التفكير الطويل أو البطيء وسوء الفهم

Al Ghad - - 8 - حسني عايش

ت�ت�ع�ام�ل ال��م��درس��ة النمطية مع الأط ��ف��ال/ ال �ت�ام�ي�ذ، وك �أن�ه�م نسخٌ ك �رب �ون �ي �ة، ع��ن بعضهم ال�ب�ع�ض، فتفرض عليهم ال�ب�رن�ام�ج نفسه، وتعلمهم بالأساليب نفسها، وتختبرهم بالامتحانات نفسها... وكأنه لا أهمية لأي واح�د منهم، ما دام �وا في نظرها متماثلين، مع أن حاجاتهم واهتماماتهم وطرائق تعلمهم... متباينة. أي أن كل واحد منهم فريد. وبذلك تمنع المدرسة نفسها بروز الإبداع والابتكار عندهم. ومن الكوارث، التي تصيب كثيراً من الأط�ف�ال/ التاميذ، ف�رض المدرسة عليهم الوقت نفسه المفروض على الجميع، واعتبار من لا يسلّم ورقة الامتحان في نهاية الوقت المقرر غبياً أو بليداً، يوصم تفكيره بالبطيء.

لقد بينت ال�ب�ح�وث وس�ي�ر الحياة الذاتية ٍلكثير من المبدعين والمفكرين وال�ف�اس�ف�ة وال�م�ن�ظ�ري�ن تميزهم بالتفكير الطويل أو البطيء، وأنهم يحتاجون إلى وقت أطول من غيرهم ليجيبوا عن الأسئلة أو ليحلوا المشكات أو ليفسروا الظواهر والأحداث.

وي�أت�ي على رأس ه��ؤلاء ثوماس ج�ي�ف�رس�ون أح��د واض��ع��ي ال�دس�ت�ور الأم �ي �رك �ي، وش���ارل داروي���ن صاحب نظرية التطور، وآينشتاين صاحب نظرية النسبية الذين يمتازون جميعاً بما يلي:

يحددون المشكات بدقة. يستمتعون بصحبة أنفسهم. لديهم ميل نحو اللعب والنكتة. شديدو التركيز، ويتتلمذون على أيدي أصحاب تفكير طويل.

لكن تفضيل ال�م�درس�ة للتفكير السريع، جعل أصحاب ه�ذا التفكير يبدون أغبياء، فيرسبون أو يُرسّبون أو يتسربون، مما يحرم العالم من عطائهم. هنا يجب أن لا نخلط بين التفكير السريع، الذي يتحدث عنه حامل جائزة نوبل دانيال كاهنمان، كما ورد في كتابه الأكثر مبيعاً: (Thinking 2011,Fast And Slow )، لأنه يتحدث عن وجود نمطين للتفكير عند الإنسان: أحدهما ي�وم�ي س�ري�ع (1 )System والاخ���ر ط�وي�ل أو ب�ط�يء (System 2) وه�و ال��ذي ينشئ الأف�ك�ار وينظم الخطوات ويبرهن ويفسر. الأول يعمل أوتوماتيكياً بسرعة، وبجهد قليل، وقلما يخضع للسيطرة. أم�ا التفكير الطويل أو البطيء فبالعكس، أي انه يقلّب الأمور الصعبة أو المعقدة طوياً، وبخاصة ذات العاقة بالخبرات الذاتية والاختيار.

إن وظيفة

ال�م�درس�ة ه�ي تنمية التفكير الطويل أو البطيء، لا اعتباره ع �وق �ا، ولا سحب ورق ��ة الإج��اب��ة من الطفل صاحب هذا التفكير عنوة وقرفاً: إنتهى الوقت يا غبي.

ومما يزيد الطين بلة في المدرسة العدد الكبير من التاميذ فيها، حيث يجد الطفل نفسه ضائعاً أو مجهولا بحشد كبير، فيلجأ إلى العبث واحياناً إلى العنف لجلب الانتباه إليه. وقد اكتشفت أميركا ذلك متأخرة، عندما وجدت ان المدرسة الفضلى ع�دداً هي التي لا يزيد عدد تاميذها عن أربعماية.

توحي الامتحانات العامة (المصيرية) للتاميذ ان الأجوبة أو الحقيقة مطلقة، ما داموا يُرفّعون او يرسبّون في ضوئها، أو يتسربون بسببها، وما داموا يجبرون على التقيد بالوقت المحدد لامتحان، كما ف�ي (SAT) وأم�ث�ال�ه. ولعل هذا المناخ الإمتحاني هو أحد مصادر العنف لإغاقه الباب على الأنشطة والإب�داع والابتكار والتفكير الطويل، أي التفكير خ��ارج ال�ص�ن�دوق، ال��ذي يعتمد عليه الإقتصاد المعاصر، والذي لا تستطيع الامتحانات العامة قياسه.

في خطابها، اثناء قبول جائزة نوبل ف�ي الشعر، قالت الشاعرة واي��زلاوا زيمبوسكا: إنها تستطيع أن تعرف فيما اذا كان المجتمع أو المؤسسة تموت او لا، من طبيعة الخطاب السائد فيهما. يكفي النظر ف �ي ال �ظ �رف الزماني (Adverb) المسيطر على اللغة، مثل: ابداً او دائماً او مطلقاً لتعرف ذلك، وانها كلما سيطرت على مجتمع او مؤسسة كانت في حالة موات. وقد استدلت على ذلك من مراجعة اللغة المستبدة، او المطلقات فيها، التي تستخدمها النظم الديكتاتورية والشمولية للسيطرة على شعوبها.

زيادة عدد التلاميذ في المدرسة يزيد من المشكلة حيث يجد الطفل نفسه ضائعا فيلجأ الى العبث وأحيانا للعنف

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan

© PressReader. All rights reserved.