الوطنيات الجديدة المتخيلة

Al Ghad - - 13 -

هل ثمة عاقة بين تنامي ظاهرة الشعبوية السياسية وبــيــن عــودة الهويات الوطنية الــحــادة؟ وهــل من عاقة بين قوة تيار الزعماء الكبار أمثال بوتين وأردوغان وترامب وبين ظاهرة الانحراف السياسي التي تعود جذورها إلى القرن الماضي، أي منذ الريجانية والثاتشرية وصــولا إلى سالة بوش وترامب؟ وأخيرا، هل ثمة عاقة بين الشعوبية الجديدة والفراغ الأيديولوجي الـذي لم تستطع تيارات العولمة ولا التيار المضاد لها ولا تيارات الخضر ولا الطريق الثالث ملأه؟

لا يمكن فهم الحتميات الايديولوجية والسياسية بـــدون فهم الحتميات التكنولوجية؛ بمعنى لا يمكن فهم الــتــحــولات العميقة فــي السياسة والاقتصاد والمجتمع بدون فهم النسيج الضخم مــن الـمـعـارف التي كونتها الرسائل المتبادلة بين البشر وبأي وسيلة تنقل وبأي تأثير. بمعنى، كيف عملت تكنولوجيا الاتصال والإعــام الرقمي على لعب دور ايديولوجيا العصر الجديد. إنها الأداة التي تشكل الطريقة التي يصوغ من خالها الزعماء الجدد صورتهم ويستمدون من خالها قوتهم، وهــي القوة التي تقرر في لحظات الحسم، وهي الايديولوجيا التي تلتهم الديمقراطية.

اكتسب مايين البشر شعورهم الـوطـنـي، ومــا يتبعه مــن أحاسيس بالهوية والمواطنة، عندما وضعتهم الكتب والصحف في اهتمام مشترك مع بعضهم بعضا. كــان ذلــك حينما كانت الكتب والصحف هي زاد النخب التي تشكل الــرأي العام. حينها قاد التطور السياسي الـى نشأة "الدولة القومية" في القرن الثامن عشر. بينما فتحت الإذاعة النافذة السحرية للخيال في دغدغة مشاعر الانتماء للجماعة والإحساس بالهوية وتحفيزها والصراع حولها، وقام التلفزيون بصياغة القيم التي حددت الهوية الوطنية وجسدتها بشكلها المعاصر. وبفضله ظهر اكبر تناقضين في القرن العشرين؛ العالم الحلم والعالم المخيف. اليوم، يعمل الإعام الرقمي والبيئة الجديدة للإعام على خلط الأوراق، وفتح منافذ متعددة لصناعة ثقافات متخيلة، ودغدغة أحام الهويات المبعثرة.

تشكل نماذج دول ومجتمعات أوروبا الشرقية، فـي حالتي الانــدمــاج في عهد الكتلة الشرقية وفي عهد الدولة الجديدة، أمثلة قريبة لهذا الدور؛ إذ ثبت من تجارب هذه الشعوب أن الإعام الموجه من قبل الدولة، وتحت وطأة القمع الممارس من قبلها، لم يكن كافياً لترسيخ عواطف وطنية جامعة، وإنشاء هوية على أسس أيديولوجية، كما هو الحال في الإعــام الوافد من الخارج عبر التمويل والمنح المبرمجة الذي سعى إلى خلق ثقافة متخيلة، بل أثبتت الوقائع أن الثقافات المحلية والإقليمية قد استخدمت وسائل الإعام في إعادة تشكيل الهويات الوطنية، وبسرعة تجاوزت التوقعات، وهو ما يتحدث عنه اليوم ما يسمى بتيار "عودة الأوطان" في أدبيات ما بعد الحداثة، ليس في أوروبا الشرقية، بل في ثقافات محلية وهويات بائدة استعادت مكانتها بفضل استخدامها المكثف للإعام.

تعمل وسائل الإعام الرقمي على أكثر من مستوى في التوحد والدمج والتجزئة والتفتيت؛ فالتطبيقات التكنولوجية الجديدة، وقــدرة شبكة الإنترنت، لا تتوقف على قوتها في نشر الوعي بالهوية وتقريب الناس وتقليل شـأن عنصر المكان كوعاء للهويات الوطنية، وبروز هويات جديدة تتجاوز الحدود، بل تمتد إلى صناعة الهويات المتخيلة.

الاستنتاج الأول في جدل الثقافات المتخيلة واللعب بالثقافات الراكدة، يبدو في أن الهويات المشكلة بعناية والمصاغة حسب قوالب الدولة، هي هويات في خطر ما لم تشهد إنماء يدخل إلى عمق المجتمع. والاستنتاج الآخــر الــذي لا يقل خــطــورة، هـو أن الهويات التي تسعى إلــى تشكيلها ثقافات متخيلة قادمة من وراء البحار على أكتاف وكاء محليين لا قيمة ولا أثر لها، إلا في خلق الفوضى المؤقتة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan

© PressReader. All rights reserved.