لماذا لا نحتاج مجلس نواب؟

Al Ghad - - 13 - الفرد عصفور

الأردن لا يحتاج مجلس نــواب، هكذا بكل بساطة. ليس لأنه صغير في المساحة، أو قليل عدد السكان نسبياً، ولكن لأسباب كثيرة أخرى.

النظام الانتخابي في الأردن ضعيف جدا. إذ في كل موسم يتم وضع قانون يفصل تفصيلا ليقدم مخرجات معروفة مسبقا، ما يمثل مخالفة للديمقراطية الحقيقية، وينفى كذلك التواصل والاستمرارية المطلوبة في الحياة السياسية. ولا نحتاج نوابا يولدون من قوانين موضوعة من أجل نتائج معروفة مسبقا.

في الدول الحضارية، يُنتخب النواب ليمثلوا الشعب تمثيلا حقيقيا. أما عندنا، فإن كثيراً منهم يُنتخبون بسبب ما سبق وقدموه من أعطيات وولائم وتعيينات ووعود. وبالتالي، فإن تمثيلهم غير حقيقي. وعندما يصلون هؤلاء المجلس لا يمثلون إلا أنفسهم، ولا يعملون إلا لمصلحتهم الشخصية ومصلحة أقربائهم وأعوانهم.

ممثلو الشعب في مجلس النواب لهم مهمة أساسية رئيسة، هي التشريع، والذي يعني وضع القوانين والتشريعات التي تسهم في تحسين أداء الدولة والحكومة، لخدمة الشعب ومراقبة السلطة التنفيذية ومحاسبتها عند الضرورة. لكن مجالسنا النيابية لم تجترح أي قانون طوال تاريخ المملكة؛ إذ لم يقم النواب أبدا بوضع أي قانون بصورته الكاملة من ألفه إلى يائه، كما أنهم نادرا ما اقترحوا مشروعات قوانين، وإن فعلوا فإنها غالباً قوانين لخدمة مصالحهم الخاصة. فكل ما يقومون به هو تمرير القوانين التي تأتي من الحكومة، أو تعديل بعض بنودها، بما يخدمهم. لذلك، فإن مجلس النواب في الأردن ليس سلطة تشريعية بحسب تعريف الدستور لهذه السلطة، ومن أجل هذا فإنه مجلس فاقد لأهليته. من المفروض أنه عندما يتم انتخاب النائب في دائرته، لا يعود يمثل هذه الدائرة فقط، بل يصبح نائب وطن؛ أي إنه لخدمة وطنه بالكامل. فهو لم ينتخب للحديث عن مطالب مناطقية وضيقة تخص دائرته وعائلته. لكن ما نراه في تجارب مجالسنا النيابية أن كثيراً من النواب يتحولون إلى مجرد مطالبين بالخدمات. وهي خدمة لفظية فقط؛ حتى إنهم لا يقومون بمتابعة مطالباتهم على ضيقها ومناطقيتها، باستثناء مطالبهم بكوتا الحج وكوتا المقاعد الجامعية والتقاعد الذي لا يستحقونه.

في المجلس السابع عشر، شاهدنا عددا من النواب يرفعون أصواتهم بالشتم والسب ضد زملائهم من النواب، وبعضهم يدخل بسلاحه ويهدد زملاءه ويطلق النار في حرم المجلس. وبعضهم يتهم البعض الآخر علنا وعلى رؤوس الأشهاد. مثل هذا النوع من المجالس النيابية لا نحتاج إليه في الأردن.

في البلاد المتحضرة التي يقوم فيها مجلس النواب بواجباته على أكمل وجه، وفق القسم الذي أداه أعضاؤه في بداية عمر المجلس، يحضر النواب كل الجلسات، ويكون ذلك طوال السنة. أما عندنا، فإن دورة المجلس لا تزيد على ثلاثة أشهر، بمعدل ستين جلسة في السنة بالحد الأعلى. لكن هذه الجلسات على قلتها لا تشهد نصابا كاملا. وقد احترف نــواب في المجلس السابع عشر إفقاد الجلسات نصابها، إما طوعا أو كرها، وجعلوا بذلك المجلس مثار سخرية المجتمع والناس.

عادة ما يكون النواب أصحاب مسؤولية؛ أي إنهم يتحملون مسؤولية ما يوافقون عليه أو لا يوافقون عليه من خلال مشاركتهم الفاعلة في الجلسات. أما في مجالسنا النيابية، فنجد كثيراً جداً من النواب لا يعرفون سوى الصياح ورفع الصوت، أو النوم، أو اللعب على الهواتف المحمولة، أو الخربشة على الورق... فيوافقون على القوانين ويمررونها، ومن ثم يتنكرون لها ويعارضونها في مواقف استعراضية لاستعطاف جمهورهم وكسب شعبية رخيصة. وهذا النوع من النواب لا نحتاج إليه في الاردن.

