حين يكون ضحايا الشرف أطفالا: غرباء صغار في مجتمعات لا ترحم

Al Ghad - - 9 - نادين النمري

عمان- 12 عاما قضاها الطفل "أسامة" في كنف جديه دون أي أوراق رسمية تثبت هويته ونسبه، بعد أن قضت والدته على يد شقيقيها في ما يسمى بـ،"جريمة شرف" العام 2003.

أمضى أســامــة، وهــو اســم مستعار، سنوات حياته وهو يعتقد أن جدته هي والدته، لكن التحدي الأكبر، وفقا للجدة، كان "الخوف من المستقبل في ظل عدم وجود أي أوراق ثبوتية تحفظ حقوقه".

هذا التحدي دفع بالجدة قبل عامين إلى تبليغ إدارة حماية الأسرة، لتصويب حالة الطفل أخيرا، وبمساعدة من مركز العدل للمساعدة القانونية تمكن أسامة من الحصول على شهادة ميلاد وجنسية أردنية واسم لكن "منتحل".

تروي الجدة لـ"الغد" تفاصيل رعايتها لحفيدها بعد وفــاة ابنتها وقلقها على مستقبله، فتقول: "تغيبت ابنتي عن المنزل نحو عام ونصف العام، ولم نكن نعرف مكانها، وبعد بحث طويل تمكن شقيقاها من العثور عليها، وقبل مقتلها حضنت ابنتي طفلها وودعــتــه، وأوصــت برعايته، لكن لم يمهلها شقيقها وقتا حتى تكشف عن هوية والد الطفل، فقتلها مباشرة".

وتستكمل حديثها: "لم أكن أعلم بنية ابنيّ بقتل شقيقتهما، فربما لو علمت لمنعتهما من ذلك، وأذكـر أنني كنت في بيتي فدخل ابني إلــى غرفة الجلوس وسلمني الرضيع، وكــان عمره حينها 8 شهور تقريبا، وقــال إنــه قتل شقيقته وهــذا ابنها وطلب مني رعاية الطفل، وسلم نفسه وشقيقه بعد ذلك إلى المركز الأمني".

وتضيف: "عندما نظرت إلــى أسامة شعرت بأني أرى ابنتي نظرا للشبه الكبير بينهما، فأحببته من كل قلبي وقطعت عهدا على نفسي أن أرعاه وأحسن تربيته مهما كلف الأمر، ولم تكن ظروفنا جيدة في تلك الفترة، فقد قتلت ابنتي وحكم على ابني الاثنين بالسجن 10 أعوام".

عموما، لقي أسامة كل رعاية من عائلة جده، وتربى مع أخواله الصغار باعتباره شقيقا لهم.

وتضيف: "حتى بعد انتهاء محكومية ابني وعودتهما إلى المنزل، نشأت علاقة قوية بينهما وبين الطفل، فأحباه كثيرا ورعياه كابن لهما، ولم يقولا يوما بأنهما شعرا بالندم على قتل شقيقتهما، لكن بالتأكيد لم يرغبا بهذه النهاية لها، نحن نعيش في مجتمع لا يرحم".

وتتابع: "قدمت وجده كل رعاية له، لم يكن ذنبه، ويكفي أنه لم يعرف والدته، وعندما بلغ من العمر 4 أعــوام سجلته في إحـدى ريـاض الأطفال في منطقتنا، وشرحت للمديرة الحالة وتفهمت الوضع، وعند بلوغه سن الستة أعوام لم أنجح في العثور على مدرسة تقبل به دون أوراق رسمية، لكن أخيرا قبلت إحدى الجمعيات الخيرية الإسلامية تسجيله بصفة مستمع، فكان يتلقى علوم الدين هناك، وركزت في تربيتي له على القيم الدينية، فإيمانه سيكون سلاحه الوحيد".

وتزيد: "مع ذلك كان يسألني باستمرار عن سبب عدم وجوده في مدرسة نظامية، فشعرت حينها أن الوقت يمر بسرعة، وأن الاستمرار على هذا الحال سيعني ضياعا لمستقبله، فتوجهت إلــى إدارة حماية الأسرة وشرحت لهم الحالة، وعلى إثر ذلك تم تحويل أسامة إلى إحدى دور الرعاية التابعة لــوزارة التنمية الاجتماعية لحين استخراج أوراق رسمية له".

