القواسم المشتركة فى الحوار

Sout Al Omma - - اقتصاد -

بمناسبة مقالاتى عن الحوار الذى دار فى إحدى مدارس السلام الخاصة للغات فى منطقة بنها التعليمية مع أساتذة اللغة العربية والدين، سألنى سائل ماذا فى جعبتك للمسيحيين فى مصر؟ وماذا عن الحوار الدينى والثقافى معهم؟ ألم تكن من قيادات الاخوان المسلمين وموقف بعض أو معظم الاسلاميين واضح من الأديان الأخرى، وخصوصا المسيحيين أو الأقباط فى مصر؟.

قلت له سيدى مهلاً، الموضوع طويل ومعقد، وليست شروة طماطم. فليس هناك منابر مستمرة تقضى على التشوهات أو الفتن التى تقع بسبب سوء الفهم ذلك، وكانت مصر كدولة رائدة اولى بعدم الوقوع فيها.

قلت له أولا: إن التعاون فى القواسم المشتركة واجب بل أراه فريضة. قال: ما معنى الواجب أو الفريضة هنا؟ قلت: الواجب والفريضة من قوله تعالى «وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِى هِيَ أَحْسَنُ» ليس فقط المسيحيين أو الاقباط او النصارى قل ما شئت أو سمهم ماشئت، بل ويجب أن يكون الحوار مع اليهود كذلك، فهم أهل كتاب، وإن خالفوه، فمن المسلمين كذلك من خالف القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ولا ينبغى إخراجهم من الميدان أو الاسلام بسبب تلك المعصية، مثلما فعل الخوارج القدامى وخوارج العصر من أمثال داعش، بل إن أصحاب الذنوب يعذرون بجهلهم طالما لا ينكرون. وندعو لنا ولهم جميعا بالمغفرة فليس هناك معصوم سوى الانبياء عليهم السلام جميعا.

قال: ما هى المجالات المتاحة أو المفتوحة للتعاون بين أهل الأديان السماوية فى مصر؟

قلت: تنمية وتعزيز الايمان بالله الواحد الأحد، حتى مع بقاء كل على دينه، والوقوف سويا ضد الالحاد الذى بدأ ينتشر فى العالم رغم كثرة المساجد والكنائس والمعابد. قال: وماذا أيضا؟ قلت: ما ظنك بمرض الاباحية والتحلل المنتشر خصوصا فى الغرب اليوم، لو أستطعنا أن نواجهه، وكيف نواجهه إلا بدور فاعل فى المجتمع لجميع المؤسسات، وهنا ينبغى أن يكون لدور العبادة «المسجد والكنيسة والمعبد»، الدور الكبير بل الأكبر فى ذلك. قال: هل هذا ممكن؟ قلت: نعم هذا ممكن ويسير، إذا خلصت النيات، وتحاورنا حوار العقلاء، ولم يفسد الحوار المتشددون والمتطرفون فى أى جانب كانوا. ولم تنتشر الفتاوى الشاذة. قال: وماذا بعد؟ قلت: إن التعاون بيننا يمكن أن يعالج مشاكل أخرى مثل الشذوذ وزواج المثليين على سبيل المثال لا الحصر. لأن هذا الشذوذ والانحراف مخالف لكل الاديان والفطرة السوية أو السليمة « فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ». قال: وماذا أيضا؟ قلت: إقامة العدل بين الناس. وهذا من أهم القيم الدينية والانسانية العالمية: يقول الله تعالى «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ» ويقول الله تعالى «وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ». هذا الموضوع له دور فاعل وطويل للحوار على كل المستويات. قال: كيف؟ قلت: اسمع لى وقد تستعجب مما أقول. سأقول لك من هنا إذهب إلى النت والفيس بوك والياهو والجوجل، وغير ذلك من مواقع التواصل الاجتماعى، ستجد صورة تجمع بين محدثك وبين الشيخ القرضاوى وبين بعض حاخامات اليهود الذين كان يقودهم الحاخام دوفيد ويس، والحاخام دوفيد شلوموفيلدمان، والحاخام أهارون كوهين.

