حجة ضد اليأس بشأن المناخ

Al Ghad - - 8 - كارل بيلدت*

ستوكهولم - أدت موجات الحرارة والظواهر الجوية المتطرفة في نصف الكرة الأرضية الشمالي هذا الصيف إلى إعادة التغير المناخي إلى مقدمة النقاش العام. تشير التحليلات المبكرة إلى أن الكوارث الطبيعية مثل إعصار فلورنس - الذي اجتاح الساحل الشرقي للولايات المتحدة هذا الشهر - قد تفاقمت بسبب ارتفاع درجات الحرارة في العالم. على الرغم من انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من اتفاقية باريس بشأن المناخ لعام 2015، إلا أن بقية العالم أصبح مقتنعا بشكل متزايد بالحاجة إلى الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري GHG(.)

في الشهر الماضي، نشر بعض علماء المناخ تقريرا في دوريــة الأكاديمية الوطنية الأميركية للعلوم يحذر من أن العالم مهدد بدخول حالة "البيت الزجاجي"، ما يجعله غير صالح للسكن. سجلت الأرض بالفعل أعلى درجــات حرارة منذ العصر الجليدي الأخير. ولكن، كما يشير التقرير، فإن ما نشهده اليوم لن يكون مشكلة مقارنة بما يخفيه لنا المستقبل إذا تجاوز متوسط درجـات الحرارة العالمية درجتين مئويتين أعلى من مستويات ما قبل الثورة الصناعية.

بالنسبة لعلماء المناخ، "يمكن أن يؤدي الاحترار العالمي في هذه المرحلة إلى تنشيط عناصر تَحَول مهمة، مما سيؤدي بدوره إلى ارتفاع درجات الحرارة بشكل متزايد لتفعيل عناصر التحول الأخرى بشكل يشبه تأثير "الدومينو" حول ذوبان الجليد، والذي من شأنه أن يزيد من ارتفاع درجـات حـرارة الأرض". لا يزال النقاش العلمي حــول نقاط التحول المناخية والسيناريوهات بشأن هـذا الكابوس مستمرا. لكن لا يمكن لأحد أن يؤكد أن المخاطر المحددة في تقرير "الكوكب الدافئ" ليست حقيقية.

نحن أمــام خطر آخــر: قد تــؤدي مثل هذه التحذيرات إلى إصابة الناس بحالة من اليأس. وقد خلصت تقارير عديدة إلى أنه سيكون من الصعب للغاية تحقيق الأهداف المحددة في اتفاق باريس. لكن الاستنتاج الخطير بأن الوضع ميؤوس منه ليس صحيحا. وعلى كل حال، تبعث التطورات السياسية والتكنولوجية الجارية حاليا الأمل في النفوس.

قد لا ندرك ذلك الآن، لكن استخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح يتضاعف كل أربع سنوات. إذا استمر الأمر كذلك، يمكن أن يأتي نصف إنتاج الكهرباء على الأقـل من هذين الشكلين من الطاقة المتجددة بحلول 2030. ليس هناك سبب وجيه للاعتقاد بأنه لا يمكن إحراز المزيد من التقدم. فقط في السنوات القليلة الماضية، تم إحراز تقدم سريع في تقنيات الطاقة الشمسية وتخزين الطاقة.

وفقا لتقدير الهيئة العالمية للاقتصاد والمناخ، سيتم استثمار 90 تريليون دولار في البنية التحتية الجديدة في جميع أنحاء العالم على مدى السنوات الخمس عشرة القادمة. ونظراً للتكنولوجيات الجديدة القائمة - ليس فقط في مجال الطاقة ولكن في المجال الرقمي أيضاً - يمكن أن تتاح للبشرية فرصة تاريخية للانتقال إلى أنماط معيشة أكثر استدامة ومحايدة للكربون.

وبالإضافة إلى التقدم التكنولوجي البعيد المدى، هناك أيضًا وعي متزايد من القطاعين العام والخاص بأهمية دمج الاستدامة في جميع القرارات. إن الأساليب الجديدة في مجالات الطاقة، والصناعة، والهندسة المعمارية، وتخطيط المدن، والنقل، والزراعة، والغابات لديها القدرة على خفض انبعاثات الغازات الدفيئة إلى النصف بحلول 2030. ولتحقيق هذه الغاية، يجب نشر هذه الأساليب من قبل ائتلاف واسع من صناع القرار.

لحسن الــحــظ، بـــدأت الـحـكـومـات والشركات الكبرى في اتخاذ إجــراءات حاسمة بشأن هــذه القضايا. ونتيجة لذلك، بلغت انبعاثات الغازات الدفيئة ذروتها بالفعل في 49 بلد تمثل ٪40 من الانبعاثات العالمية؛ وقد التزمت عشر دول بأن تصبح محايدة للكربون بحلول عام 2050. وأعلنت كاليفورنيا والسويد أنهما سيعملان على خفض صافي انبعاثات الكربون إلى الصفر بحلول عام 2045 .

تبين خريطة الطريق الوافرة للعمل المناخي أننا ما زلنا نملك الحق في اتخاذ القرار بشأن مستقبلنا المناخي. لا يمكن إنكار الأخطار التي تنتظرنا. إذا استمرت انبعاثات الغازات الدفيئة وارتفاع درجات الحرارة في مساراتها الحالية، سوف يتعين على الأجيال القادمة تحمل العيش في "كوكب دافئ"، هذا إذا استطاعت البقاء على قيد الحياة.

وحيث أكدت الدراسات العلمية الحديثة أخطار تغير المناخ، فقد أظهرت أيضا طريق الـتـقـدم. هناك أمــل كبير في الانتشار السريع للتكنولوجيات الجديدة، وفي الوعي المتنامي بالمشكلة داخل الصناعة والحكومة والمجتمع المدني. إذا تمكنا من ضمان التقدم التكنولوجي المتسارع والتحلي بــالإرادة السياسية الـلازمـة، يمكننا معالجة أزمــة المناخ. لا يـزال إبقاء "الأرض في درجـة حرارة مستقرة" في متناول أيدينا. كارل بيلدت هو رئيس وزراء ووزير

خارجية السويد سابقا. تنشر بالتعاون مع "بروجكت سنديكيت"

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan

© PressReader. All rights reserved.