شرح مرونة الصين الاقتصادية

Al Ghad - - 5 - تشانج جون*

شنغهاي - أدت عمليات الإغــاق واسعة النطاق، وإغـاق الحدود، وغير ذلك من التدابير الرامية إلى مكافحة جائحة مـرض فيروس كورونا 2019 )كـوفـيـد 19(، إلــى تعطيل ساسل الإمـــداد العالمية وإصــابــة الاقتصاد العالمي بالشلل إلى حد كبير. ومع ذلك فإن نقطة الضعف الحقيقية التي تعيب الاقتصاد العالمي اليوم ليست سرعة تأثر وحساسية شبكات إنتاجه الخاضعة للعولمة، بل تكمن في المواقف الغاضبة المريرة تجاه العولمة، وتجاه الصين بشكل خاص.

مـنـتـقـدو الــصــيــ­ن مـخـطـئـون في افـتـراضـه­ـم أن نـمـوهـا الاقـتـصـا­دي المستمر يعتمد بشكل شبه كامل على صيانة نظام التجارة الحرة العالمية والقدرة على الوصول إلى التكنولوجي­ا الغربية. فرغم أن الصين تُـعَـد با أدنى شك أحد المصنعين العالميين المهمين، فــإن الـمـحـركـ­ات الحقيقية لأدائـهـا الاقتصادي خال العقد الأخير كان النمو السريع الذي طرأ على قدرتها الشرائية والاستثمار­ات في الأصول الثابتة.

من المؤكد أن الصين كانت حتى الآن المستفيد الأكبر من العولمة الاقتصادية على مــدار العقود الأخــيــر­ة، وهــو ما يرجع في الأســاس إلـى اندماجها في

نظام التجارة الحرة العالمي قبل وبعد الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية في العام 2001 .

لكن صناع السياسات في الصين أدركوا منذ فترة طويلة أن نموذج النمو هذا من غير الممكن أن يحول الصين إلى اقتصاد متطور بالكامل ومرتفع الدخل. وبشكل خاص، كان التأثير الشديد الذي خلفته الأزمة المالية العالمية في العام 2008 على الاقتصادات الغربية السبب الذي اضطر الصين إلى التعجيل بعملية «تغيير التركيز» من خال تطوير سوق محلية ضخمة أكثر تكاما وتشجيعا للنمو «المدفوع بالتداول الداخلي.» واكتسبت هذه الجهود المزيد من الزخم في السنوات الأخـيـرة نتيجة تصاعد الاحتكاكات التجارية مع أميركا، وإدراك حقيقة مفادها أن التوسع الاقتصادي الصيني المستمر يستلزم التغلب على اختالات بنيوية.

اتخذت الصين عدة خطوات لتصحيح هذه الاختالات وتعزيز الطلب المحلي. بادئ ذي بدء، سمحت الصين للرنمينبي بالارتفاع في مقابل الـدولار الأميركي لمدة عشر سنوات على الأقل بعد العام 2005، وبــدأت تفتح سوقها المحمية أمـام الشركات الأجنبية بما يتماشى مع التزاماتها لدخول منظمة التجارة العالمية. ولم تكتف الحكومة بتحرير الــواردات، وخاصة من السلع الوسيطة

والرأسمالي­ة، بل بــدأت أيضا تسمح بالتغلغل الأجنبي في الأسواق المالية وغير ذلك من القطاعات غير القابلة للتداول.

أيـضـا، زادت الصين مـن مشاريع البنية الأساسية المادية والاستثمار­ات اللوجستية بمعدل تجاوز 20 % سنويا على مــدار الـسـنـوات الخمس عشرة الأخيرة، فأسفر ذلك عن إنشاء طرق سريعة محلية جديدة ومحسنة، وسكك حديدية، ومطارات، ومرافق الموانئ.

كما أن الصين ومنذ بداية القرن، دأبت على دعم بناء شبكات واسعة النطاق للبنية الأساسية للمعلومات والاتصالات، وشجعت الشركات الخاصة على الإبداع في القطاعات التكنولوجي­ة المتطورة مثل الدفع عبر الأجـهـزة المحمولة، والتجارة الإلكتروني­ة، وإنترنت الأشياء، والتصنيع الذكي.

أخــيــرا، عملت الحكومة الصينية بنشاط على تعزيز الخطط الاستراتيج­ية الوطنية التي تستهدف دمج المناطق الاقتصادية الضخمة المحلية وتوليد الطلب المحلي. ويشمل هذا بناء منطقة شيونجان الجديدة، حيث سيجري نقل وظائف العاصمة غير الأساسية من بكين، وهذا من شأنه أن يعجل بتطوير مثلث بكين وتيانجين وخبي.

على نحو مماثل، حصل اثنان من أهم المراكز الحضرية في جنوب غرب الصين

ــ تشنجدو، عاصمة إقليم سيشوان، وتشونجتشين­ج، المدينة الرئيسة الواقعة عند منابع نهر يانجتسي، على حوافز لإنشاء «دائرة المدينة المزدوجة » من خال التعاون الاقتصادي الأوثق.

في الواقع، على الرغم من التحول الجاري في ثلها الاقتصادي، لن يكون لدى الصين بكل تأكيد أي حافز لانفصال عــن سـاسـل الإمــــدا­د التكنولوجي­ة العالمية أو التقهقر إلى العزلة. بل على العكس من ذلك، ستظل الصين مشاركا نشطا ومساهما في التجارة العالمية والاستثمار.

من السذاجة أن نعتقد أن الانفصال التكنولوجي القسري، أو العقوبات التجارية، أو التغييرات القسرية في ساسل الإمـــداد العالمية، قـد تضع حــدا لتوسع الصين الاقـتـصـا­دي في المستقبل. وإذا كان المنتقدون يعانون من قِـصَـر النظر إلى الحد الذي يعجزون معه عن رؤية هذا الواقع، فإن الخسارة ستكون من نصيبهم. *تشانج جون عميد كلية الاقتصاد

في جامعة فودان، ومدير مركز الصين للدراسات الاقتصادية )مركز فكري بحثي يتخذ من شنغهاي مقرا

له(. ينشر بالتعاون مع خدمة بروجيكت

سنديكيت

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan

© PressReader. All rights reserved.