لغة المستقبل

Al Ghad - - 5 - معاذ الدهيسات

اللغة التي نتحدثها تشكل فهمنا للعالم المحيط تماما كالخوارزمي­ة التي يتم تلقيمها للحاسوب، هذا الفهم الذي قدمه )بينجامين ورف( دفع )ادوارد هول( في كتابه البعد الخفي لجزم أن البشر أسـرى للغتهم التي يتكلمونها طالما اعتمدوا مفرداتهم الخاصة كمسلمات.

ومن خال هذا الفهم يمكننا التأكيد أن الـنـاس بلغات مختلفة يسكنون عوالم حسية مختلفة ولجسر هذه الهوة بين المجتمعات علينا تعميق الاتصال كجوهر للثقافة وللحياة، وعلى هذا الفهم بإمكاننا إدراك آلية عمل الانترنت من خال ادراج البشرية في صعيد واحد ضمن زمان ومكان موحد بانتظار دمج الجميع بخوارزمية لغوية واحدة ليتشكل إدراك وفهم حسي موحد للشعوب حيث إن اللغة احتواء للزمان والمكان.

وبحسب معجم )لاروس( نجد أن اللغة وسيلة للتعبير عن الأفكار ونتيجة لديناميكية هذه الأفكار تتبدل المفردات حيث تتعرض اللغات لتغير مستمر

والألسن التي لم تجار التحولات ستخرس وتندثر، فالإنجليزي­ة قبل الف عام او ما يعرف بالأنجلوسك­سونية كانت اقرب للهولندية المتحدث بها بوقتنا الحاضر في سياقها ونطقها منها للغة الانجليزية التي نعرفها اليوم لقد تغيرت البنى اللغوية عالمياً، وبحسب كتاب أساسيات اللغة لـ )تراسك( فإن الانجليزية فقدت اكثر من ستين بالمائة من مفرداتها القديمة امـام نظرية الاقتراض وهي ببساطة عملية نسخ مفردات اللغات الأخرى وادماجها، ولعل هذا سر نظارة الانجليزية كلغة عالمية اليوم من خال قدرتها على التكيف مع التغيرات الكبرى التي فرضت بسبب انهيار حدود العالم امام شبكة الانترنت، وبحسب الدراسات لم تكن الإنجليزية مجرد لغة مقترضة بل هي اللغة الأولــى المانحة لباقي اللغات كونها لغة الطب والتكنولوج­يا والعمل.

سلكت اللغتان الفرنسية والانجليزي­ة طريقتين مختلفتين فــي محاولة الوصول الى اتفاق عام على منطوق مـوحـد للفئات الاجتماعية فاختار الفرنسيون طريقة الرفض المطلق لمفهوم الاقــتــر­اض وصـعـد اليمين المواجهة ودفعوا لإنشاء اكاديميات تعنى بتنقية اللغة الفرنسية من المصطلحات الدخيلة ومحاولة تقريب المفردة للسياق اللغوي الفرنسي في حال الاجبار على الاقتراض وانشؤوا اكاديمية تعني بـهـذا الـشـأن تضع القواعد الخاصة باللغة وتتابع آلية تنفيذها وفرضها على المتحدثين، فيما سلك الإنجليز مـسـارا سياسيا اكثر ساسة وتحديدا بالقرن الخامس والسادس عشر حيث كان التواصل بين المقاطعات الانجليزية اكثر صعوبة نظرا لتعدد اللهجات، لتشكل العاصمة لندن مركزا تجاريا وسياسيا واكاديميا توافد المواطنون من الأقاليم للعاصمة ومـا حولها وشكلوا خليطا اجتماعيا تم انتخاب لغة انجليزية توافقية من خالهم بشكل سلس وبــدون رقابة واجبار، انتقاء لغوي طبيعي جعل من الانجليزية اكثر صابة ومناعة ومنحها التفوق الذي تعيشه اليوم.

فــي مطلع الــقــرن الـمـاضـي أطلق العالمان أوغـدن وريتشاردز سؤالهما: هل يمكن انشاء لغة عالمية؟ من خال كتابهما )معنى المعنى( وتوصل كاهما الى ان الفكر واللغة لا يجب فصلهما عن بعضهما بل يجب أن يعالجا معالجة واحــدة، إنه مفهوم آخر للهيمنة فمن يهيمن على اللغة سيحكم با شك افكار الشعوب وهو ما يفسر استعار حروب الاعام حيث الشبكات الناطقة بلغتنا والعابرة للحدود وهدفها ببساطة فرض مفردات من يمولها.

بعد مائة عــام مـن نظرية اللغة العالمية الـواحـدة صـرح صاحب تسا )إيلون ماسك(: أن التكنولوجي­ا التي يعمل عليها اليوم في مطلع 2020 يمكن أن تجعل اللغات البشرية التي نستخدمها اليوم خارج الخدمة في غضون خمس لعشر سنوات، ويستطرد كمن يحول مفردات ايريك فروم في اللغة المنسية الى كوابل تمتد للعقل كما في فيلم المصفوفة: هل تريد التحدث بلغة مختلفة؟ لا تـوجـد مشكلة، مـا عليك سوى تحميل هذا البرنامج الى دماغك.

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan

© PressReader. All rights reserved.