تغذية المدن بالطبيعة

Al Ghad - - 14 - كارلو راتي*

بوسطن - منذ كتب الشاعر اليوناني القديم ثيوكريتوس أنشودته الرعوية التي تغنى فيها برومانسية الحياة الريفية، ظل الناس يفكرون مليا في كيفية بناء مدن تنسجم مع محيطهم الطبيعي. ولكن في ظل النمو غير العادي الذي تشهده المناطق الحضرية فــي مختلف أنــحــاء الـعـالـم، أصبحت الحاجة إلى مدن أكثر اخضرارا شديدة الإلحاح. وما يدعو إلى التفاؤل أن الإبداع والتكنولوجيا من الممكن أن يساعدا على إيجاد هذا التوازن الذي ظل بعيدا عن المنال لفترة طويلة.

كان سد الفجوة بين الحضر والريف محور اهتمام مخططي المدن منذ أمد بعيد. وفي القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، شهدت المدن الأوروبية نموا غير مسبوق مع انتقال أعداد ضخمة مـن الـنـاس مـن الـريـف إلــى الحواضر المزدهرة حديثا. ومع نمو هذه المدن، أصبحت مكتظة بالسكان وملوثة، مما ألهم جيا جديدا من المفكرين للبحث عن حلول.

كان البريطاني إبنسر هاورد واحدا من هـؤلاء الحالمين، والــذي صاغ في العام 1898 مصطلح "المدينة الحديقة" -والتي عرفها بأنها تتألف من مجتمعات سكنية مبنية حول مزيج من المساحات المفتوحة، والمتنزهات، والمصانع، والمزارع.

بعد بضعة عقود من الزمن، وعلى الجانب الآخــر من المحيط الأطلسي، استحضر فرانك لويد رايــت "المدينة المزرعة"، التي استند تصميمها إلى تصور للتنمية الحضرية يــوازن بين البيئة المبنية والحياة البرية. وفي أوروبا، كان تشارلز إدوارد جينيريت، وهو مهندس ومصمم معماري عُرِف باسم "لو كوربوزييه"، يرسم رؤاه للمدن الفاضلة التي تطوق با توقف العالم الطبيعي.

ولكن رغـم أن كل واحــدة من هذه الأفكار كانت ثورية في وقتها، فإنها فشلت لأنها كانت تعتمد بشكل كبير على السيارات وكانت تــروج للتمدد الـحـضـري. الــواقــع أن أغـلـب التوسع الحضري المبكر في الغرب كان يتسم بأنماط تنمية اصطدمت بالطبيعة، ولم تكن متصلة بالمساحات والمتنزهات الخضراء، بل بأشرطة لا نهاية لها من الشوارع المرصوفة الجامدة. ومع إدراك المخططين لأوجه القصور التي اتسمت بها عاجات القرن العشرين، سعوا إلى عكس المعادلة: كيف يمكن إعادة الطبيعة إلى المدينة؟

كان الخط العالي في مدينة نيويورك، وهـو عبارة عن طريق أخضر مرفوع بني من قاعدة سكك حديدية محولة وافتتح في حزيران )يونيو( 2009، أحد المشاريع الأولــى التي استوعبت هذا الطموح الجديد في التخطيط الحضري. ومن جسر الحدائق )الذي لم يعد موجودا الآن( في لندن إلى حديقة السماء في سيول، يجري الآن تصميم المشاريع بحيث تدمج الطبيعة على نحو أفضل في النسيج الحضري.

وتُعَد حدائق الخليج في سنغافورة بين الجهود الأكثر طموحا. ففي بستان الأشجار في الحديقة، تحصد الخايا الكهروضوئية الطاقة من الشمس، ويجري تخزين مياه الأمطار في "مظلة" الأشجار الفولاذية لتغذية أبراج عمودية مـن النباتات. كما يتم جمع الهواء المجفف من الرطوبة للمساعدة على تبريد المباني المجاورة.

إنــنــا نشهد طــفــرة فــي الــزراعــة الحضرية؛ حيث يسهم التقدم في تقنيات الزراعة المائية والهوائية في تسهيل زراعة الخضراوات في الأماكن الضيقة. ورغم أن المدن لن تحل أبدا محل المناطق الريفية بوصفها المصدر الرئيسي للتغذية، فـإن نسبة أعلى من الغذاء يمكن زراعتها في المناطق الحضرية. وبالفعل، تعمل مشاريع جديدة مثل "مزارع الشحن" في بوسطن و"إنفارم" في برلين على تسخير هذه التكنولوجيات لجلب الزراعة الحضرية إلى المزيد من الناس.

مــع تـرسـخ حـلـول مبدعة كهذه، يحول المخططون للمناطق الحضرية اهتمامهم إلى مساع أكثر جـرأة. ومن المفاهيم التي استكشفتها أنا وزمائي الأنـظـمـة الإيـكـولـوجـيـة والمناخية الحضرية المصممة حسب الطلب. ففي ميانو، كشفنا مؤخرا عن معرضنا للطبيعة الحية، وهو يتألف من جناح مساحته 500 متر مربع )5381 قدما مربعة( يمكنه إعادة خلق أربعة مواسم في الوقت نفسه تحت السقف نفسه. وكان الهدف من المشروع إطاق حوار حـول التصميم المستدام، وتوضيح الطرق المدهشة التي يمكن بها دمج الطبيعة في مدن ومساكن المستقبل. *مدير ‪Senseable City Lab‬ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ومؤسس شركة التصميم كارلو راتي أسوسياتي، والرئيس المشارك لمجلس المستقبل العالمي للمدن التابع للمنتدى

الاقتصادي العالمي. حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2018.

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan

© PressReader. All rights reserved.