"شاعر البلد"!

Al Ghad - - 6 -

كتبَ عبارةً لامرأةٍ في الغيْبِ، فحازتْ على ثناءِ فتاة في الافتراض. دوَّنَ العبارة على ورقة ضوئية في جهازه المحمول، ثمَّ استمَعَ إلى نشرة الأخبار فكتب ملاحظات أساسيَّة عليها وحفظها في ورقة أخرى. جلس في الشرفة والوقت منتصف الليل، متأملاً شكلَ السماء بصحبة مشروب غازيٍّ، فخرجَتْ منه بضع كلمات شديدة القرب من آخر منهاج أدبي حفظه قبل شهرين، نسخها قبل نسيانها في صفحة ثالثة..، ثمَّ صار لديه ديوان يلعنُ كلَّ شيء!

هو الآن شاعرٌ في الديوان الأول، يجلسُ حتى الثامنة مساء في مقهى مشغولة جدرانه بلوحات فنية وبورتريهات لفنانين وشعراء راحلين. تكونُ أمامه صبيَّةٌ على استعداد لإفراغ كلِّ ما في عقلها على الطاولة، وملئه من جديد بالكلام ذي الصوت الخفيض الذي يصدرُ من شفتيه الرقيقتين مسلمات كأنَّها تستمعُ للضلع الرابع من زعماء مؤسسي “عدم الانحياز”، وللشخص المجهول المهمِّ الذي كتبَ روايةً مشهورَةً باسم روائيَّةٍ شهيرَةٍ، وللثائر، وللمطارد، وللمعارض الضحية كـ”النبيِّ الذي لا كرامة له في وطنه”!

يسهرُ في العاشرة مساء برفقة شعراء “تفعيلة” وآخرين تائبين من منتسبي قصيدة النثر، يستحضرون كما في النميمة الأدبية كلَّ الغائبين؛ فـ”المتنبي” هجَّاءٌ ضعيفُ الحكمة، وشعراءُ المهجر لم يفعلوا أكثر من كتابة الأحلام على الورق، و”ت. س. إليوت” “انتهى” أدبيا بعد قصيدة “الأرض اليباب”، وشكسبير كثيرُ “الفلسفة” والغموض، و”بدر شاكر السياب” متمارضٌ اكتسَبَ أهميته بالتعاطف، و”نزار قباني” ظلَّ مراهقاً في “طفولة نهد”!

يدورُ الصمتُ بينهم بما يشي أنَّ “الشعراء غادروا نميمتهم”، لكنَّ الشاعر الذي ما يزالُ في الديوان الأول يروي لهم حكاية “حدثت معه شخصيا”، تأكَّدَ من خلالها أنَّ “محمود درويش” نِدٌّ له وأنَّه خطَرٌ مباشرٌ على وجوده الشعريِّ؛ يبتسمُ بثقة المنتصر راويا كيف يتحوَّلُ الشاعِرُ الذي يظنه الكونُ كله كبيراً إلى كائن عصبيٍّ إذا ما شعَر أنَّ مديحَهُ لن يظلَّ عاليا!

كبُرَ كثيراً في نظر الفتاة التي تبهرها المصطلحات غير المتداولة، وظنَّ أنه قادرٌ على كتابة القصيدة الهاربة من “متردَّم” الشعراء من قبله..؛ وهذا لم يأتِ لولا إخلاصه لوصايا “البوهيميين” من قبله: فحرصعلىتناولالكحولالرخيصة كلَّ مساء، بدونإطفاءالسجائر المحلية لدقيقة واحدة. ملامحه مستقرة على اكتئاب شديد، بذقن نابتة منذ عشرة أيام، وشعرٍ لم يُقص منذُ العدوان الثلاثيني على العراق، وأظافر “لها مآرب أخرى”، وتبجح بعدم الاستحمام احتجاجا على “الوسخ العام”..؛ هكذا يمكن أنْ يشرعَ الشاعر الذي ما يزالُ في الديوان الأول في كتابة قصيدة تلعنُ “الجاهلية الجديدة”!

لم تعد “البلد” كلها بحجمه..؛ صار أكبر من أسماء شوارعها، وهواءُ جبالها لا يملأ رئتيه؛ ناسها يمشون ببلادة إلى الوراء، والحبُّ فيها مسلسلٌ دراميٌّ يُروِّجُ للرباط المقدَّس والتناسل الشرعيِّ..؛ لم يعد فيها شـيءٌ يشبهه، وتأكيدا على هذا الإحساس بالغَ في إطالة ذقنه، وشعره، والتخفف من ملابسه، والجهر بالأفكار التي لا يتفقُ عليها اثنان في لحظة صحوٍ!

كتبَ قصيدة لامرأة في الافتراض، ونقداً لاذعا لما ورد في نشرة الأخبار، وأعادَ تركيبَ الكون في تأمله بصحبة مشروب كحوليٍّ..؛ تضخَّمَ كثيراً حتى أصيبَ بالجنون بدون “العظمة”، واحتكَرَ ما يحقُّ للشاعر دون غيره؛ فهو “الأوحدُ، المكتملُ، الأشعرُ” وإنْ لم يزل في الديوان الأول!

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan

© PressReader. All rights reserved.