انشقاقات فصائل "القاعدة" في سورية وخارجها

Al Ghad - - 22 -

يورام شفايتسر، ميكي لوزون وافيعاد مندلبلوم 2018/6/14

تـواصـلـت فــي الاشــهــر الاخــيــرة الانشقاقات والصدامات الداخلية بين الاجنحة المتماثلة مع القاعدة في سورية. فالاحتكاكات والخصومات ارتبطت بمسألة الــولاء لزعيم القاعدة، ايمن الظواهري، ولايديولوجيا التنظيم، وبـرزت على خلفية التحولات والتحولات التي وقعت في السنوات الاخيرة في شبكة تحالفاته مع شركائه في ارجاء الشرق الاوسـط. وتطرح الاحـداث التي وقعت في سورية علامات استفهام حول مدى وحدة "معسكر" القاعدة ومــدى تحكم الظواهري بشركائه في سورية وفي شبكة تحالفاته في اماكن اخرى في ارجاء العالم.

عين مجلس شورى القاعدة د. ايمن الظواهري ليقود التنظيم، بعد وقت قصير من تصفية بن لادن في أيار 2011. وكانت مكانة بن لادن تنبع من تراثه القتالي في أفغانستان في عهد الاحتلال السوفياتي ومن مسؤوليته عن سلسلة من العمليات الإرهابية الاستعراضية التي نفذها التنظيم ضد الولايات المتحدة، كريهة نفس القاعدة ومؤيديها، وذروتها هجمات 11 أيلول 2001. ورغم كونه مطلوبا من أجهزة استخبارات عديدة في العالم، وبناء على ذلك اضطر لان يختبئ في عزبة منعزلة في الباكستان على نحو عقد من الزمان، نجح بن لادن في مواصلة قيادة تنظيمه بل والتأثير على المنظمات المتحالفة المنتشرة في أرجاء العالم. وشهدت على ذلك وثائق جمعت من مكان اختبائه في الباكستان حيث تمت تصفيته.

ويعد استبدال زعيم اسطوري، يتمتع بمكانة خاصة وسمعة عالمية في اوساط التنظيم وشركائه، تحديا غير بسيط لكل من يأتي عده. وبالفعل، فقد وجد ايمن الظواهري صعوبة في حلول محل سلفه ونيل مكانته في التنظيم الذي علق في ازمة عميقة بعد أن فقد الكثير من كبار زعمائه كنتيجة لهجمات الطائرات الأميركية المسيرة، وكذا لكونه مطلوبا ويحشر في عملية مطاردة عالمية. عوائق اخرى تقف في وجه الظواهري حين يسعى إلى قيادة شبكة التحالفات المتنوعة، ذات الانتشار العالمي، والتي تتوقف إلى زعيم كاريزماتي وموحد، كانت انعدام التجربة القتالية وشخصيته موضع الخلاف.

ان اسقاط زعماء عرب بارزين كحسني مبارك رئيس مصر، معمر القذافي حاكم ليبيا، زين العابدين بن علي رئيس تونس ورئيس اليمن علي عبد لله صالح، على خلفية هزة الربيع العربي، ساعد الظواهري وتنظيمه في الخروج من الازمة التي ألمت بهم. فقد ضخت الصدمة دما جديدا في عروق القاعدة والفصائل المتحالفة معها، والتي عززت صفوفها بعد ان فر الكثيرون من اعضائها من السجون في بلدانهم.

ومنحت الحرب الاهلية المستمرة في سورية، والتي اجتذبت اليها آلاف المتطوعين المسلمين من ارجـاء العالم، منحت الظواهري وتنظيمه فرصة ذهبية للاعلان عن سورية كـ "ساحة الجهاد" التالية وايقاظ التجند الجماهيري بهدف تحقيق فكرة الجهاد العالمي من خلال المشاركة في القتال الجاري في هذه الدولة.

ولكن، في نفس الوقت، شكلت الهزة في الشرق الاوسط أيضا نقطة تحول في علاقات القاعدة مع شركائها. فتنظيم القاعدة في العراق، بقيادة ابو بكر البغدادي، أدار له ظهر المجن. فقد تجاهل البغدادي مكانة الصدارة للظواهري واقـام تنظيما جديدا باسم داعش، فيما الحق بإمرته جبهة النصرة، الفرع السوري، وذلك بشكل أحادي الجانب ودون التشاور مع الظواهري أو تلقي الاذن منه لهذه الخطوة. جبهة النصرة، بقيادة ابو محمد الجولاني، رفضت الطلب الذي وصلها من العراق للولاء للبغدادي وأعربت عن تأييدها وولائها للظواهري. من هنا فصاعدا بدأت سلسلة تحولات وانشقاقات في اوساط الموالين للقاعدة في سـوريـة، مما أثــار الشك في قدرة الظواهري على قيادة "معسكر" القاعدة.

