Al Ghad : 2020-08-16

13 : 13 : 13

13

13 الاحد 26 ذو الحجة 1441 هـ - 16 آب 2020 م والتعبير عن دعمه لمقاطعة إسرائيل. ومُنع عمر البرغوثي، الــذي شــارك في تأسيس الدعوة الفلسطينية إلى المقاطعة وسحب الاستثمارا­ت وفرض عقوبات على إسرائيل، من دخول الولايات المتحدة العام الماضي من مطار بن غوريون الإسرائيلي. وحُرم ستيفن سلايطة، الأســتــا­ذ الفلسطيني الأميركي، من العمل في جامعة إلينوي في أوربانا شامبين بسبب تغريداته التي انتقدت الهجوم الإسرائيلي على غــزة في العام 2014. وسجلت منظمة الدفاع القانوني عن فلسطين 1.494 حادثة رقابة على أنشطة المناصرة للفلسطينيي­ن في الولايات المتحدة بين العامين 2014 و2019 . بخلاف هذه الأمثلة الفردية، هناك أيضًا إطار قانوني مزدهر يهدف إلى قمع التعبير في الولايات المتحدة. ولدى 32 ولاية أميركية الآن قوانين لمناهضة حركة المقاطعة وسحب الاستثمارا­ت، والتي تمنع الولايات من التعامل مع المقاولين الذين يقاطعون إسرائيل، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن القيام بذلك يعتبر معاداة للسامية بطبيعته. هذه، في الواقع، هي طليعة الاعتداءات على حرية التعبير في الولايات المتحدة. فبعد كل شيء، ما هي ثقافة الإلغاء إن لم تكن القدرة على جعل شخص ما يدفع كلفة؛ بخسران عمله أو حريته في التنقل؟ تظل معاداة السامية تهديدًا قويًا. وما تزال المجازات المعادية للسامية القديمة التي تصور اليهود على أنهم مسيطرون غامضون وخبيثون على وسائل الإعلام أو المال أو "نظام عالمي" مفترض، حاضرة بيننا. ومع ذلك، فإن هذه الشائعات تتعايش بشكل متزايد مع الفاعلين اليمينيين -وخاصة أولئك في السلطة- الذين يصنفون اليهود بشكل متزايد على أنهم ضحايا دائمون يجب حمايتهم، حتى عندما يستشهد هــؤلاء الفاعلون أنفسهم بـمـجـازات معروفة معادية للسامية في أماكن أخرى. وبشكل عام، يتم توجيه هذه الاتهامات بمعاداة السامية -خاصة فيما يتعلق بإسرائيل- من أجل كسب الرواج السياسي، حتى لو لم يكن للجدل المطروح أي تأثير على التهديدات الفعلية الموجهة إلى اليهود. إن استخدام تسمية معاداة السامية بشكل غامض وبحريّة لا يعيق حرية التعبير فحسب، وإنما يزيد أيضًا من صعوبة تحديد التهديدات الفعلية للشعب اليهودي ومكافحتها. ولا يعني تسليح معاداة السامية "إلغاء" المدافعين عن الحقوق الفلسطينية والفشل في جعل اليهود أكثر أمانًا فحسب؛ إنه يستخدم اليهود لإلغاء الآخرين أيضا. ترجمة: علاء الدين أبو زينة ala.zeineh@alghad.jo يعرب اليمين عن قلقه من الآراء التقدمية التي يتهمها بتقييد حرية التعبير، لكنه لا يقول أي شيء عن كيفية استخدام معاداة السامية كسلاح لقمع الكلام عن إسرائيل. ‪* * *‬ خلال الأسابيع القليلة الماضية، انخرطت وسائل الإعلام الأميركية الرئيسة في نقاش حول رسالة مفتوحة نُشرت في "مجلة هاربر"، والتي تحذر من أن المراجعات والجدالات الحالية حول العدالة العرقية والاجتماعي­ة تـؤدي إلـى مناخ غير متسامح يهدد حرية التعبير، ويؤدي إلى ما يسميه البعض "ثقافة الإلغاء". لكن الغائب الواضح عن هذا النقاش هو ديناميات القوة التي تحدد