*لدول5 *0/وي5 و*لNي#

Al Ghad - - 8 - حسني عايش opinions@alghad.jo

نشأ الأردن فقيرا بالموارد، أو هكذا بدأت الحكاية وما تزال، ولكنه -مع ذلك وبهمة الغانمين المانحين والدائنين - تمكن من بناء دولة، تبدو للزائر أو للسائح - من أول نظرة - من أغنى الدول في العالم ببنيتها التحتية ومرافقها العمرانية...

غير أنه نتيجة للسياسات الاقتصادية الأبوية ظلت موازنته، وميزانه التجاري، ومــيــزان مدفوعاته تعاني مـن عجز مزمن، يغطيه بالمنح والقروض المحلية والأجنبية التي تقترب من أربعين بليون دولار في هـذه الأيــام. في إطــار تلك الحكاية أو الرواية تعودت الحكومات والشعب على هذا الوضع الأبوي وألفوه، وتوقعوه عاما بعد عام، وكأنه قدر.

لقد أعمتهما تلك الألفة عن رؤية التحديات والأخـطـار المصاحبة لها او الناتجة عنها، التي يمكن أن تهدد حياة الأجيال القادمة، فلم يشمروا عن

سواعد الجد لإغلاق الهوة بين الإنتاج والاستهلاك، كما كانوا يفعلون إبان فترة اقتصاد الكفاف السابقة حين كان كل أفراد الأسرة يعملون وينتجون، بل زادوهـا اتساعاً بالزحف العمراني على الأراضي الزراعية. كما لم يحدثوا اختراقا في الإبداع والابتكار لإغلاقها كما فعلت بلدان أفقر منهم في الموارد مثل اليابان وكوريا وسنغافورة... لأن دولتهم ظلت من البداية وحتى هذه الساعة تتصرف نحوهم تصرف الأب مع أطفاله؛ توفر لهم ما يحتاجون إليه أو يطلبونه وهم قاعدون، وهم وقد نشأوا عليه )بدءا من بيت الـمـال( ظلوا يتوقعونه من الأب ويـأكلون وجهه فارضين عليه أن يستدين ليأكلوا.

تلكم هي صيغة الدولة الأبوية أو الريعية، فمع أن الأب شاخ وصار عاجزا عن توفير ما يطلبه الأولاد والبنات إلا أن الأولاد والبنات ما كبروا أبدا بل ظلوا أطفالا )يتعربشون( ويأكلون وجهه في كل أزمــة، ولا يتركونه إلا إذا استدان ووزع. لم يستطع فطامهم لأنه رباهم على ذلك وهم لذلك لا ينفطمون.

من هنا بالضبط بدأت الأزمة واستمرت وكبرت، ولكنها تبدو للأطفال )بالألفة( غير موجودة بتعليق كل تفاصيلها على الفساد والفاسدين من “الأبناء الكبار أو على الليبراليي­ن منهم” كما يسمونهم.

نعم، إن جزءا كبيرا من هذا صحيح، ولكن سببه الرئيس يكمن في طبيعة الدولة الأبوية، حيث ينتقل الناس من حــارة “كـل من إيــده إلـه إلـى “دولــة كل من ايــده إلــه”، ناسين أو متناسين أن عجز الإنتاج والإنتاجية عندهم لا يلبي حاجاتهم الأولوية والثانوية وأن عليهم أن يعملوا وأن ينتجوا، وأن كرامة الدولة باستقلالها السياسي غير ممكن بدون استقلالها الاقتصادي )النسبي(. وان هذه الكرامة تتناسب طردياً مع مقدار القيمة الوطنية المضافة إلى السلعة أو الخدمة اللتين ينتجها البلد ويضيفها إليهما، وليس مع مقدار ما يجود به الخيرون والدائنون علينا من منح وقروض ميسرة.

في دراسـة لنهضة الصين الحديثة، حيث كان يعمل ممثلا لمنظمة دولية، يقول المفكر الاقتصادي جاتشيوا ديريبا في كتابه: ‪Overcoming Agricultur­al‬ ‪and food problems, 2018‬

إنه في أثناء عمله في الصين ذهب إلى القرية التي انطلقت منها النهضة الصينية حيث وقع ثمانية عشر مزارعاً صينياً هناك اتفاقا سريا بينهم لتقسيم الأرض الجماعية، وبحيث يقوم كل واحـد منهم باستغلالها على طريقته وجهده بدلاً من عملهم المشترك فيها. ولدهشتهم زاد انتاجهم منفردين في سنة عن إنتاجهم مجتمعين في خمس

سنين. ولما فشى السر ووصــل إلى الحزب الشيوعي وحتى إلـى الرئيس دينج يـنـج)1978( علق قائلاً : “ليس مهماً أن يكون القط أسود أو أبيض طالما أنه يصطاد الفئران” ‪-11/12/ 2019)‬ D+C) ومن هنا بدأت النهضة الصينية وانتهت الدولة الأبوية، وتغيرت الصين وغيرت العالم. وهو الخيط أو الأمر أو الفاصل )الملكية الخاصة( الذي لم ينتبه إليه ماركس وإنجلز ولينين والحزب الشيوعي السوفيتي الذي كان يتصرف أبوياً، فانهارت دولته وكتلته.

لكن الدولة الريعية لا تزال تعمل في الأردن بهمة ونشاط، وتتجلى أكثر ما تتجلى في سياسة القبول في الجامعات القائمة على المغانم والمكارم والكوتات والقوائم، وزيــادات دوريـة في الرواتب والعلاوات تُغطى بالديون لا لزيادة في الإنتاج أو الإنتاجية. لقد بلغ الدلال للأولاد والبنات تعطيل الدولة نحو مائة وخمسين يوما في السنة. هذا عدا البطالة المقنعة عند العاملين. إنّ التحدي الكبير الآن: كيف يمكن إعادة تربية الأولاد والبنات ليصبحوا منتجين.

*************** المستشرق روم لانـــدو: “وأخــيــراً استقرت الحكمة في ثلاثة: في عقل الفرنجة، وفي أيـدي الصينيين، وفي ألسنة العرب”.

عن الوطن العمانية

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan

© PressReader. All rights reserved.