إسرائيل ما تزال لا تعرف ماذا تريد من غزة

Al Ghad - - 14 -

بقلم: يوآف ليمور 2020/6/26

الجدال الذي يجري في إسرائيل في الـ 15 سنة الأخيرة هل ساهم فك الارتباط عن غزة في إسرائيل أم مس بها، هو داخلي في اساسه. فيكاد يكون كل من شارك فيه يحتفظ بذات الموقف الذي كان له من قبل ان يبدأ اخلاء المدنيين وقوات الجيش الإسرائيلي من القطاع ويجري النقاش في ظل غمز صريح لما يجري في الضفة الغربية.

فمعارضو الانسحاب مقتنعون بانه أضعف إسرائيل: الاخلاء احادي الجانب علمنا بان إسرائيل تستسلم للضغط والإرهاب. أما مؤيدو الانسحاب فمقتنعون بانه عزز بالذات قوات إسرائيل: بدلا من استثمار قوات زائدة في مهام عديمة الاحتمال، تقاتل فقط على ما هو حيوي. والدليل هو أنه منذئذ لم تخل أي عنزة وأي دونم.

هؤلاء واولئك محقون ومخطئون. وكما أسلفنا، كل شيء هنا هو سياسي داخلي. من يؤمن بان على اليهود ان يستوطنوا في كل نقطة في إسرائيل لن يفهم المنطق الذي في فك الارتباط. ومن رأى في القطاع عبئا سياسيا وامنيا لن يفهم ابدا ما الذي يوجد لاقل من 10 آلاف إسرائيلي أن يبحثوا عنه في اوساط نحو 2 مليون فلسطيني.

البعض اعتبر الانسحاب هروبا، ان محاولة النظر الى الأمور بشكل موضوعي، قدر الامكان، فتقدم الصورة التالية: دون التطرق الى القرار نفسه، الذي كان سياسيا داخليا، فقد نفذ فك الارتباط بشكل اشكالي. ليس فقط الخطوة العملية في اخلاء المدنيين من بيوتهم على يد قوات الجيش الإسرائيلي والمعالجة الفاشلة لمن اخلوا، بل مجرد القرار بانسحاب من طرف واحد. بالضبط مثلما حصل قبل خمس سنوات من ذلك في لبنان، اعتبر الانسحاب كهروب: والاسوأ من ذلك، بدلا من تعزيز حلفائها في السلطة الفلسطينية من خلال نقل الاراضي وطرح مطالب بالمقابل، سلمت إسرائيل الأرض مجانا، وليس فقط لم تحصل على شيء بل حصلت بالمقابل على حماس. صحيح أن حماس استغلت الحرية التي اعطيت لها لتعاظم متسارع للقوى، ولكن ليس فقط فك الارتباط مذنب في ذلك. فالصواريخ الاولى اطلقت من القطاع منذ بداية 2001؛ والاختراق في انتاجها اتيح على خلفية الضخ شبه الحر للخبراء والوسائل القتالية من سيناء الى القطاع، والذي جرى حتى عندما كان الجيش يسيطر في محور فيلادلفيا )الذي كان ايضا منبت الانفاق(. صحيح أنه تسارع جدا بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي، ولكن يحتمل أنه كان سيتواصل في كل الاحوال.

ولكن تعزز قوة حماس العسكرية هو مجرد جانب واحـد من الموضوع. بالتوازي، فقد اصبحت حماس صاحبة السيادة في غزة ومسؤولة عن الحياة اليومية وعن رفاه السكان. ومع الصلاحيات تأتي المسؤوليات: عن المياه، الكهرباء، المجاري، الصحة، التشغيل. في واقع غزة – المنطقة الأكثر اكتظاظا في العالم – هذا عبء ثقيل، تحول بالنسبة لحماس من ذخر الى عبء. اذا كان قادة المنظمة اعتقدوا في الماضي بان قوتهم العسكرية ستحمي القطاع فان من شأنها في المستقبل ان تجلب عليه الخراب.

ولكن اسرائيل ليست معفية من الاخفاقات في عصر ما بعد فك الارتباط. فالالتزام الفوري بان كل خرق للسيادة من غزة سيصطدم برد قاس سرعان ما تبين ككلمات فارغة؛ وحتى اختطاف جلعاد شاليط انتهى – بعد سنوات – بثمن صفقة اسرى موضع خلاف، شجعت مزيدا من الاختطاف. حرية العمل العسكري – السياسي – القانوني التي وفرها فك الارتباط بمجرد انسحاب اسرائيل الى خط الحدود الدولية، استغل لتحقيق ردع جزئي فقط.

ولم تتحسن السياسة الاسرائيلي­ة منذئذ. عمليا، لم تحدد اسرائيل لنفسها ابدا بشكل رسمي ما الذي تريده من غزة. على الطيف الذي بين السلام والتعايش )المثالي( من جهة والاحتلال من الجهة الاخرى، كل جواب يفوز. فالحلول التي اعطيناها كانت دوما موضعية وتكتيكية؛ لم تجري ابدا محاولة حقيقية لتحديد ما هي المصالح الاسرائيلي­ة في غزة والتطلع الى تحقيقها.

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan

© PressReader. All rights reserved.