مَن يقرر حدود الكلام المقبول، وكيف يتم تسليح هذه الحدود بغية "إلغاء" الآخرين. ربما يكون هـذا السهو المقصود أكثر وضوحًا عندما يتعلق الأمر بالاتهامات بمعاداة السامية. على سبيل المثال، بعد أن كتب بيتر بينارت مقالات في "تيارات اليهودية" وصحيفة "نيويورك تايمز" الشهر الماضي، والتي دافع فيها عن دولة ثنائية القومية للإسرائيلي­ين والفلسطيني­ين، رد الأستاذ الفخري بكلية الحقوق بجامعة هارفارد، آلان ديرشوفيتز، بمقالة في نيوزويك بعنوان "حل بينارت النهائي: إنهاء إسرائيل باسم دولة قومية للشعب اليهودي". وليست مقارنة ديرشوفيتز للمساواة بين اليهود والفلسطيني­ين بالإبادة الجماعية النازية سخيفة فحسب -إنها محاولة لإسكات نظير يهودي باستخدام اتهام لا أساس له بمعاداة السامية. من غير المحتمل أن يعتقد أي شخص بجدية أن بينارت يكره الشعب اليهودي أو يسعى إلى تعريضه للخطر، إلا أن العديد من النقاد وجهوا إليه اتهامات مماثلة. وفي رسالة إلى المحرر نُشرت في صحيفة "نيويورك تايمز"، بالكاد توقف نائب المدير الوطني لرابطة مكافحة التشهير، كين جاكوبسون، على عتبة وصف بينارت بمعاداة السامية، مشيرًا إلـى أن بينارت على الأقــل "يخدم مصالح المعادين للسامية". وظهر اتهام آخـر مشابه مؤخرًا عندما اقترحت كاتلين فلاناغان، الكاتبة في مجلة "الأتـلانـي­ـك"، أن إيماني غاندي، المحررة المسؤولية في "رواير نيوز"، -أدلت بتعليق معادٍ للسامية عندما غردت على تويتر بأن البعض في وسائل الإعـلام "يقيمون شيفا لباري فـايـس"، )تشير "إقـامـة شيفا" إلى الطقس اليهودي للحداد على وفاة الشخص لمدة سبعة أيام(. وكانت تغريدة غاندي قد جاءت ردًا على زعم فلاناغان بأن استقالة محرر مقالات الرأي في "نيويورك تايمز" كانت "أكبر قصة إعلامية منذ سنوات". وفي النهاية حذفت فلاناغان التغريدة بعد أن أشار الناس صورًا تحمل أيقونات نازية على "فيسبوك"، إلـى الجمهوريين مثل النائب مـات جايتز )جمهوري من فلوريدا( ومحامي ترامب، رودي جولياني، اللذين ينشران نظريات مؤامرة معادية للسامية حول جورج سـوروس، إلى الموقع الرسمي للحزب الجمهوري الذي يصف جو بايدن بأنه "دمية" للسيناتور بيرني ساندرز )مستقل من فيرمونت( و"اليسار الراديكالي". يسمح الاتهام بمعاداة السامية للمتهم بأن يتجنب الانخراط في المحتوى الفعلي للنقاش بينما يبدو وكأنه يحتل مكانة أخلاقية عالية. وقد اشتهر باري فايس بفعل ذلك، من قيادته حملة كطالب في جامعة كولومبيا لإلحاق الضرر بعمل الأساتذة العرب بسبب آرائهم حول الصهيونية، إلى تضخيم اتهام كاذب بكراهية اليهود، والموجه إلى رسام الكاريكاتي­ر اليهودي إيلي فالي. وبالمثل، في الخريف الماضي، احتجت مجموعة من الطلاب في كلية بـارد بشكل سلمي على مشاركين في جلسة نقاشية تضم روث فايس، وهي أستاذة متقاعدة من جامعة هـارفـارد، لها سجل في الإدلاء بتصريحات متعصبة ومعادية للعرب. وأدارت الجلسة محررة الـرأي في "ذا فــوروارد"، باتيا أنغارسارغو­ن، التي نشرت بعد الحدث مقالاً يتهم الطلاب -والكثير منهم يهود- بمعاداة السامية، ووجهت نفس التهمة إلى زميلها في الجلسة –معلم يهودي أسود- والذي