مفاوضات سرّي مرّي

Al Ghad - - 13 -

سنبدأ بالجانب "الإيجابي" لوصول المبعوث الرئاسي الأميركي جيسون غــريــنــبــات، لــشــؤون الــمــفــاوضــات الإسرائيلية الفلسطينية، إلى المنطقة، وهو أن مجرد حراك الإدارة الأميركية في محاولة لاستئناف المفاوضات، اعتراف بوجود قضية تستوجب الحل؛ وهذا ما يقلب بعضا من حسابات قادة اليمين الصهيوني المتطرف الذين أعلنوا فور فوز دونالد ترامب، عن "دفن مشروع الدولة الفلسطينية نهائيا".

إلا أننا لن نسرح في بحر الخيال، بنوايا واشنطن، أو بقدرة ترامب على التوصل إلى حل، لأن من يحكم إسرائيل عصابة تزداد تشددا يوما بعد يوم.

القضية الأســـاس تبقى الموقف الإسرائيلي القائم، عبر سنوات، وبالذات في الحكومة الحالية، على رفض مطلق لأي شكل للحل. وما يطرحونه هو فرض ما يسمى "السيادة الإسرائيلية"، على كامل الضفة المحتلة، وتحويل التجمعات السكانية الفلسطينية الى كانتونات مغلقة، لتكون عمليا كالغيتوات التي عرفها اليهود أيام النازية. وفي أحسن الأحوال سيتم "منح" الفلسطينيين إدارة شؤونهم الداخلية، دون حتى السيطرة على كمية المياه التي يشربونها، وقوة التيار الكهربائي.

هذا هو جوهر موقف رئيس حكومة الاحتال بنيامين نتنياهو، الذي يريد مفاوضة إدارة دونــالــد تــرامــب، حول حجم الاستيطان في الضفة، وليس وقفه. ويطلب نتنياهو قبول واشنطن بالبناء في ما يسمى "مناطق نفوذ المستوطنات"، التي حددتها سلطات الاحتال منذ سنوات، وهي عمليا تمتد على أكثر من نصف مساحة الضفة. وحيث سيكون استيطان سيكون ضم.

لـم يعد نتنياهو يشعر بــأي حاجة لاتباع ولو مناورة سياسية هشة ليتستر فيها على موقفه، إذ يردد في الأسابيع الأخـيـرة قائا إنــه يوافق على "دولــة فلسطينية منقوصة". وفي المواصفات التي يطرحها، فهي دولة أقل حتى من "ممسوخة". هذا موقف جميع شركاء نتنياهو فـي الائــتــاف الحاكم، حتى أولئك الصامتين، ولا يعلنون أي شكل للحل، مثل كتلتي المتدينين المتزمتين "الــحــريــديــم". وهــذا مـوقـف الشريك "الأكبر" لحزب الليكود في الحكومة، حــزب "كــولانــو" بزعامة وزيــر المالية موشيه كحلون، الــذي يعتبرونه في وسائل الإعــام "يمينا معتدلا"، بينما نــواب حزبه يشاركون في سن أخطر القوانين العنصرية والداعمة لاحتال والاستيطان. وناهيكم عن ذلك المنفلت، وزيــر الحرب أفيغدور ليبرمان، الذي يجاهر بمخططه لطرد فلسطينيي 48 .

وأمام مشهد كهذا، فا يبقى الكثير لتحالف أحــزاب المستوطنين "البيت الــيــهــودي"، الـشـريـك فــي الحكومة، ليطرحه؛ إلا إذا قرر الشركاء فيه المجاهرة ببرامجهم الحقيقية، التي لا يعرضونها على الملأ في السنوات الأخيرة، وفي جوهرها طــرد مَــن تبقى من الشعب الفلسطيني في وطنهم التاريخي.

والــحــال لــيــس أبــعــد فــي صفوف الــمــعــارضــة، فــي كتلة "المعسكر الصهيوني" التي في مركزها حزب "العمل"، ولا في كتلة "يوجد مستقبل"، التي يتزعمها وزيــر المالية السابق يائير لبيد. فهذا الأخير هو ونواب حزبه يـسـارعـون فــي مشاركتهم فــي سن القوانين القمعية العنصرية والاحتالية، بينما معارضتهم لبعض القوانين، هشة ولا يمكنها أن تتستر على حقيقة هذا الحزب، الذي ينافس اليمين في تطرفه. أما حزب "العمل"، فقد قلب برنامجه الهش، ببرنامج أكثر يمينية؛ وهو يتبنى حاليا مشروع الكانتونات، ليمتد إلى ما لا يقل عن عشر سنوات، حتى يوافق على الحديث عن "دولة".

لقد جاء غرينبات بلباس "تنكري"، في أجواء "عيد المساخر" العبري الذي يتنكر فيه اليهود، بخلعه القلنسوة السوداء من على رأسه، وهو اللون الذي يشير الى تشدد ديني أكثر، في محاولة مضحكة لإخفاء حقيقته السياسية. فالمشكلة ليست في تدينه، فهذا حقه، ولكن كما قرأنا عنه، فإنه من أتباع مقولة نتنياهو: "المستوطنات ليست عقبة أمام السام"، وهي وحدها تقول كل شــيء. وسعى إلــى إثبات موقفه بعقد أول لقاء أميركي رسمي مع قادة مستوطني الضفة قبل أيام. فغرينبات لن يكون المقرر، ولكن هويته السياسية تؤكد حقيقة موقف الإدارة الأميركية التي انتدبته.

إن ما سنشهده في المرحلة المقبلة، لن يكون سوى تقارير متضاربة، وسعي إسرائيل الدائم لإشغال العالم بقضاياها الداخلية، بموازاة استمرار السيطرة على الأرض، سعيا لنسف أي احتمال مستقبلي لقيام دولة فلسطينية قادرة على الحياة. في حين سيواصل مبعوثو واشنطن زيارة المنطقة "سرّي مرّي" من دون أي نتيجة، لأن ما سيكون مطروحا، لن يكون مقبولا فلسطينيا.

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan

© PressReader. All rights reserved.