قال منزعجا: رأيت ذلك من قبل، وتعجبت من هذه الصورة ومن التعليقات المشينة التى تحتها، ولم أفهم المقصود من ذلك.

قلت له: كان هذا قبل ثورات الربيع العربى بعدة سنوات، وكان وقتها الشيخ القرضاوى يدعو لوحدة الأمة والاصلاح وليس الثورية وفتاوى القتل العديدة، واثارة الصراع كما هو واقع اليوم، وكان هؤلاء الحاخامات ينتمون إلى مجموعة ناتورى كارتا وهم يهود ضد الصهيونية، ويحملون هذا الشعار على صدورهم مكتوبا ليميزهم عن بقية اليهود، ويطلقون على أنفسهم كذلك نحن اليهود الربانيون. وقد شاركونا كثيرا فى الوقفات أمام السفارة الاسرائيلية فى لندن، وغيرها من دول العالم إحتجاجا على المظالم الصهيونية ضد الفلسطينيين. ولذلك يكرههم الاسرائيليون والصهاينة كثيرا بل ويتعقبونهم حيثما كانوا. قال: عجيب هذا الكلام! قلت له: وقد زارونى مرتين بعد الثورة فى القاهرة، وتحدثوا فى الاعلام حديثا رائعا، وياليت موقف بعض الفلسطينيين بل والعرب كلهم يكون مثل موقفهم من الصهيونية واسرائيل. هناك – كما تعلم اليوم - من العرب من يهرول نحو المجرمين الصهاينة. هؤلاء أيضا اليهود يفهمون التوراه فهما غير الذى يفهمه الصهاينة والأمريكان، إنهم يرون أن جمع اليهود فى دولة تسمى اسرائيل، يعنى أنهم إلى زوال، وليست هذه هى رسالة النبى موسى عليه، وعلى نبينا محمد الصلاة والسلام. قال: زدنى. قلت: هؤلاء اليهود يسعون أيضا لحماية مدينة القدس ضد التوسع الصهيونى وضد فساد الاسرائيليين، وهم ضد العدوان على فلسطين كلها، وخصوصا الأماكن المقدسة وفى مقدمتها القدس. ولكننى أقول لك هناك من سيفسر كلامى هذا خطأً وفى مقدمتهم المتشددون، ومعهم بعض أصحاب المؤامرة. قال: عجيب هذا الكلام! قلت: والأعجب من ذلك أن التعاون لو انتشر وكان حقا بين أصحاب الديانات الثلاث خصوصا، لساعد ذلك فى إقامة العدل أو إقامة بعض العدل بين الناس على المستوى العالمى، ومواجهة الظلم كما وقع فى حلف الفضول. قال: وما الذى وقع فى حلف الفضول؟ قلت: إن حلف الفضول لدليل على أنّ الحياة مهما اسودّت صحائفها، وكلحت شرورها، - كما تقول المصادر الموثوقة عندى- فلن تخلو من نفوس تهزّها معانى النبل، وتستجيشها إلى النجدة والبر. إننا نقرأ فى كتب السيرة عجبا عن حلف الفضول. نقرأ الآتى:

«ففى الجاهلية الغافلة نهض بعض الرجال من أولى الخير، وتواثقوا بينهم على إقرار العدالة وحرب المظالم، وتجديد ما إندرس من هذه الفضائل فى أرض الحرم!.

