اليسار والمقاطعة: مغازلة خطيرة

Al Ghad - - 22 -

ايتاناوركيفي 2018/6/14

رد فعل كثيرين من اليسار على الغاء المباراة الودية بين إسرائيل والأرجنتين لم يكن مفاجئا على نحو خاص. فالفرحة والشماتة على وزيرة المالية كانتا متوقعتين. فلا بد ان خصومها ومنتقديها خاب ظنهم جدا من الغاء الاحتفال الوطني، اذا كنا سنصدقهم، ولكنهم وجدوا المواساة في "الهدف الذاتي" الذي سجلته ميري ريغيف، "المغرورة والمعتدة بنفسها".

ومع ذلك، فإن السهولة والسرعة اللتين استوعبت بهما الاجندة اللتين باسمهما، ظاهرا، الغيت المباراة، كانتا مفاجأتين بعض الشيء. فأحد لم يشكك بتعريف القدس بانها "موضع خلاف"؛ أحد لم يقلل من أهمية ان المطالبة الإسرائيلية باستضافة مناسبات دولة في العاصمة هي مثابة "استفزاز"، ان لم تكن "وقاحة" و "تحد" وبالطبع "عصا في دواليب المسيرة السلمية". مفهوم ان في اساسها الفكري هذا، إسرائيل مذنبة بالضربة التي وقعت عليها؛ فهي، الاستفزازية، جديرة بالعقاب.

مفاجئ أكثر الاكتشاف بان قادة الرأي في اليسار اعربوا عن الرضا من الغاء المباراة، لان مـثـل هــذا الاستنكار الدولي سيوقظ الإسرائيليين من عدم اكتراثهم ويجبرهم على أن ينظروا بشكل صحيح إلـى الواقع البشع والمنفي الذي خلف الخط الاخضر. ففي تطلعنا لان نكون طبيعيين وان نشعر مثلما في اوروبـا، سنتخلى بسرعة عن تطلعنا المريض لــ "الاحــتــلال"، و "الابرتهايد"، مقابل طيبات الحياة في "حضن الشعوب".

الاغراء مفهوم: فالامل الذي يحدث فيه مصدر خارجي في الرأي العام المحلي التحول الذي لم تحققه عشرين سنة دعاية للسلام، هو أمل جارف. فها هو توفر الابتكار لتجاوز الرأي العام ونتائج الانتخابات من اليسار: سنفرض على إسرائيل انسحابا اقليميا بضغط الأمم. هذا سيؤلم، الإسرائيليون سيثورون، ولكن عندما يأتي ميسي – سيشكروننا.

غني ان نتساءل كيف تخرج مثل هذه المواقف من الجناح السياسي الذي يطيب له أن يسمي نفسه "المعسكر الديمقراطي". فاليأس مستشار سيء. ولكن المغازلة التي يقوم بها اليسار للمقاطعة خطيرة جدا. لان من يتكبد عناء الاستماع للناطقين بلسان المقاطعة وقراءة ما يكتبونه، سرعان ما يتبين له بان الحركة ترى في "انهاء الاحتلال" خطوة اولى، ستأتي بعدها المطالبة لتحقيق مطلب العودة لكل أجزاء الوطن، وفي النهاية الغاء الطابع اليهودي لدولة إسرائيل. من يركب قطار المقاطعة يفضل ان يعرف إلى اين يتجه. فلا يمكن اعطاؤه دفعة وبعدها النزول في منتصف الطريق، فهو سيواصل الاندفاع من دونكم أيضا، ايها الاغبياء!

هذه المغازلة خطيرة وذلك أيضا لأنها سائبة وعديمة المسؤولية: فهل يمكن للمتمنين بالمقاطعة أن يضمنوا على الاطلاق الا يتضمن رد فعل الشارع الفلسطيني على انسحاب إسرائيلي تحت ضغط دولي صليات صواريخ وطائرات حارقة على الساحل والسهل الداخلي، وهجوم عنيف على الحدود؟ هل هم قادرون على أن يتعهدوا باسم الفلسطينيين بأنهاء المطالب والاعتراف بإسرائيل؟ واضح أن لا. منطقي اكثر ان يرفع نجاح المقاطعة مستوى المطالب الفلسطينية حيال إسرائيل المرضوضة والمهزومة. باسم من ونيابة عن من يناشد إذن اليسار العالم لمقاطعتنا؟

فوق كل شيء تعبر "آمال المقاطعة" عن استخفاف عميق وفظ بمواطني إسرائيل. فهل يعتقدون في اليسار بان الإسرائيليين عديمي الذاكرة والوعي التاريخي؟ ماذا، فهل من اجل مباريات كرة قدم أو عرض لمغنية سيوافق الإسرائيليون على أن يخاطروا من جديد بلظى الباصات المفحمة والمطاعم المفجرة؟ ام من اجل يوروفيجين او حفلة ننسى القدس؟ حين يكون هذا مستوى الخطاب فلا غرو ان اللسان يلتصق بالحلق.

من يركب قطار المقاطعة يفضل أن يعرف إلى أين يتجه. فلا يمكن اعطاؤه دفعة وبعدها النزول في منتصف الطريق، فهو سيواصل الاندفاع من دونكم أيضا، أيها الأغبياء!

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan

© PressReader. All rights reserved.