في سيكولوجية المنافسة

Al Ghad - - 14 -

في خضم بيئة العمل، ننزع دائما إلى استحضار روح المنافسة، لكي نثبت للآخرين بأننا الأفضل، أو لإثبات أننا قادرون على المنافسة على الصدارة.

هذا أمر عادي تماما، فنحن غالبا ما ننطلق نحو العالم من ذواتنا أو فردانيتنا، مسوقين بحب الذات وشعور المسؤولية الشخصية عن النجاح والتميز وصولا إلى التفرد.

هذا أمر مباح للجميع، ولا توجد له موانع إن تحرك ضمن المحددات الأخاقية التي تفترضها ما نسميها "المنافسة الشريفة" القائمة على استعراض القوة ومحاولة إثباتها ضمن نطاقات الـقـدرة على إنجاز المطلوب في حدود المواصفات الراقية.

لكن الإنــســان، بطبعه، يميل فـي الغالب إلــى كسر المحددات، حتى لو كانت أخاقية، لذلك فهو يقفز عن قواعد معينة يرى أنها تقف في طريق إبرازه، أو يستقصي أفعالا تسهم في تقليل تسليط الضوء على المنافسين الذين يرفعهم إلى مرتبة الخصوم أحيانا.

في هذا السياق، يلجأ بعضنا إلى نظرية الكأس؛ النصف الفارغ أو الملآن، وهي نظرية، ورغم قرون طويلة على اكتشافها، إلا أنها ما تزال تؤتي أكلها كلما تم استخدامها بذكاء.. أو بخبث!

حتى الـيـوم، ورغــم عقدين ونصف في سـوق العمل بمؤسسات كثيرة، لم أستطع أن أتبين عـددا كبيرا من الأشخاص العدلين الثقاة القادرين على إدارة عملية تقييم العمل من دون أن تداخلهم رغبة في تسجيل النقاط على الآخرين، وأحيانا من دون أن يكون لهم مكسب مهم من ذلك سوى إظهار الذات. الموضوعية غالبا ما تتوارى لمصالح شخصية؛ إما لتأكيد الأحقية، أو لتحقيق عامة الذكاء الكاملة، وفي الحالتين تكون الحقيقة والموضوعية والعدالة ضحايا مباشرة لتصرفاتنا الأنانية.

في الأعمال التي تتطلب جهدا جماعيا، يكون إنكار الذات غالبا مطلبا أساسيا للإنجاز، فالمهمة ذات الأولوية هنا هي إتمام المهمات، وليس كتابة قائمة تراتبية بأفضل الأداءات، غير أننا سرعان ما نحولها إلى ساحة تنافس غير عادلة، ونبدأ بمنح صكوك النشاط للبعض، والكسل لآخرين، لا لشيء سوى أننا نريد إثبات أحقيتنا بأن نكون مقيّمين ومحكّمين للعمل، ما يمنحنا شعورا بـ"الأستذة"، رافعين من الدرجة الموضوعية لمكانتنا إلى درجة متخيلة لاستحقاق.

هذا الـرأي ليس دعوة مفتوحة للكسل والتكاسل في الأعمال الجمعية، بل هو دعوة للتواضع قليا في حضرة الآخرين، فثمة من لا ينقصه الفشل، ويبحث أحيانا عن دليل يقود خطواته لكي يستطيع أن يمنح أفضل ما عنده، لا إلى جاد يرسله إلى حبل المقصلة!

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan

© PressReader. All rights reserved.