الزعامة الاقتصادية بعد الجائحة تبدأ في أميركا

Al Ghad - - 5 - محمد عبد الله العريان*

تُـــــرى مـــاذا يحمل المستقبل للاقتصاد العالمي؟ الإجابة الأكثر ترجيحا، في ظل الظروف الراهنة، هي للأسف الشديد انخفاض النمو، واتــســاع فـجـوة الــتــفــ­اوت، وتشوه الأســواق، وارتفاع المخاطر المالية. لكن هذه النتيجة ليست قدرا محتوما. فمن خلال إدخال تغييرات على نموذج السياسات في الوقت المناسب، يصبح بوسع صناع السياسات أن يرسوا الأســاس لاقتصاد أكثر ديناميكية وشمولا وقدرة على الصمود.

كان الضرر الاقتصادي الذي أحدثته أزمــة مـرض فيروس كورونا 2019 )كوفيد19-( في الربع الثاني من عام 2020 أسوأ حتى مما كان متوقعا: فقد سجل النشاط الاقتصادي انخفاضا شــديــدا، واتسعت فجوة التفاوت، وازدادت الأســواق المالية المرتفعة انفصالا عن الواقع الاقتصادي. وفي انتظار لقاح لم يجر تطويره بعد، يظل مسار الخروج من الجائحة -والأزمـة الاقتصادية المرتبطة بها- غير مؤكد إلى حد بعيد.

الآن، تحذر المؤسسات الاقتصادية الدولية الرائدة في العالم -صندوق النقد الــدولــي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والبنك الدوليمن أن الاقتصاد العالمي قد يستغرق عامين على الأقل قبل أن يستعيد ما خسره بسبب جائحة كوفيد19-. وإذا واجهت الاقتصادات الرئيسية موجات إضافية من العدوى، فقد يستغرق التعافي فترة أطول.

الواقع أن السياسات الجيدة التوقيت والتصميم الداعمة للنمو من الممكن أن تعمل على تسريع هذا الجدول الزمني، فـي حين تجعل التعافي أوســع نطاقا وأكثر استدامة. وهذا لا يعني المزيد من الغوث في الأمد القريب وحسب، بل يعني أيضا قدرا أكبر من التركيز على التدابير التي تتطلع إلى المستقبل والتي تستهدف تعزيز الإنتاجية، والحد من انعدام الأمان الاقتصادي بين الأسر، وتحقيق انسجام أفضل بين دوافـــع النمو المحلية والدولية، والتصدي للانفصال المتزايد الخطورة بين النظام المالي والاقتصاد الحقيقي.

هنا، تستطيع الولايات المتحدة، باعتبارها الدولة صاحبة أكبر اقتصاد في العالم، أن تضطلع بدور قيادي مهم. فبصفتها الجهة الموردة للعملة الاحتياطية العالمية الرئيسية، تلعب الـولايـات المتحدة دورا رئيسيا في تعبئة وتخصيص الأمــوال القابلة للاستثمار في العالم، وخاصة في وقت حيث يتدخل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بقوة في الأسـواق المالية العالمية. وباعتبارها لاعبا مهيمنا في صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومجموعة الـدول السبع، ومجموعة العشرين، تستطيع الولايات المتحدة أن تدفع -أو تقوض- عملية تنسيق السياسات العالمية.

عــلــى الــرغــم مــن أن صانعي السياسات فـي الــولايــ­ات المتحدة على استعداد تـام في عموم الأمر لملاحقة السياسات المعززة للنمو، فــإن قـدرتـهـم على الـقـيـام بذلك أصبحت مقيدة على نحو متزايد بسبب السياسات المحلية غير المستقرة وغير المتوقعة. صحيح أن حزمة الإغاثة في مواجهة أزمة كوفيد19،- والتي بلغت قيمتها 3 تريليونات دولار أميركي، كانت استعراضا مبهرا للتعاون بين الحزبين. لكن مع ارتفاع أعــداد الإصابات بعدوى كوفيد19- وظهور التوترات الاجتماعية -التي تجسدت في احتجاجات واسعة النطاق ضد الظلم العنصري وعنف الشرطةعاد المشرعون الأميركيون كل إلى زاويته. ونتيجة لهذا، يبدو أن التقدم على مسار إرساء أسس النمو طويل الأجــل - بما في ذلـك في المناطق والـمـجـال­ات التي يبدو أنها تحظى بالاتفاق بين الحزبين، مثل البينة الأساسية، وإعــادة تدريب وتجهيز العمال )وإن كان بدرجة أقـل(- بات احتمالا أبعد.

بوسعنا أن نرى انفصالا مماثلا بين الإرادة والقدرة في استجابة السياسة النقدية في أميركا. فبنك الاحتياطي الفيدرالي على استعداد للقيام بكل ما في وسعه للحد من الأضرار الدورية والبنيوية التي قد تلحق بسوق العمل، والـتـي تشمل أكثر مـن 46 مليون شخص تقدموا بطلبات للحصول على إعانات البطالة. لكنه يفتقر إلى الأدوات الفعّـالة والدعم من قِـبَـل صانعي السياسات المالية، المجهزين بشكل أفضل لتعزيز النمو الدائم.

