كلام في العلاقة النيابية الحكومية

Al Ghad - - 4 - النائب خالد بكار

في البداية، اسمحوا لي أن أقول رأيي هنا بتجرد، وبصفتي عضوا في مجلس النواب السابع عشر، وبمعزل عن التكريم الذي حظيت به من زملائي، سواء بانتخابي رئيسا لكتلة وطن، أو رئيسا للائتلاف الوطني النيابي.

وهذا التوضيح يأتي في سياق تفسير ظاهرة الفتور والفوضى، التي تربط اليوم العلاقة النيابية بالحكومة، بسبب تعنت الأخيرة في مواقفها، وعدم مرونتها في تطبيق مبدأ الشراكة الإيجابي والفاعل مع السلطة التشريعية.

كما أنني سأقدم هنا موقفا واضحا تجاه تشخيص العلاقة، وبشكل لا يؤشر من قريب أو من بعيد، إلى تباين في مواقف الزملاء أعضاء الكتلة أو الائتلاف، لكن طبيعة تقديرنا للعلاقة مع السلطة التنفيذية، ما تزال قائمة على مبدأ التوازن، وليس الـ"مكاسرة"، وهو ما يجعل النواب يؤثرون على أنفسهم وعلى شعبيتهم، حتى يحفظوا مبدأ استقرار المؤسسات الدستورية في هذه اللحظات الصعبة، التي تمر بها مملكتنا.

ولأن واقع العلاقة بين السلطتين اليوم، يؤشر وبوضوح على محاولات متكررة تقوم بها الحكومة، وتحاول من خلالها الاستقواء، بذريعة الظرف الأمني الإقليمي، والتحديات الاقتصادية الداخلية، فإننا في مجلس النواب نقوم بواجب التعامل مع التشريع والرقابة، على أساسدستوري بالأساس، وعلى حساب الأولويات الوطنية، التي لا مجال لسوء التقدير فيها، مستندين في ذلك، إلى دعم جهود جلالة الملك في الإصلاح، والتي عبر عنها في خطابات افتتاح أعمال الدورات العادية لمجلس النواب الحالي، بالإضافة إلى تلك التي يعبر عنها جلالته خلال لقاءاته مع الكتل النيابية.

النواب في هذا المقام، بــدأوا يشعرون بأن الحكومة صاحبة الرأس الواحد، واللسان الواحد، تعرف جيدا كيف تتسلل وتضرب على الوتر الحساس، غير آبهة بحكم الشارع على أداء السلطة التشريعية، كمؤسسة دستورية، وتريد الحكومة أن تطوع كل أدوات الدولة لخدمة بقائها، وليس لخدمة مصالح الوطن العزيز، وخدمة مليكه المفدى.

إن مجلس النواب السابع عشر، استطاع أن يؤسس لحالة نيابية صحية، ولم يكن في أذهان الزملاء النواب، أن يصلوا للحالة المثالية خلال عمر هذا المجلس، لكن وعلى سبيل المحاولات الجادة، لمأسسة عمل السلطة التشريعية، وبالأخص الغرفة النيابية، فإننا في المجلس عدلنا النظام الداخلي مرتين، وها نحن بصدد فتحه للتعديل الثالث، خلال الدورة الاستثنائية المقبلة.

والهدف من وراء ذلـك، هو تجاوز كل السلبيات خلال انعقاد جلسات المجلس تحت القبة، وتجويد الأداء النيابي، وتحييد الدور الفردي للنائب، لصالح دور الكتل والائتلافات الجماعية.

وفي مقابل كل محاولات الزملاء، أعضاء المجلس الحالي، لتجاوز الأخطاء في الأداء وسرعة الإنجاز، ودقة الوصول إلى الأهـداف، ساهمت الحكومة -وبظني مع سبق إصرار وترصد- في إفشال كل المحاولات، من خلال تعزيز روح الفردية لدى النائب، على حساب دعم الكتل في البرامج وتطبيقاتها على الأرض، وهو ما يدفع بالقواعد الانتخابية لأن تتلمس مستقبلا حسن الاختيار بين المرشح الفردي، والمرشح المنضوي تحت لـواء حزبي أو جبهوي أو عمل جماعي.

ما أريد قوله هنا؛ بأننا وإن كنا جادين في تطبيق طموحات جلالة الملك، في أداء نيابي مؤسسي؛ رقابي وتشريعي، يواجه أداء حكوميا تنفيذيا، فإن الحكومة الحالية على وجه التحديد ضربت بعرض الحائط بالفكرة ومستقبلها.

الغريب من كل ما سبق، بأن هذه الحكومة على وجه التحديد، هي وليدة "مشاورات نيابية"، وتلك المشاورات خلصت لاختيار الرئيس وفريقه، على أسس من التوافق على جدول زمني لتطبيق برامج إصلاحية سياسية واقتصادية وإدارية واجتماعية.

و"حكومة المشاورات النيابية" هذه، وللأسف التفت على برامج الشراكة، مؤثرة بذلك على القدرة في الوصول للهدف الإصلاحي المهم، حكومة تحظى بثقة الأغلبية النيابية، وتقابلها حكومة ظل ومعارضة من الأقلية النيابية.

وما أخشاه من وراء ذلك، هو إخفاقنا النيابي والحكومي في الاستفادة من صلاحية منحها جلالة الملك، رغبة في الإصلاح والتحديث، وهي المشاركة في اختيار رئيس الوزراء المكلف، وفريقه الحكومي.

فجلالة الملك، الذي بعث بتصوراته الواضحة لمستقبل عمل السلطات الدستورية، في سلسلة مقالات نقاشية، ساهمت في صناعة التوافق المطلوب على خطوات الحاضر، والتطلعات نحو المستقبل، تعاندها وللأسف حكومة الدكتور عبد الله النسور، من خلال نهج الفردية، والابتعاد عن التشاركية، التي أساسها التوازن في العلاقة بين السلطات، وكأننا نملك ترف الوقت لنعود مجددا، ومن الصفر، نبحث عن توافق عريض على الأفكار والمبادئ، ونجتهد فــي اجــتــراح المعجزات لبناء أردن إصلاحي ديمقراطي.

في الختام، وأمام كل ما سبق؛ لا أدري أين سيصل مستوى العلاقة بين السلطتين، في حال استمر الوضع على ما هو عليه، من غياب واضح للتعاون المشترك، وتعنت الحكومة في مواقفها غير المرنة، وغير المبررة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan

© PressReader. All rights reserved.