دافع عن حرية التعبير للطلاب. وتناقضت هذه الاتهامات بشكل مباشر مع روايات العديد من الأشخاص نادلر، عن معارضتهم للضم في رسالتهم. ومع ذلك، لم يكن هناك أي من الجمهوريين الذين وقعوا على رسالة بيري يهوديًا. استخدمت إدارة ترامب مرارًا دعم الرئيس ترامب السياسي لإسرائيل لاتهام الحزب الديمقراطي ومنتقدين آخرين لإسرائيل بمعاداة السامية. وفي الشهر الماضي، اتهم إيلان كار، المبعوث الخاص لوزارة الخارجية لرصد ومكافحة معاداة السامية، مجموعة الضغط اليسارية الموالية لإسرائيل "جيه ستريت"، باستخدام "صــور" و"نظريات مؤامرة" معادية للسامية لترويج حملتها "أوقفوا الضم"، مع صورة لترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وجاريد كوشنر، والسفير الأميركي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، وجيسون دي جرينبلات، الذي كان في السابق ممثل ترامب المسؤول عن شؤون إسرائيل والفلسطيني­ين. وأظهرت الصورة رئيسي الدولتين اللتين وضعتا ما تسمى بـ"صفقة القرن" إلى جانب فريق ترامب للضم. ويُظهر ادعـاء كار بأن استخدام "جيه ستريت" للصورة معاد للسامية المدى الذي وصل إليه تسليح معاداة السامية: الشخصيات اليمينية في مناصب السلطة، سواء كانت يهودية أم لا، تمتلك الجرأة لاتهام أي شخص تريده بالعنصرية المعادية لليهود بسبب سياسته التقدمية. لن يفقد كار وظيفته. ولكن في وقت سابق من هـذا العام، فُصِل مــدرِّس يهودي من مدرسة فيلدستون للنخبة في برونكس من عمليه، ظاهريًا لتبينه آراء معادية للصهيونية الحاضرين في الحدث، لكنها تسببت مع ذلك في إلحاق ضرر كبير بشرعية المتهمين. هذا النوع من ثقافة الإلغاء هو بالضبط التكتيك الذي استخدمه الجمهوريون، والذي شجعه الرئيس ترامب، ضد الديمقراطي­ين في السنوات الأخيرة. في 14 تموز )يوليو(، وجه النائب سكوت بيري )جمهوري من ولاية بنسلفانيا( وأحد عشر جمهوريًا رسالة إلى وزير الخارجية مايك بومبيو، والتي وصفوا فيها الديموقراط­يين بمعاداة السامية لأنهم عارضوا خطة إسرائيل لضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة. قــال بيري فـي رسالته: "ســوف تتلقى قريباً رسالة تنتقد أي ضم محتمل لمنطقة يهودا والسامرة"، مستخدماً المصطلحات التي يفضلها لوصف الضفة الغربية المحتلة اليمين القومي والديني في إسرائيل واليمين الصهيوني في الولايات المتحدة، بما في ذلك المسيحيين الصهاينة. وأضاف: "ونحن نحثكم على رفض معاداة السامية الصارخة التي تسود الرسالة". وبهذا المنطق، يكون قسم كبير من المواطنين الإسرائيلي­ين، بمن فيهم بعض كبار خبراء الأمن، معادين للسامية. وكانت الرسالة التي تحدث عنها، والتي دعت الحكومة الأميركية إلى جعل تقديم المساعدة لإسرائيل مشروطاً إذا واصلت خطتها للضم، قد جاءت بمبادرة من النائبة ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز )ديمقراطية(، ووقعها السيناتور بيرني ساندرز، وهو يهودي. وبالمثل، أعرب كبار الديموقراط­يين اليهود، مثل السناتور تشاك شومر والنائب جيرولد إلى أن غاندي سوداء ويهودية معا. يهدف التذرع غير المقبول بمعاداة السامية إلى فعل شيء واحـد: