هذه الحكومة سيئة لا ريب.. لكننا أسوأ منها!

Sout Al Omma - - اقتصاد - محمد حسن الألفى

يعز على أن أنطقها، أن أقول أننا جميعا محتاجون إلى العودة إلى المدرسة لننال قسطا من إعادة التربية والتأهيل، قسطا انسلخ عنا، وسقط منا، رغما عنا. يعز على أن أقول بلا مواربة أننا بحاجة ماسة الى إعادة التربية، ان نتربى من جديد. دواعى الدعوة هذه،على قسوة صراحتها، أن الالتباس بين الادب وقلة الادب، وبين الاخلاق والسفالة المنتشرة، وبين الوطنية والعمالة، وبين الطيبة والشر، بين الذوق والانحطاط، صار أمرا يوميا لحظيا واقعا، فى كل معاملاتنا ، منذ اللحظة التى نصحوا فيها الى اللحظة التى نخرج فيها الى الشارع. بمجرد خروجك، ستجد عدوا من بنى وطنك، يركب التريلا، والميكروباص، والتاكسى والملاكى، يصارعك على حارة مرورية أو عبور ميدان أو طريق قبل ان تعبره انت. .

ومن عجب أن الكل يشكو سوء خلق الكل، وجشع الكل وغياب الذوق والحياء. هذه الحكومة سيئة، لا ريب فى ذلك، لكننا شعب أسوأ، ونحن نستحقها بجدارة. ما تفسيرك لبتوع رخام وحلويات وتجار يسرقون اطيانا من السكر، ويخبئونه، ويعودون لطرحه بضعف سعره!؟

تلك الأطنان بالآلاف، يحتكرها لصوص يحملون أسماء تجار، وهى مهنة شريفة غنية، امتهنها النبى محمد - صلى الله عليه وسلم -، لكنهم اعتبروها قرصنة على مال الشعب وقوت الشعب، ومال الدولة، وأثاروا سخط الناس، يهيئونهم لانفجار. عربات وتريلات محملة بأكوام تلو أكوام من أكياس السكر والشكائر، يظن محتكروها ولصوصها أن الشعب سيتركهم وشأنهم لو انفجر. سيأكلهم إن نفد صبره. أتلك أخلاق المصريين؟ أخلاق لصوص واللص عقابه السجن. لكن النصوص القانونية مائعة، وهزيلة. يمكن أن نشيد بكل طمأنينة بدور نشيط ملحوظ لمباحث التموين، لكن ماذا يجدى أن تقبض على سارق ومحتكر قوت الشعب، ثم يخرج بكفالة، والعقوبة غير مؤثرة على حياته وحريته وماله؟

هل سيظل رجال المباحث يطاردون كل مخزن؟ لا بد من سن تشريع يعاقب اللصوص عقوبات تتلاءم وزمن الحرب الذى تعيشه الدولة المصرية. نحن فى حرب، ومن يبيع ويشترى فينا ويحبس عنا القوت مكانه الطبيعي سجون الخونة والارهابيين.

ليس السكر وحده، ولا الأرز، ولا الدولار، بل اللعنة وصلت لفكرة الانتماء، وهى بضاعة شعور، لا بضاعة مخازن، وهى مجال للمعلم والسياسى والشيخ والقس المستنير، وليست مجالا لمباحث التموين. والأمن الوطنى. وأكاد أنفجر حنقا حين دخلت فى نقاش عابر ذات ليلة مع شاب فى العشرين أو بعدها ربما ، يكره أن يلتحق بالقوات المسلحة، لأنه سيكون خادما لا جنديا!!

آه لوكنا نعلم نحن جيل اكتوبر 1٩7٣ الذى خطط ونفذ وعبر وصبر وسف الرمل والنار فى حرب مقدسة، لتحرير الأرض وتسليم الراية لجيل يأتى من بعدنا ، أن من أصلابنا سيخرج من سوف يعمل لحساب أعداء الوطن، ويهتف ضد جيش بلاده، يدعو لاسقاطه!

أوغاد من هذه العينة اللامنتمية. أفكر أحيانا لو أن الرئيس الراحل أنور السادات عاد أو عاش ليرى بعينيه كيف خان من خان وكيف باع من باع، وكيف هتف العملاء ضد الجيش الذى حماهم ودافع عن أعراض أمهاتهم وأخواتهم وزوجاتهم، عرض الأرض المصرية! ولا يزال يدافع، ولايزال يبنى ويعمر، ويسقط منه الشهداء الأبرار. أظن أن السادات لو رأي هذا لوقع له الاغتيال الثانى.