وتتابع: "لم يكن إصدار الأوراق بالأمر الهين، نظرا للفارق الزمني بين ولادة الطفل والتقدم بطلب التصويب، وبعد نحو عامين حصل حفيدي على شهادة ميلاد ودفتر عائلة، وتم منحه الجنسية الأردنية مع اسم منتحل".

وتزيد: "لم تتوقف الأسئلة والمعاناة هنا، فكان يسألني حفيدي عن سبب وجود دفتر عائلة منفصل له، وعن الأسماء التي تم اختيارها لأمه ووالـده، ووجدت نفسي أختلق قصصا لتكون مقنعة له، فأخبرته أن دفتر العائلة المنفصل لأنه سيتزوج مستقبلا ويصبح أبــا، ولا أعــرف إن كان صدق هذه الروايات أم لا".

وتوضح: "ما يزال حفيدي في دار الرعاية حيث تـم تسجيله فـي الصف الخامس الابتدائي، وهو يذهب اليوم إلى مدرسة نظامية قرب دار الرعاية، وأنا على تواصل دائم معه وأزوره كلما توفر المال الكافي للمواصلات".

وتضيف الجدة: "يبلغ حفيدي من العمر اليوم 14 عاما، وتوفر له دار الرعاية كل احتياجاته، وآمـل أن يعود إلى حضانتي العام المقبل، لكني في نفس الوقت أخشى من المجتمع المحيط بنا، وأخشى أن يؤذيه أحد بكلام جارح".

من ناحيتها، توضح المحامية تغريد التميمي، مستشارة مركز العدل للمساعدة القانونية، والتي ترافعت في قضية الطفل أسامة، أن "عدة صعوبات واجهت عملية استخراج الأوراق الثبوتية، أبرزها الفجوة الزمنية الكبيرة بين ولادة الطفل والتوجه لتصويب وضعه القانوني".

وتوضح التميمي: "أبرز الإشكاليات التي واجهتنا، أن جريمة القتل لم تكن مدخلة على نظام الحاسوب لدى محكمة الجنايات، ولم يكن رقم القضية متوفرا كذلك، وبعد بحث طويل تم العثور على ملف القضية، وفي موازة ذلك قدم طبيب مختص تقريرا رسميا لتقدير سن الطفل، حيث تطابق تاريخ جريمة القتل مع عمر الطفل عند الحادثة".

وتزيد: "بناء على ذلك، تم استخراج كافة الأوراق الثبوتية للطفل، من شهادة ميلاد ودفتر عائلة، والاسم والجنسية".

وتضيف: "اليوم أسامة ملتزم بالتعليم النظامي، وله كافة الحقوق كمواطن أردني، والأوراق الثبوتية تضمن حماية كافة حقوقه".

وتوضح: "تم إعطاء الطفل اسما منتحلا، خصوصا أن هوية الأب مجهولة، في حين أن حادثة الوفاة تمت قبل 13 عاما، وبالتالي استحال إجــراء فحص DNA أو مـا يعرف الحمض النووي الريبي لإثبات نسب الطفل إلى أمه".

من ناحيتها، توضح المديرة التنفيذية لمركز العدل للمساعدة القانونية هديل عبد العزيز، أن "قضية الطفل أسامة تؤكد أهمية توفير المساعدة القانونية والنفسية والاجتماعية للمحتاجين لها".

وتقول: "ربما لو توفر هذا النوع من الدعم للعائلة لتجنبنا حصول هذه المعاناة الأســريــة"، موضحة "فــي هــذه الحالات تكون الأســرة فـي حالة هشة وصعبة، فالضغوطات المجتمعية عليها كبيرة، والواقع أن جميع أفــراد العائلة في هذه الحالة هم ضحايا".

وتضيف: "توفير المساعدة والمؤازرة النفسية والاجتماعية والقانونية من الممكن لها أن توفر حلولا للحد من الجرائم الواقعة تحت ذريعة الشرف، وذلـك عبر تصويب وضــع الشريكين وإثـبـات نسب الطفل وإيجاد مخارج اجتماعية للمشكلة".

جدة أسامة ترعى حفيدها بعد مقتل أمه وتنجح بعد 14 عاما باستصدار أوراق ثبوتية له باسم مستعار

رسم تعبيري يمثل إحدى جرائم الشرف بريشة الزميل إحسان حلمي

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan

© PressReader. All rights reserved.