قال ابن الأثير: «... ثم إن قبائل من قريش تداعت إلى ذلك الحلف، فتحالفوا فى دار عبدالله بن جدعان لشرفه وسنه، وكانوا من بنى هاشم، وبنى عبدالمطلب، وبنى أسد بن عبدالعزّى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، فتحالفوا وتعاقدوا ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها، أو من غيرهم من سائر الناس؛ إلا قاموا معه؛ وكانوا على من ظلمه، حتى تردّ مظلمته، فسمّت قريش ذلك الحلف )حلف الفضول(، فشهده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالحين أرسله الله تعالى:- «لقد شهدت مع عمومتى حلفا فى دار عبدالله بن جدعان؛ ما أحبّ أن لى به حمر النّعم، ولو دعيت به فى الإسلام لأجبت» . ما أعظمك يارسول الله !! وما أعظم منهج الله القويم فى الأديان السماوية.

إنّ بريق الفرح- بهذا الحلف- يظهر فى ثنايا الكلمات التى عبّر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فإنّ هذه الحمية للحق ضدّ أى ظالم مهما عزّ، ومع أى مظلوم مهما هان؛ هى روح الإسلام الآمر بالمعروف، الناهى عن المنكر، الواقف عند حدود الله. ووظيفة الإسلام أن يحارب البغى فى سياسات الأمم، وفى صلات الأفراد على سواء. نحن – أيها الصديق العزيز- لا نحتكر الخير ،ولا نقدر وحدنا اليوم فىهذا العالم المضطرب أن نقيم العدالة بل علينا أن نتحد ونتفوق ونخرج من التخلف لنحمى بلادنا ونقدم منهجنا للعالم كله ونحن به فخورون بدلا من الاستيراد.

وقيل فى سبب الحلف: إن رجلا من )زبيد( أتى بتجارة إلى مكة، فاشتراها العاصى بن وائل السهمي، ثم حبس حقّها وأبى أن يدفعه! فاستعدى عليه قبائل قريش والأحلاف، فلم يكترثوا له، فوقف الغريب المظلوم عند الكعبة وأنشد:

يا آل فهر لمظلوم بضاعته ** ببطن مكة نائى الدار والنّفر!

ومحرم أشعث لم يقض عمرته ** يا للرجال- وبين الحجر والحجر!

إنّ الحرام لمن تمّت كرامته ** ولا حرام بثوب الفاجر الغدر

فقام الزبير بن عبدالمطلب، وقال: ما لهذا مترك! فاجتمع الذين ذكرهم ابن الأثير آنفا، وذهبوا إلى العاصى بن وائل، واستخلصوا منه حقّ الزبيدي. بعد ما أبرموا حلف الفضول.

ويظهر أن العاصى هذا، كان رجلا مماطلا سمجا، فهو صاحب القصة كذلك مع خبّاب بن الأرت، وكان خباب قينا، فصنع سيفا للعاصي، وأتاه لينقده ) أى يعيطه نقدا ( ثمنه، فقال العاصي: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقال له خبّاب: لا أكفر حتى يميتك الله، ثم تبعث. فقال العاصي: أو إنى لميّت ثم مبعوث؟! قال: بلى، قال: دعنى حتى أموت وأبعث، فسأوتى مالا وولدا، فأقضيك- حقّ السيف- فنزلت الايات:

أَفَرَأَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً )77( أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً )78) كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا )79( وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً )80( ]مريم[.

وأمثال العاصى هذا، فى ميدان التجارة والسياسة اليوم كثير، ومن ذلك الصنف عدة دول، وقفت وراء اسرائيل ودعمت مظالمها وحالت ضد هزيمتها وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أولى الناس بخصومتهم، وأولى الناس بمحمد صلى الله عليه وسلم من أعان عليهم، وواثق على حربهم .»

هكذا أيها السائل يمكن أن يتحقق العدل أو بعض العدل فى المجتمع الانسانى كله بالحوار بين أصحاب العقول السليمة ومنهم أصحاب الديانات الثلاث أساسا، أو يخف الظلم على الأقل. وللحديث صلة. وبالله التوفيق. فى الجاهلية الغافلة نهض بعض الرجال من أولى الخير، وتواثقوا بينهم على إقرار العدالة وحرب المظالم، وتجديد ما إندرس من هذه الفضائل فى أرض الحرم!

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.