"مكافحة الفساد" تتحفظ على معارض تشتري السيارات والعقارات بشيكات آجلة وبزيادة 40

دائرة الافتاء تؤكد كراهة كل بيع فيه شبهة التحايل على الربا

Al Ghad - - 11 - أحمد الرواشدة

العقبة- أصدرت هيئة ادعاء مكافحة الفساد قرارا بالحجز التحفظي على الأموال المنقولة وغير المنقولة وعبر الوكالات لعدد من أشخاص يملكون معارض سيارات ويعملون في تجارة وشراء المركبات والعقارات والأراضي بشيكات آجلة بزيادة قدرها 40 % عن سعرها الحقيقي ثم يقومون ببيعها بأسعار أقل بـ 15 .%

وحمل تعميم هيئة مكافحة الفساد رقم 367/2015/56 مخاطبات رسمية للبنك المركزي والبنوك الرسمية وشركات الصرافة وسلطة منطقة العقبة الخاصة ودائرة تراخيص المركبات والأراضي والجمارك وهيئة الأوراق النقدية ضرورة بدء التنفيذ العاجل بمضمونه.

وأصبحت ظاهرة "بيع السيارات والعقارات لأجل" بموجب شيكات بنكية تدفع بعد ثلاثة أو أربعة أشهر حديث المجالس والشارع في العقبة والبتراء مؤخرا.

إذ يعمد معرض السيارات إلى شراء السيارة أو العقار بضمان شيك بنكي يفترض أن يسدد بعد 4-3 أشهر وبزيادة على الثمن الأصلي بنسب تتراوح من 40-35 %، ثم يقوم هذا المعرض ببيع السيارة أو العقار نقداً بأقل من قيمتها السوقية بنسب تتراوح من 15-10 .%

وكشفت مصادر مطلعة أن دائــرة الادعـاء العام أصدرت قرار الحجز عقب ورود شكاوى عديدة من هذه الظاهرة التي شبهوها بقضية البورصات الوهمية التي أشغلت الشارع الأردني وانهارت في ايلول (سبتمبر) 2009 ولا يزال ملفها منظورا أمام محاكمة أمن الدولة.

وبين مصدر في هيئة مكافحة الفساد أن القضية الآن منظورة أمام القضاء، وأن الحجز التحفظي تم بالفعل.

واعتبر مواطنون أن افتتاح معارض للسيارات في لواء البتراء ومدينة العقبة تشتري السيارات بموجب شيكات بنكية آجلة لأربعة أشهر وبزيادة 4035- % طريقاً سريعاً للثراء وكسباً وفيراً، في حين يرى آخــرون أنها وسيلة لتراكم الديون وظهور أزمة أشبه بأزمة البورصات العالمية الوهمية التي راح ضحيتها آلاف المواطنين.

وبحسب مواطنين فإنه مـن الغريب أن أصحاب هذه المعارض يقومون بالسداد في الوقت المحدد، مؤكدين بأنهم لم يسمعوا بورود شكاوى حقوقية أو مالية إلى المحاكم حتى الآن، غير أن خبراء اقتصاد قالوا إن هذه الأموال عبارة عن ديون تراكمية وسوف تأتي لحظة تحدث فيها أزمة مالية أشبه ما تكون بأزمة البورصات الوهمية.

وظهرت أول حالة بيع لأجل في المملكة بلواء البتراء قبل ثلاث سنوات لشخص واحد فقط، ثم انتشرت نهاية العام 2014 وبداية العام الحالي لتشمل أكثر من سبعة أشخاص أغلبهم في لواء البتراء والعقبة.

والــلافــت فــي الأمــر أن هــؤلاء الاشخاص سيرتهم المالية سابقاً قبل ظهورهم كانت متواضعة جداً، غير أنه ظهر عليهم الثراء فجأة.

ويتسابق أشخاص بافتتاح معارض السيارات الفارهة واحدا تلو الآخر وبأسعار تفضيلية أقل من السعر السوقي بنسبة تصل في بعض الاحيان الى 25 %، ويجد الزبون بالمعرض

خبراء اقتصاد يتوقعون أن تسبب الظاهرة أزمة شبيهة بـ" البورصات العالمية الوهمية" والتي راح ضحيتها آلاف المواطنين

أشكالا وأنواعا مختلفة من السيارات تبدأ من 5 آلاف دينار وتصل في حدها الأقصى 70 ألف دينار.

ويقول المواطن محمد الخوالدة إنه قام ببيع سيارته والتي يبلغ سعرها 20 ألف دينار بزيادة عن المبلغ الأصلي بنسبة 40 % مقابل شيك بنكي مؤجل لثلاثة أشهر مسحوب على أحد البنوك التجارية في المملكة، مضيفا "قمت بصرف الشيك قبل أيام بمبلغ 28 ألف دينار".

