدا أم عفوا- فتلك فتنة الجاه والسلطان عند جبلة بن الأيهم، آخر ملوك وأشراف الغساسنة؛ الذى أهان أحد فقراء المسلمين أثناء السعى حول الكعبة؛حيث داس طرف ثوبه فلطمه جبلة؛ فكسر أنفه؛ تدفعه نعرة الجاهلية والعصبية القبلية؛ فلقنه بل ولقننا ولقن من يأتى بعده من الحكام درسا فى العدالة السماوية والمساواة بين البشر التى فشلت كل المنظمات فى تحقيقها على المستوى الدولى؛ فالضعيف قوى مادام الحق فى جانبه والقوى ضعيف مادام الحق قد جانبه؛حتى لوتخاصم الوالى مع أحد الرعية؛حتى وإن ارتد عن الإسلام كما تؤكد السير؛ فيالجمال عدلك ياعمر!؛ ويالروعة نفسك يافاروق!.

يصور الشاعر العظيم موقفا رائعا عن عمر وجبلة بن الأيهم فيقول:

كم خفت فى الله مضعوفا دعاك به ** وكم أخفت قويا ينثنى تيها

وفى حديث فتى غسان موعظة ** لكل ذى نعرة يأبى تناسيها

فما القوى قويا رغم عزته ** عند الخصومة والفاروق قاضيها

وما الضعيف ضعيفا بعد حجته ** وإن تخاصم واليها وراعيها

لمن يعى وله الأجر من الله قول حافظ على لسان مصر المحروسة بعناية الرحمن إلى يوم الدين إن شاء الله:

أنا إن قدر الإله مماتى ** لاترى الشرق يرفعُ الرأس بعدى

وقول شاعر مصر الكبير محمد التهامى موجها تحذيراته لمن يريد بمصر شرا:

لاتقربوا من ثراه إنه وطنى ** وإن كل حصاه قُدّ من بدنى

هواؤُه كله قد مر من رئتى ** وحط بصمة أنفاسى على زمني

وماؤُه من عروقى مد موجته ** يرد غربة أيامى إلى سكنى

وأرضُه صدرها الحانى يُلملمُني**ويجمعُ البذرمن أصلى ويغرسُني

وعطرُه قد همى فى كف قابلتى ** ويحفظُ البعض يُلقيه على كفنى وإلى لقاء متجدد بإذن الله تعالى.» أقول انتهت رسالة صاحبنا المنوفى الخبير اللغوى الاحمدى الشلبى حفظه الله ورعاه، حتى يتحفنا بالمزيد من المقالات الجميلة فى ميدان الأدب الحضارى العظيم. وربما يكون ذلك أيسر وأروح للنفس وأولى من الكتابة فى السياسة المقرفة هذه الأيام.

وبالله التوفيق

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.