وأعلنت جبهة النصرة بقيادة الجولاني، التي سارعت إلى الاعراب عن الولاء للظواهري في 2014 في اثناء المواجهة بينها وبين البغدادي، اعلنت في تموز 2016 عن تميزها عن القاعدة عقب ضغوط داخلية وخارجية للتنكر لقربها لهذا التنظيم وأعربت عن ذلك أيضا من خلال تغيير اسمها إلى جبهة فتح الشام، وقد تمت هذه الخطوة، ظاهرا، بمباركة الظواهري، ولكن ما أن مرت الأيام حتى تبين أن من أذن بالتغيير، دون اذن الظواهري، كان نائبه، ابو خير المصري، الذي قتلته القوات الأميركية لاحقا. كما أن مسؤولين كبار من بين رجال الدين المؤيدين للقاعدة، وعلى رأسهم ابو محمد المقدسي تحفظوا من الخطوة بل وعرضوها كتحد لقيادة القاعدة وخـرق الــولاء او البيعة للظواهري. وأعربوا عن التخوف من شرخ وحـرب أهلية )فتنة( اخـرى في اوسـاط مؤيدي القاعدة، مثلما حصل في اعقاب الانشقاق عن القاعدة بقيادة أبو بكر البغدادي.

في كانون الثاني 2017، ولاعتبارات سورية داخلية، واصلت جبهة النصرة مساعيها لطمس صلتها بالقاعدة وغيرت اسمها إلى هيئة تحرير الشام. هذه الخطوة اثارت خلافا شديدا آخر في صفوف التنظيم، بين المؤيدين لابـراز الجانب الـسـوري في التنظيم وبين مؤيدي القاعدة العالمية. وهــدد اعضاء بــارزون في التنظيم بالانسحاب من صفوفه وحـاولـوا إثــارة اعضاء آخرين على التمرد. وقد اعتقل هؤلاء ومؤيدوهم لهذا السبب في اواخر 2017 بأمر من زعماء هيئة تحرير الشام.

في اعقاب فشل الحوار بين الصقور ومحاولات الوساطة بينهم، بهدف حل الخلافات ومنع مزيد من الشرخ الداخلي في التنظيم في سورية، تأسس في سورية في بداية 2018 تنظيم جديد من نحو 11 فصيل انسحب من هيئة تحرير الشام، باسم حراس الدين. ومع أن كبار حراس الدين هم من مؤيدي القاعدة، إلا أن مدى تحكم الظواهري في هذا التنظيم الجديد ليس واضحا.

تقاتل التنظيمات السلفية الجهادية، الموالية للقاعدة في الماضي وفي الحاضر، الان ضد جملة خصوم في سورية، بينهم، من جهة، قوات الجيش السوري، روسيا، إيران وحزب الله ومن جهة اخرى تقاتل قوات الثوار، بينهم داعش وتحالف محلي جديد يسمى "جبهة تحرير سورية"، بقيادة تنظيم أحرار الشام. بعض من الخلافات بين هيئة تحرير الشام وبين القاعدة ومؤيديها في سورية نشبت

- )ا ف ب( حول علاقات هيئة تحرير الشام مع تركيا.

وبينما تجري هيئة تحرير الشام اتصالات مع تركيا، كنتيجة لاضطرابات وضغوط شديدة بل وتهديدات تركية في الحرب ضدها، فإن موقف القاعدة والموالين لها في سورية يرفض رفضا باتا هذه الاتصالات وهم يرون فيها انحرافا ايديولوجيا خطيرا وخطأ استراتيجيا. ووجد هذا النهج تعبيره، ضمن أمور اخرى في اقوال الظواهري، الذي يرى في علاقة التنظيمات السلفية الجهادية مع الدول التي تتعاون مع النظام السوري، بما فيها تركيا، فخ عسل نهايته محملة بالمصيبة ومعروفة مسبقا، ولهذا فيجب الامتناع عنه بكل ثمن.

يوجد "معسكر" القاعدة في سورية في مواجهة داخلية قاسية تهدد بقاءه وتخدم خصومه من كل الوان الطيف. وحالة سورية تطرح علامة استفهام على قــدرة الظواهري والقاعدة على التحكم بما يجري في ساحات اخرى أيضا، ينتشر فيها شركاؤهم وحلفاؤهم، وبالتالي فإن النهج السائد في اوساط الباحثين الأكاديميين والمحللين في ارجاء العالم حول تعزز قوة "معسكر" القاعدة، رغم انه ازداد عدديا بالفعل وانتشر في دول كثيرة في ارجاء العالم، يجب أن يراجع أيضا في ظل فحص مدى تراص صفوفه، وحدته واستعداد رجاله لقبول قيادة القاعدة والظواهري.

إسرائيل هي الاخرى مطالبة بان تتابع التطورات المتعلقة بالتنظيمات المتماثلة مع تيار السلفية الجهادية، لأنه رغم الخصومات والصراعات الشديدة الجارية بينهم وفي داخلهم، فإنهم كلهم يرون في إسرائيل وفي اليهود عدوا يجب القتال ضده. هذا القاسم المشترك من شأنه ان يدحر جانبا الخصومة بينهم في صالح الصراع ضد من يعتبر خصما مكروها يجب مهاجمته ما أن تلوح فرصة لذلك. ولكن بالمقابل، فإن إسرائيل وباقي المحافل التي تقاتل ضد الجهاد العالمي يمكنهم وينبغي لهم أن يستغلوا الخلافات الداخلية والنزاعات بين عناصر الجهادية السلفية كي يقاتلوهم ويستغلوهم في صالحهم، سـواء على المستوى الاستخباري العملياتي ام على صعيد الوعي.

في الأشهر الاخيرة نشبت انشقاقات داخل فصائل القاعدة في سورية مما يثير علامة استفهام حول وحدة معسكر القاعدة وصلاحية الظواهري في قيادته

مسلحون متطرفون خلال تظاهرة بعد سيطرتهم على الرقة في 2014.

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan

© PressReader. All rights reserved.