غير أن الاغتيال الثانى هذا هو الاغتيال الأول لمصر، على يد شباب وساسة، مدوا عيونهم وجيوبهم الى عواصم اجنبية. لم نرب أولادنا تربية وطنية. تركناهم بعقولهم البيضاء البكر، لخربشات وبذور العلم الاخوانى والعلم الامريكى. تركناهم لمدارس الاخوان، ومدارس الأمريكان. فخرجوا علينا، ليسوا منا.

لماذا وقعنا في مصيدة العولمة؟. كانت العولمة، وهى اختراع مخابراتى امريكى، من مراكز البحوث ،المغذية للسى أى ايه، هى الباب المفضى بسلاسه الى العمالة، والعمالة تتجلى فورا بعد شحوب مفهوم الوطن، والعقيدة الوطنية. هكذا كانت امريكا تربى العالم، وفى القلب منه منطقتنا، على اعتناق العولمة، تجاريا واتصاليا واعلاميا وثقافيا وسياسيا ، لتكون الحدود الجغرافية مجرد خطوط على الخريطة، تتبدل وتنسف بعقيدة بديلة هى العمالة من أجل التغيير السلمى.

نحتاج الى من يربينا بدلا من الامريكان، لانه من الواضح جدا أن العيال الذين رباهم الأمريكان كانوا مخلصين مجتهدين فى استيعاب دروس فنون التخريب واسقاط الاوطان، وبث القبح والرذيلة والبذاءة والبلطجة، تمهيدا للتفسخ الاجتماعى فالطائفى فالجغرافى لكن من سيربى الشعب من أول وجديد؟ عادة المربى هو المعلم الفاضل، الوقور الشبعان، أو الجوعان حتى لكنه عفيف مدرك لرسالته! هذا الطراز انقرض وعد من سلالة الحقبة الجوراسية. الموديل الموجود حاليا : الحصة ب200 جنيه. فين الظرف يا بنى!

من سيربى؟ النخبة؟! قطعت!. ظهرت واطية الأفق، خائنة لرشدها، زائغة النظر، طماعة، بياعة حتى أنها أتت بالجهلة.. بالاخوان والخونة كيدا فى مبارك، ودولة مبارك، مع أن شفيق وغيره عملوا للدولة المصرية، لا من أجل الرئيس الأسبق، ولا الذين يعملون حاليا مع الرئيس السيسى، يعملون لارضائه ولا لحسابه ولا لمزرعته، لو كان عنده مزرعة ، بل هم يخدمون الدولة لا من يرأسها.

من سيربى؟! شيوخ الشذوذ والغرائب؟ المفتون منتشرون كالبراغيث، يبشرون بالضلال، وتجارتهم تركز على بضاعة النصفين السفليين من : الذكر ومن الأنثى. من سيربى؟! يتربى الانسان عادة من كارثة تحدق به أو مصيبة تسقط عليه كسقف خرسانى، أو من شدة يتجاوزها، لكن واضح وضوح العقاب الالهى الوشيك،أننا لم نترب ولم نتعلم مما جرى لنا وفينا وبنا منذ يوم العار قبل خمس سنوات. نحن لسنا المصريين. لسنا الناس الطيبين. لاذوق ولا احساس ولا أدب، ولا قناعة، ولا جمال. وجوه النساء شحوب من هموم، أو حواجب مساخيط فى السنما وبرامج الفضائيات.

وسحن الرجال عليها غبرة وكدرة. حتى النظافة الشخصية والاستحمام.. تاريخ وانتهى! من يربي إذن؟ الخوف سيربينا، لأن البديل هو التدمير الذاتى. نحن نمر، بلا هوادة فى مرحلة التدمير الذاتى. نتهيأ ليركبنا الأعداء ركوب المواشى. أعتذر عن شدة كلماتى، لكنى ابكى على وطنى واهلى وهم ماعادوا الوجوه الحلوة الطيبة المتسامحة. أفيقوا قبل السيل العرم. فلنرب أنفسنا ولنستردها، ولنتحاب، ولنرحم بعضنا بعضا ولنقم أعمدة الوطن، فهو جنتنا التى لا نملك غيرها، حتى لوكان فقيرا. هو غنى باخلاقنا وقناعتنا.

اللهم احفظ الوطن الذى تجليت فيه، ظهرت وتكلمت. شرف لم يحدث لبلد قط.

Newspapers in Arabic

Newspapers from Egypt

© PressReader. All rights reserved.