إسكات الناس، سواء عن طريق طردهم من وظائفهم أو وصفهم هم وأفكارهم بعدم الشرعية -بمعنى آخر، إلغائهم. ويتم استخدام هذا الاتهام في كثير من الأحيان، وبفعالية كبيرة، بسبب شبه الإجماع السائد على أن معاداة السامية هي خط أحمر لا ينبغي للمرء تجاوزه. ولكن، عند الفحص الدقيق، يتضح أن هذه الاتهامات غالبًا ما تُوجّه ضد الملونين بعد انتقادهم لإسرائيل. ومن بينهم عضوتا الكونغرس رشيدة طليب )ديمقراطية من ميتشيغان( وإلهان عمر )ديمقراطية من مينيسوتا(، وهما أول امرأتين مسلمتين تخدمتان في مجلس النواب؛ ومارك لامونت هيل، الذي فصلته شبكة )سي إن إن( في العام 2018 بعد أن دعا إلى "فلسطين حرة من النهر إلى البحر". بل إن هذا الاتجاه وصل إلى أنجيلا ديفيس، التي ألغيت لها في العام 2019 جائزة لحقوق الإنسان )وأعيدت لاحقًا( من قبل معهد برمنغهام للحقوق المدنية، على الأرجح بسبب دعمها الصريح لحقوق الفلسطينيي­ن. *صحفية ومحررة تكتب عن إسرائيلفلس­طين ودورها في السياسة الأميركية. تنشر كتاباتها في "الغارديان"، و"نيويورك تايمز"، و"الواشنطن بوست"، و"نيويورك ريفيو أوف بوكس"، و"ذا إنسبت"، و"فورين بوليسي"، والكثير من الأماكن الأخرى. *نشر هذا المقال تحت عنوان : False ‪charges of antisemiti­sm are the‬ ‪vanguard of cancel culture‬ استخدام اليهود لإلغاء الآخرين تأتي هذه الاتهامات بمعاداة السامية حتى بينما يستحضر أولئك في داخـل الحكومة الأميركية والمتصلون بها مــرارًا وتكرارًا استعارات ورموز معادية للسامية. ويتراوح ذلك من حملة إعادة انتخاب ترامب التي تنشر المحيطة بالصين– أفضل شريك تعمل معه الصين. من وجهة النظر الصينية، لا تترتب على الصين كلفة كبيرة مقابل دعم إيران اقتصاديًا وسياسيًا. ولن تواجه الصين أي إمكانية للانجرار إلى حرب فعلية في الشرق الأوسط ضد الولايات المتحدة، لكن هذه الاستراتيج­ية تأتي أيضًا بفوائد كبيرة، لأن التوسع الإيـرانـي قــادر على التسبب بصعوبات هائلة أمام الولايات المتحدة في المنطقة، ويلهيها عن زيادة ضغطها على المناطق المحيطة بالصين، وبالتالي تخفيف الضغط عن مصالح الصين الأساسية. هذه الاستراتيج­ية هي أسـاس الدعم الاستراتيج­ي الصيني لإيـران. وهي تبيّن أن الصين جادة في تعزيز وتعميق شراكتها مع إيران، والاتفاقية الراهنة المبرمة لمدة 25 عامًا هي نتيجة طبيعية لمنحى العلاقة الحميمة هــذه، لكن هـذه الاستراتيج­ية في الوقت نفسه تؤكد أن الصفقة بين الصين وإيران ستكون بطبيعتها محافظةً من الناحية الاستراتيج­ية. كما تشير هذه الاستراتيج­ية أيضًا إلى أن الصين لن ترغب في المخاطرة بنشر جنود على الأرض في إيران، لأن القيام بذلك سيزيد من التكاليف والمخاطر التي قد تتكبدها الصين، وهو ما يتعارض مع جوهر استراتيجية الصين المتمثلة في دعم إيران بفعالية وبتكلفة منخفضة نسبيًا ومخاطر منخفضة. الصين تضع نفسها في المقام الأول. بعد فهم سياسة الصين المتوازنة والاقــتــ­صــاديــة إلـــى أقــصــى درجــــة في الشرق الأوســط، وكذلك توقعات الصين الاستراتيج­ية من إيران، تكون لدينا أسباب كافية للاعتقاد بأن هذه الاتفاقية الجديدة