يرتفع صياح النواب ويعترضون بالصوت العالي على بعض البنود في عدد من القوانين، لنكتشف أن ذلك، لدى كثير من هؤلاء النواب، ليس لمصلحة المواطن ولا حتى لمصلحة من انتخبهم، وإنما لمصلحة شخصية. من مثل ذلك قانونا الضرائب والمالكين والمستأجرين وغيرهما. لكننا لم نجد أغلبية النواب يسألون، مثلا، عن الشروط المرافقة لبعض القروض التي تلتزم بها الحكومة.

نــواب مجالسنا، في غالبيتهم، لا يقومون بدورهم الرقابي بشكل فاعل وصحيح. كل ما يقوم به هؤلاء مجرد شكليات على طريقة "واحدة بواحدة" مع الحكومة، والحكومة تعاملهم بطريقة "اطعم التم تستحي العين". مثل هؤلاء النواب المدافعون بصورة مكشوفة عن البرجوازية وعن رأس المال، لا نحتاج إليهم في الأردن.

ما هي نتائج وإنجازات المجلس السابع عشر مثلا؟ يقولون إنه أنجز كذا من القوانين، وقام بزيارات وجـولات، وقدم أسئلة للحكومة. ومن بين أكثر من ثلاثة آلاف سؤال تقدم بها النواب للحكومة، لم يحصلوا سوى على إجابات عن حوالي أربعمائة، لكنهم لم يلاحقوا ويتحصلوا على باقي الإجابات، وانتهى الأمر هنا.

ما يسعى إليه كثير من النواب كان واضحا، وهو المكاسب الشخصية المتمثلة في التقاعد غير المستحق الذي طالبوا به، وكانت الحكومة -مثلما كل الحكومات السابقة- مستعدة أن تقدمه لهم على طبق من ذهب، لولا حامي الدستور جلالة الملك، الذي انتبه إلى ذلك وأوقف الأمر.

من الطبيعي أنه لا يوجد أي بديل لمجلس النواب. لكن هناك من يقوم بدور أهم من دور مجلس النواب: الصحافة الحرة، والإعلام الحر، وحرية التعبير. وهذه كلها أدوات تسهم وتساعد في تعزيز الديمقراطية والرقابة على الأداء الحكومي. وأن تتمتع الدولة بصحافة حرة وحرية تعبير من دون مجلس نواب، أفضل ألف مرة من وجـود مجلس نـواب مع تقييد حرية الصحافة والتعبير.

في العالم اليوم أصوات بدأت ترتفع مطالبة بإلغاء الانتخابات والـعـودة الـى التعيين في مجالس "مختارين"، يمثلون المواطنين تمثيلا حقيقيا، ويكونون في مستوى المهمة التي تناط بهم. وقد جرب الأردن المجلس المعين من خلال "المجلس الوطني الاستشاري"، وكان التقييم لعمل تلك المجالس أنها أفضل كثيراً في أدائها ومستواها من كل المجالس المنتخبة.

صحيح أنها كانت تعين من قبل السلطة التنفيذية وبرضاها، لكن ما كان مفيدا في تلك التجربة أن الأشخاص الذين تم اختيارهم للمجلس الاستشاري لم يكونوا ملزمين تجاه ناخبين يضغطون عليهم، وكانوا في الوقت نفسه من غير أصحاب المصالح الضيقة، وإن كــان كثير منهم أصحاب مصالح اقتصادية وتجارية.

ومن المؤكد أن لا عودة إلى تجربة المجالس المعينة. ومن المؤكد أن الانتخابات النيابية ستجرى.

ومن المؤكد أن الهيئة المستقلة للانتخاب ستقوم بمهامها تحت طائلة القسم. لكن من المؤكد أيضا أن الانتخابات ستأتي بنواب كثر لا يختلفون أبدا عن نواب المجلس الحالي أو المجالس التي سبقته المعنيين بالملاحظات السابقة. إذ من المؤكد أن نواب المجلس الثامن عشر لن يقوموا بوضع أي قانون، أو إصلاح الثغرات في القوانين الحالية.

ومن المؤكد أن كثيراً من النواب القادمين سيطالبون بمنحهم رواتب مضاعفة وتقاعد غير مستحق. ومن المؤكد أن الحكومة القادمة ستمنحهم بعض ما يـريـدون. ومـن المؤكد ايضا أن النواب القادمين سيطالبون بكوتات جامعية وكوتات حج، وسيواصلون الضغط على الحكومة لتعيين مزيد من الأشخاص في الجهاز الحكومي.

ومن المؤكد أن كثيراً من النواب سيظلون يغيبون عن الجلسات ويعطلون النصاب. ومن المؤكد أن منهم من سيقومون بتمرير كل القوانين التي تريد الحكومة تمريرها ويعطلون أي قانون لا تريد الحكومة تمريره، وكانت قدمته للمجلس لمجرد رفع العتب.

من أجل ذلك كله، من المؤكد أن الأردن لا يحتاج مجلس نواب!

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan

© PressReader. All rights reserved.