في وجـود عدد قليل من خيارات تعزيز النمو الاقتصادي الحقيقي، شعر بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بأنه ملزم باتخاذ خطوات لم يكن من الممكن التفكير فيها سابقا والتي تعمل بشكل متزايد على تشويه عمل الأســواق المالية، مما يؤدي إلى تفاقم اتساع فجوة التفاوت في الثروة وتشجيع الإفراط في خوض المجازفة من قِـبَـل كل من المدينين والمستثمري­ن. وبدلا من كونه جزءا من الحل، يجازف الاحتياطي الفيدرالي الآن بخلق المزيد من المشاكل، بما فـي ذلــك ســوء تخصيص الـمـوارد، وتكديس الديون، وعـدم الاستقرار المالي -وكل هذا من شأنه أن يعمل على تقويض النمو.

لا يخلو الأمر أيضا من انعدام التوازن بين النوايا والنتائج في العلاقات الاقتصادية الدولية. ففي سعيها إلى جعل النظام التجاري العالمي أكثر عدالة، لاحقت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب سياسات ثنائية تسببت فـي تقويض التدفقات التجارية. والآن أصبحت الــولايــ­ات المتحدة أكثر الاقتصادات المتقدمة انتهاجا لسياسات الحماية.

في عموم الأمر، في اللحظة حيث تتطلب الأزمــات المالية المتكاثرة التنسيق الوثيق لاستجابات السياسات على المستويين الفردي والجمعي، كـانـت إدارة تـرمـب حريصة على تحاشي التعددية. ومن منظور بعض البلدان في آسيا بشكل خاص أصبح من غير الممكن على نحو متزايد التنبؤ بسياسة الإدارة الأميركية، إلى الحد الذي أثار الشكوك حول متانة وموثوقية النظام العالمي الذي يعتمد في صميمه على الولايات المتحدة. على سبيل المثال، عملت الصين على التعجيل بجهودها الرامية إلى تعميق الـروابـط الثنائية والإقليمية حتى يتسنى لها تجاوز الولايات المتحدة، ولكن على حساب تفتيت النظام الدولي.

ينقسم صــنــاع الـسـيـاسـ­ات في الـولايـات المتحدة حـول العديد من القضايا، ولكن مـن المؤكد أنهم يمكنهم الاتـفـاق على الرغبة في تحقيق نمو أســـرع وأكــثــر شمولا وديمومة. وتتمثل الوسيلة الوحيدة لتحقيق هذه الغاية على نحو مستدام في إقــران تدابير الإغاثة القصيرة الأجــل بسياسات مالية وإصلاحات بنيوية متطلعة إلى المستقبل وداعمة للنمو )والعمل(. وإلا فإن المشاكل التي يمكن التصدي لها في الأمد القريب، مثل البطالة المرتفعة، من الممكن أن تتحول إلى مشاكل أعمق جذورا وتصبح معالجتها أشد صعوبة.

مــن جــانــبــ­ه، يتعين عـلـى بنك الاحتياطي الفيدرالي أن يتوخى قــدرا أكبر مـن الـحـذر فـي الكيفية التي يتدخل بها في الأســواق. فمن خلال توسعه المستمر في كل من نطاق ومــدى برامج شــراء الأصــول، يجرد الاحتياطي الفيدرالي الأسواق من قدرتها على تسعير وتخصيص الموارد على النحو اللائق. وإذا لم يكن حذرا، فقد تنتهي به الحال إلى سحب البساط من دون قصد من تحت أقدام النظام الأميركي القوي القائم على السوق، ودعم الشركات الحية الميتة التي تتسبب في إضعاف الإنتاجية، والمزيد من تقليل احتمالات تمكن النمو الاقتصادي الحقيقي في النهاية من إقرار أسعار الأصول المرتفعة.

أخيرا، ينبغي لصانعي السياسات في الولايات المتحدة أن يعملوا معا لاستعادة زعامة بلدهم للاقتصاد العالمي، من خــلال إعــادة تنشيط مناقشات السياسة المتعددة الأطراف وتحسين أداء النظام العالمي القائم على القواعد. لتحقيق هذه الغاية، ينبغي للولايات المتحدة أن تعمل على إحياء الجهود المتعثرة لإصلاح إدارة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بما في ذلك من خلال جعل التمثيل متماشيا مع الحقائق الاقتصادية الغالبة اليوم والعمل على زيادة موارد الصندوق.

كما ينبغي لــلــدول الأخـــرى أن تمتنع عن التقليل من أهمية مثل هـذه التغيرات لإدائها الاقتصادي. ذلك أن أي اقتصاد، مهما بلغ حجمه، من المرجح أن يتأثر بنمو الاقتصاد الأميركي، والاستقرار المالي الدولي، والتأثيرات الجانبية المترتبة على السياسة النقدية. فـي ظـل أزمـة كــوفــيــ­د19-، أصـبـح تـطـور نموذج السياسة الاقتصادية العالمية ضرورة ملحة. ويتمثل التحدي الـذي يواجه البلدان الأخــرى الآن فـي الحد من «مخاطر التنفيذ» التي تواجه أميركا، مـن خــلال بــذل كـل مـا فـي وسعها لضمان شحذ دوافــع النمو الذاتية التعزيز وإقامة نظام دولي أكثر عدالة. *كبير المستشارين الاقتصاديي­ن في أليانز، وكان رئيسا لمجلس الرئيس الأميركي باراك أوباما للتنمية العالمية، وهو مؤلف كتاب «اللعبة الوحيدة في المدينة: البنوك المركزية، وعدم الاستقرار، وتجنب

الانهيار التالي .» ينشر بالتعاون مع خدمة بروجيكت

سنديكيت.

تحذر المؤسسات الدولية من أن الاقتصاد العالمي قد يستغرق عامين على الأقل قبل أن يستعيد ما خسره بسبب جائحة «كورونا»

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan

© PressReader. All rights reserved.