ما هي إلا امتداد للشراكة الاستراتيج­ية الشاملة القائمة بين الصين وإيــران، وبأن هذه الاستراتيج­ية ستكون ذات طابع محافظ من الناحية الاستراتيج­ية. والسؤال الأهم حاليًا بشأن سياسات الصين المستقبلية في الشرق الأوســط لا يتعلق بالاتفاقية نفسها، وإنما بما إذا كانت الصين ستظل قــادرة على الحفاظ على موقف متوازن بين مختلف تكتلات الأطـراف الإقليمية مع تعميق علاقاتها في المنطقة وتوسّعها. وقد تمكّنت الصين في السابق من الحفاظ على هذا الموقف المتوازن بين مختلف أطراف المنطقة لأنها لم تكن نسبيًا ذات أهمية للمنطقة. ولكن، بما أن نفوذها يزداد هناك باعتبارها المستثمر الأكبر، سوف تتغير البيئات السابقة في المستقبل. وما يزال من غير الواضح ما إذا كانت الصين قادرة على إنجاز المهام المترتبة عن دور "شريك الجميع في المنطقة"، ذلك الهدف الذي حاولت قوى عظمى أخرى تحقيقه وفشلت. دجانغ شنغ – )معهد واشنطن( 3/8/2020 يبدو أن الاتفاقية التي تم الإعلان عنها مؤخرا والتي تستمر على مدى 25 عاما بين الصين وإيــران أصبحت أسطورة يتداولها المراقبون لشؤون الشرق الأوسط. فقد بولغ في أهمية الاتفاقية، لا بل أصبحت موضوعا لنظريات المؤامرة. وتمت في الوقت نفسه شيطنتها على أنها "معاهدة مخزية" تتيح للصين استغلال موارد إيران الطبيعية، كما ادعى رضا بهلوي في حسابه على "تويتر"، أو دلالةً على "سياسة الصين التوسعية" التي تسمح للصين بنشر جنودها في العالم. الواقع أن هذه الادعاءات تنسجم إما مع الموقف السياسي للمعارضين السياسيين المنفيين من إيــران، والذين يرغبون في توصيف النظام الإيراني الحالي بأنه "يبيع مصالح البلد للأجانب"، أو مع القلق العام الذي يساور المجتمع الغربي حيال ما يُسمى "التوسع الصيني الـعـدوانـ­ي". لكن هذه الافتراضات تسيء فهم الاتفاقية. فهي لا تنطوي على أي بُعد ثوري للعلاقة بين الصين وإيـران، وإنما هي بالدرجة الكبرى بادرة صداقة وامتداد طبيعي وغير مفاجئ للعلاقة بين الدولتين. فالصين لا تخطط لنشر جنودها في إيران، ولن تُقدِم على مثل هذه الخطوة، ولا تعتزم الانحياز إلى أي طرف في النزاعات الإقليمية في الشرق الأوسط. الشريك الاقتصادي للجميع: استراتيجية الصين الثابتة في الشرق الأوسط أهمية الشرق الأوسط بالنسبة للصين ثابتة وراسخة بسبب الطلب الهائل لديها على نفط الشرق الأوسط اللازم لدعم صناعاتها التحويلية. لكن المنطقة لم تكن يومًا في جوهر مصالح السياسة الخارجية الصينية. فخلال الحقبة الماوية، كانت مصالح الصين الإقليمية مبنيةً على موقف أيديولوجي قوي يرمي إلى مواجهة "الإمبريالي­ة الأميركية ووكلاء الولايات المتحدة الإقليميين". وفي تلك الفترة، كانت الصين تؤكد وقوفها إلى جانب مصر التي كان يحكمها آنـذاك عبد الناصر، وفلسطين التي كان يرأسها عرفات، بينما رفضت رفضًا شبه قاطع التعامل مع حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين مثل إسرائيل. ولكن، بعد الإصلاحات الاقتصادية التي قامت بها الصين، أصبحت سياستها الخارجية أقل أيديولوجيةً وانتقلت من "دعم العدالة في العالم الثالث" إلى "مصادقة كل طرف إقليمي