ويشير الخوالدة إلى أنه يعتزم بيع سيارة أخرى وبشيك مؤجل، مؤكداً أنها طريقة مثلى للربح السريع.

وأوضح أنه قام بعمل وكالة غير قابلة للعزل للمعرض في إدارة الترخيص ومن ثم تم بعد ذلك كتابة الشيك الــذي يستحق بعد ثلاثة أشهر، مؤكدا انه لم يكن متردداً في البيع لتجربة عدد من أصدقائه وصرف شيكاتهم دون أي مشاكل.

ويــؤكـد الـمـواطـن مهند الطويل أن بيع السيارات والعقارات بموجب شيكات لأجل لفترة ثلاثة أو أربعة شهر أصبحت رائجة في العقبة، الأمر الذي انعكس على مستوى دخل بعض الأسر، مؤكداً ان هناك اشخاصا تفرغوا لأجل عملية البيع والشراء في المحلات التي افتتحت في العقبة ولواء البتراء.

وأوضــح ان هذه المهنة أصبحت تدر دخلاً وفيراً على شريحة كبيرة من المواطنين.

وبين أستاذ الاقتصاد في جامعة الحسين بن طلال الدكتور باسم ابو كركي أن في علم الاقتصاد البيع والشراء بهذه الطريقة خصوصاً البيع بأقل من سعر السوق، يحدث خللا في الـتـوازن الاقتصادي في السوق تفضي إلى تقلبات دورية وظواهر اقتصادية جزئية وكلية، تتخذ شكل أزمة عامة.

وأشــار أبــو كركي الــى ان طريقة التجارة مخالفة لآلية عمل السوق وتخلق خللا بين تجار السيارات والعقارات، مؤكداً أن وجود فائض العرض من السيارات والعقارات سيدفع السعر للانخفاض، وذلك من أجل تشجيع المستهلكين على طلب كميات أكبر من السلعة، على حساب المعارض الأخرى والتي تستخدم طريق البيع لأجل بموجب شيكات بنكية.

واوضــح أن تلك المعارض التي لا تتعامل بهذه الطريقة سيلحقها خسائر مالية فادحة.

ويشير أســتــاذ إدارة الأعــمــال الدكتور عبدالمهدي القطامين إلى أن انتشار معارض السيارات التي تشتري السيارات من المواطنين بأسعار تزيد بنسبة 40 % عن سعرها الحقيقي في السوق بموجب شيكات مؤجلة لمدة أربعة أشهر واعادة بيعها باسعار تقل ايضا عن السعر الحقيقي بحدود هذه النسبة، يثير أكثر من تساؤل ولا يدع مجالا للشك بأن في الأمر ما يريب.

واضاف أن هذا "يضعنا امام احد احتمالين لا ثالث لهما، الاول ان مثل هذا النشاط يرتبط بأموال غير نظيفة يتم غسلها تحت مظلة متنفذ كبير بغض النظر عن هذه الممارسات تحت أي ذريعة، وبالتالي نظن أن المواطنين في حركة بيعهم وشرائهم في مأمن إن صدق هذا الاحتمال إلى أجل محدود طبعا، والاحتمال الثاني ان هذا النشاط يستهدف خديعة اكبر عدد من المواطنين وجمع أموالهم ثم السقوط فجأة دون مقدمات، وهو الامر الذي سيضر بشريحة واسعة من أبناء الوطن وهو ما يشبه أعمال البورصات الوهمية، التي أضاعت مقدرات الناس في ليلة واحدة وما زالت".

وأكد القطامين أن "على الحكومة الآن وليس غدا أن تقول لنا ما هي حقيقة هذه التجارة حتى لا يفيق الناس وقد باعوا كل شيء وأصبحوا مرة أخرى تحت وطأة تجار لا يرحمون ومتلاعبين لا يقفون عند حد".

لكن المواطن راضي السعود أكد أن الذي يحدث في الجنوب وخاصة في البتراء والعقبة "مـش طبيعي"، مشيراً إلـى أن أول عمليات تجارية ظهرت بالدفع الآجل و بمبالغ خرافية وأرباح كبيرة كانت بمثابة "إبرة تخدير أو تمويه للناس" والآن أصبح الأمر طبيعيا جدا بالنسبة للكثير والتعامل فيها أسهل من "شربة المي"، وظهور أشخاص كثر يعملون بهذا المجال أصبح أمرا مخيفا ومقلقا والمخفي أعظم، متسائلا عن مصادر هذه الأموال الطائلة؟ وما هي الغاية من الأرباح غير المبررة؟.