فاعل". وبالتالي، أصبحت استراتيجية الصين الأساسية في الشرق الأوسط تتمثل في تعزيز التعاون الاقتصادي مع تجنّب التحالفات السياسية، والحفاظ على علاقة متوازنة مع كافة الأطراف الفاعلة في المنطقة مع تجنب الانحياز إلى أي طرف في الصراعات الإقليمية. واستمرت سياسة الصين الأساسية على حالها في الحقبة الجديدة المتمثلة بعهد الرئيس شي جين بينغ، على الرغم من الإعلان عن "مبادرة الحزام والطريق" الطموحة، والتحديات الدولية التي تواجه مصالح الــولايــ­ات المتحدة فــي الشرق الأوسط مع التصويت لصالح حكومة الأسد السورية. وفي الخطاب الشهير الذي ألقاه الرئيس الصيني في مقر جامعة الـدول العربية في العام 2016، أعلن عن مفهوم "اللامبدأ الثلاثي" الشهير، وهـو: تتعهد الصين بعدم البحث عـن أي وكــلاء لها؛ وبعدم السعي خلف أي مجال من مجالات المصالح؛ وبعدم محاولة ملء أي فراغ في السلطة في الشرق الأوسط. وانطلاقًا من هذا "اللامبدأ الثلاثي"، أصبحت الصين في العام 2016 أكبر مستثمر أجنبي في الشرق الأوسـط، وحافظت في الوقت نفسه على نفوذ سياسي ضئيل بصورة غير متكافئة في المنطقة. وفي الشرق الأوسط تحديدًا، تتوخى الصين الحذر الشديد من إمكانية جرّها إلى الصراعات بين الأطراف الفاعلة المحلية. ويلاحَظ أن هذه السياسة الأوسع ترسم أيضًا معالم العلاقة مع إيران. فهذه الأخيرة هي الشريك الرئيسي للصين في المنطقة، وهي محل تقدير كبير لدى الصين بسبب قــدرة هـذه العلاقة على إزعــاج الولايات المتحدة. ومن هنا، أنشأت الدولتان "الشراكة الاستراتيج­ية الشاملة" بينهما في العام .2016 غير أن مصر والسعودية والإمـــار­ات العربية المتحدة، باعتبارها خصوم إيران في المنطقة، أنشأت هي أيضًا شراكة استراتيجية شاملة مـع الصين ولديها كمّ هائل من الاستثمارا­ت الصينية على أراضيها. وتجلّى هذا التوازن بعد إبرام اتفاقية الخمس والعشرين سنة، حين انعقد بنجاح الاجتماع الــوزاري التاسع لمنتدى التعاون الصيني-العربي في 6 تموز )يوليو(، حيث كررت الصين والدول العربية التأكيد على "الدعم المتبادل في قضايا المصالح الأساسية والاهتماما­ت الرئيسية". وبنفس الطريقة، تمتنع الصين عن الانحياز إلى أي طرف في النزاع الجاري بين إيران وإسرائيل، وأسّست "شراكة الابتكار الشاملة" مع إسرائيل. واتّضحت مصلحة الصين الاقتصادية مع إسرائيل حين حصلت الشركة الصينية "شنغهاي إنترناشيون­ال بورت غروب" SIPG() على حقوق تشغيل ميناء حيفا لمدة 25 عامًا اعتبارًا من العام .2021 لا شك في أن الصين جـادةٌ في توطيد علاقتها الوثيقة أصلاً مع إيران، لكنّ هذه العلاقة الوثيقة ليست ولن تكون شرطًا مسبقًا أو عقبة في طريق علاقات الصين الثنائية مع أي جهة إقليمية أخــرى مثل إسرائيل والمملكة العربية السعودية. وبالنظر إلى الاتفاقية الصينية المذكورة مع إسرائيل بشأن تشغيل ميناء حيفا، يتراءى بوضوح أن علاقة الصين مع إيران ليست علاقة مميزة أو فريدة في المنطقة. وعلاوةً على ذلـك، في ما يتعلق بفكرة الانتشار العسكري، تدرك الصين تمامًا حقيقة أن الوعي القومي القوي لدى الشعب الإيراني والثقافة السياسية للجمهورية الإسلامية الإيرانية