ويؤكد المواطن محمد درويش أن هذا العمل يخالف منطق علم التجارة والاستثمار وليس له تفسير منطقي، مشيراً إلى أن تلك الظاهرة التي تجتاج سوق السيارات لا تـزال غامضة وعصية على التطويع لفهمها وإدراكها بما هو منطقي ومعقول، وبالتالي لا يبشر بالخير، حيث يسود سوق السيارات ضبابية لبيع السيارات بالشيكات المؤجلة.

واضــاف درويــش أن هناك أسبابا كثيرة تدعو إلى الرعب والخوف في سوق السيارات والتي تعرضت الى هزات قوية بدءًا من قضية الشيكات، والتي كــان بطلها تاجرا اشترى سيارات بشيكات بنحو 5 ملايين دينار وهرب خــارج البلاد، مؤكداً أن عمليات بيع وشـراء المركبات بهذه الطريقة المثيرة للجدل، ذهب ببعض المراقبين إلى تشبيهها شكلا ومضمونا بأزمة "البورصات العالمية" التي ضربت بعمق الاقتصاد الأردني قبل أعوام، مع الأخذ بعين الاعتبار بعض الفوارق بين التجارتين، ولكن بالمحصلة فإن المسألة تنحصر بتجميع أموال المواطنين بطريقة أو أخرى.

بالمقابل يــقــول أحــد اصــحــاب معارض السيارات، رفضذكر اسمه، "نحن لا نغش أحداً، نشتري بالآجل ونبيع بالنقد لتوفير السيولة التي نشغلها بنشاطات مختلفة لسداد الناس بالوقت المناسب".

من جهته قال رئيس غرفة تجارة الأردن نائل الكباريتي إن الغرفة رصدت العديد من المعاملات التجارية وتأكدت من وجودها، مشيراً إلى أن هناك علامات استفهام وحالات غريبة وغير مفهومة لا تنطبق على مبدأ التجارة.

وتابع الكباريتي ان الغرفة خاطبت وزارتي المالية والصناعة والتجارة والجهات ذات العلاقة للنظر بهذه التجارة في محافظات الجنوب، مؤكداً انه يجب الانتباه لهذه الفئة.

من جهتها قالت دائــرة الإفـتـاء الـعـام، إن "البيوع في الشريعة الإسلامية إنما شرعت لتحقيق مصالح العباد وتلبية حاجاتهم، وقامت على أسس واضحة، وأحكام بينة منضبطة، بعيدة عن الشبهات وأكل أموال الناس بالباطل والاعتداء عليها".

ولفتت إلى أن المسلم ينبغي عليه اجتناب كل ما فيه شبهة أو غرر، ولا ينظر للربح المادي فقط، لقوله صلى الله عليه وسلم: )إِنَّ الْحَلالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ( رواه مسلم".

وأشـارت الدائرة إلى أن المسألة المذكورة يسميها الفقهاء بـ"التورق، وصورتها أن يشتري أحدهم سلعة كسيارة أو أرض بمائة دينار مثلا إلى أجل، ثم يبيع ما اشتراه لشخص آخر غير البائع بثمانين نقدا حالا، وهذه الصورة من البيوع اختلف فيها الفقهاء اختلافا كبيرا، ولكن هذا الخلاف، إنما وقع في صورة التورق الخاص والبسيط التي يمارسها بعض الأفــراد، لدفع حاجاتهم فقط، وأما أن تكون نشاطا اقتصاديا على مستوى عام واســع، بحيث تصبح مهنة مشبوهة لا يعرف ما وراءها، لغاية كسب الأموال الطائلة، بحيث تنتشر في المجتمع، بما يشكل خطرا كبيرا عليه، فهذا لم يكن مثله موجودا بهذه الصورة في زمن قدامى الفقهاء، بل العادة في البيع والشراء أن البائع يسعى للحصول على أعلى سعر، ويسعى المشتري لشرائها بأدنى سعر، ولذلك كانت المساومة. أما ما يجري في السوق في هذا السؤال، فهو على عكس ذلك".

وبينت أن الفقهاء نصوا على كراهة كل بيع فيه شبهة التحايل على الربا، فقال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله: "التورق أخيه الربا". وقال ابن حجر الهيتمي رحمه الله: "وقد يكره – يعني البيع – كبيع العينة، وكل بيع اختلف في حله، كالحيل المخرجة عن الربا".

معرض لبيع السيارات بالشيكات الآجلة في مدينة العقبة-(_)

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan

© PressReader. All rights reserved.