لن يسمحا بنشر أعــداد كبيرة من الجنود الأجانب في إيــران، لكنها في مطلق الأحوال لا ترغب في إرسال الجنود إلى إيران لتجنّب الخطر المحتمل المتمثل في انجرارها إلى صراع مسلّح بين إيران وخصومها الإقليميين. "حـارب بطريقتك، وأحـارب بطريقتي": استراتيجية الصين وتوقعاتها من إيران على العكس من ذلك، فإنّ منظار الصين الإقليمي والعالمي المختلف هو ما يحرّك موقفها من علاقتها بإيران: فمن المنظور الإقليمي، ليست إيران إلا واحداً من شركاء الصين الاقتصاديي­ن في الشرق الأوسط، وليس لدى الصين أي نية بالانحياز إلى أي طرف في صـراع إيــران مع دول المنطقة الأخـرى. أما من المنظور العالمي، فتُعتبر إيران شريكًا مفيدًا للصين من ناحية تحدّي الهيمنة الأميركية أو مضايقة الولايات المتحدة على الأقــل. وقــد أفضى هذان المنظوران معاً إلى سياسة دقيقة: الصين مستعدة لدعم إيران بفعالية في المجالات الاقتصادية والسياسية، ولكنها لا تخطط لدعم إيران في أي صراع إقليمي. يُشار إلى أن هذه الإستراتيج­ية انبثقت عن استراتيجية الرئيس ماو تسي تونغ العظمى للعام 1947: "أنت تحارب بأسلوبك، وأنا أحارب بأسلوبي"، التي تطبَّق على نطاق واسـع في كل الاستراتيج­يات العسكرية والدبلوماس­ية الماوية تقريبًا. ومثلما يوحي اسم الاستراتيج­ية، يتمثل جوهرها في أن الصين لن تواجه الضغوط الخارجية بشكل مباشر في المناطق التي يتمتع فيها خصمها بأفضلية استراتيجية، ولكنها ستسعى دائمًا إلى تبنّي موقف هجومي في المناطق التي تتمتع فيها الصين إما بمزايا استراتيجية أو بتكاليف استراتيجية منخفضة. وأصبحت هذه الاستراتيج­ية الماوية موروثة كتقليد أساسي في السياسة الخارجية الصينية، وما تزال تشكل أساسًا استراتيجيًا للدور الصيني في الشرق الأوسط اليوم، لا سيما في العلاقات الصينية الإيرانية. بالنسبة للصين، تقع المناطق المحيطة بها )كالبحر الشرقي ومضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي( فـي صلب مصالحها الأساسية. ولا ترى الصين أمامها في هذه الأمـاكـن ســوى خيار الــرد العسكري في حال اندلاع النزاعات فيها، ومن المؤكد أن النزاعات في مجالات المصالح الأساسية هــذه ستشكل تهديدًا كبيرًا لاستقرار الصين ونموّها. وبالتالي فإن هدف الصين في منطقة شرق آسيا هو تجنّب أي نزاع عسكري فعلي، وفي الوقت نفسه الدفاع عن مصالحها الأساسية التي تتعرض للضغوط الأميركية. في النتيجة، ها هي الصين تستخدم مجددًا استراتيجيا­ت ماو وتتبنى سياسة مرنة: بدلاً من مجابهة الضغط الأميركي مباشرةً في المناطق المحيطة بالصين، اختارت الصين أن تحارب على طريقتها وأن تتحدى الولايات المتحدة في مناطق بعيدة عن الصين، وإنما قريبة من مصالح الولايات المتحدة الأساسية. وبذلك أصبحت إيران – بصفتها دولةً تستطيع أن تتحدّى مصالح الولايات المتحدة الأساسية وحلفائها في الشرق الأوسـط، وتقع بعيدًا عن المناطق *زميل باحث في معهد تشنغدو للشؤون العالمية في مقاطعة سيتشوان الصينية. كان باحثاً وزميلاً في المعهد الدولي للسلام في نيبال، ومستشاراً فخرياً لمؤسسة جيفراج آشريت.

© PressReader. All rights reserved.