إعادة بناء الميناء اللبناني المدمر كابوس حقيقي

Al Ghad - - 11 -

كيلسي د. آثرتون* - )فورين بوليسي( 2020/8/19

السياسة والفساد والوباء كلها عوامل تعوق إعادة بناء مرفأ بيروت؛ شريان الحياة الرئيسي في البلاد

عندما استقر الغبار، بدت الفجوة واضحة للعيان. حيث وقف في السابق مستودع على رصيف يطل على الماء، حلّ الخراب، والحطام والمياه، والحبوب الملوثة. وأدى انفجار ميناء بيروت الذي وقع في 4 آب )أغسطس( إلى مقتل أكثر من 200 شخص، وإصابة الآلاف، وإلحاق أضرار بآلاف المباني، ودفَع الحكومة اللبنانية إلى الاستقالة بعد قيام احتجاجات جماهيرية.

أمـا ما سيأتي بعد ذلــك، فيتوقف في الغالب على اللوجستيات -وعلى قدرة بلد منهك مسبقاً على إصلاح جزء مهم من بنيته التحتية.

لم يؤد انفجار بيروت إلى إعاقة قدرة الميناء على استقبال البضائع فحسب، وإنما تسبب أيضًا في إلحاق أضرار جسيمة بصوامع مرفأ بيروت، التي تبلغ سعتها الإجمالية لتخزين الحبوب نحو 120 ألف طن متري )132 ألف طن(، على الرغم من أنها كانت تحتوي فقط على 15 ألف طن متري مخزنة في الصوامع وقت الانفجار. وأفادت أنباء محلية بأن الانفجار ألحق أضراراً أيضاً بسفينتين كانتا تفرغان حمولتيهما من الحبوب وقت الانفجار، كما أصاب مطحنة دقيق محلية. ومع ذلك، بالمقارنة مع ما أصاب الميناء ككل، فإن هذا الضرر يبقى طفيفاً. ذلك أن ميناء بيروت مسؤول عن توفير 85 في المائة من الحبوب في البلاد. وبينما قد تكون أجزاء من المرفأ جاهزة للعمل بحلول نهاية آب )أغسطس(، فإن ضمان الإمـداد المستمر بالمساعدات للبلد سوف يعني الاعتماد على قنوات أخرى للنقل.

أقرب هذه القنوات الأخرى هو ميناء طرابلس الذي يقع على بعد 43 ميلاً من الساحل حيث يطير الغراب. وهناك محددات في طرابلس: إنه ميناء أصغر له غاطس أقل عمقًا، لكن بالوسع أخذ هذه المحددات بالحسبان والتخطيط حولها. لكن الأهم من ذلك، بينما يتم توجيه الإمدادات التي كانت تتدفق عبر ميناء بيروت إلى مواقع أخرى، هو إدارة واستيعاب الضغوط الجديدة التي سوف تُفرض على هذه الطرق.

يقول ناثانيال ريموند، المحاضر في معهد جاكسون للشؤون العالمية في جامعة ييل: "لا يتعلق الأمر بالحل البديل للمنفذ. إنه يتعلق بمنع الاختناق عند الزيادة المفاجئة. إنه يتعلق بقدرة إدارة الخدمات اللوجستية، بقدرة الجمارك لدى الحكومة المحلية".

وهي مهمة صعبة بالنظر إلى النقص العام في قدرة الدولة اللبنانية في الوقت الحالي، الواقعة في براثن أزمة انعكست في الظروف التي أدت إلى حدوث هذا الانفجار الأخير نفسه. وتعكس السياسة الحالية في لبنان توازناً سياسياً مفصلاً بعناية، معتمداً على آخر إحصاء رسمي للسكان في البلاد، والذي تم إجراؤه في العام 1932، عندما كان لبنان ما يزال تحت حكم الانتداب الفرنسي. وتحتفظ اتفاقيات تقاسم السلطة التي تعمل منذ ذلك الحين ببعض المناصب المحددة لمجموعات عرقية ودينية معينة -رئيس الوزراء دائمًا مسلم سني، والرئيس دائمًا مسيحي مارونيلكنه­ا تصبح منفصلة بشكل متزايد عن التركيبة السكانية الحالية للبلد. بدلاً من ذلك، خلقت هذه الترتيبات منظومات دائمة وذات منفعة متبادلة من نهب الدولة والتهرب الجمركي، مع قيام الفصائل الداخلية بتوجيه الدخل الذي يمكن أن يذهب إلى بناء قدرات الدولة إلى دعم هياكل السلطة الخاصة بها.

سلطات الجمارك هي الوسيط بين البضائع التي يتم تسليمها إلى الدولة والحكومة المحلية، التي توقع الموافقات على توزيع تلك البضائع داخليًا. وهذا ما يجعل منها محورًا رئيسيًا للكسب غير المشروع والإهمال -ويجعل أعمال إعــادة إنشاء الميناء أكثر صعوبة، حيث يطالب الجمهور بأيدٍ نظيفة بينما يقوم السياسيون بمنح مناصب جديدة كمكافآت للمؤيدين السياسيين.

ثمة عامل يزيد الأمور تعقيدًا هو إسرائيل المجاورة للبنان. ويقع ميناء حيفا في إسرائيل على بعد 80 ميلاً فقط إلى الجنوب من بيروت.

يقول ريمون: "حيفا أكبر ميناء في المنطقة. هل ستفتح إسرائيل الخط الأزرق؟ هذه حدود تخضع لدوريات الأمم المتحدة، لكن هناك نقطة تفتيش واحدة فقط بين حيفا وبيروت. ولذلك، فإن السؤال هو، إننا نريد استخدام حيفا لتعويض طرابلس، ولكن ما تحليل التكلفة والفائدة على البيروقراط­ية والعبور من خلال نقطة التفتيش هذه؟".

إن نقطة تفتيش الأمــم المتحدة وموقف الحكومة الإسرائيلي­ة الحالية، إذا لم نقل شيئاً عن التوترات الطويلة الأمد وتاريخ الصراع بين إسرائيل وحزب الله في جنوب لبنان، تجعل من إعـادة الإمـداد عبر حيفا اقتراحًا صعبًا سياسيًا. وإذا تمت إدارته، فمن المحتمل أن يكون ذلك تحت رعاية الأمم المتحدة. وتتواجد قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان منذ العام 1978، ويتمثل جزء من تفويضها المستمر في ضمان وصـول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين.

بحلول السادس من آب )أغسطس(، كان مطار بيروت قد استقبل بالفعل مساعدات من الولايات المتحدة، حيث أعلنت القيادة المركزية الأميريكية أن طائرة من طراز ‪C-17 Globemaste­r‬ سلمت 11 لوحا تحمل من الطعام والماء والإمــداد­ات الطبية. ويمكن أن تستكمل الطرق الجوية التسليم عن طريق البحر، خاصة إذا تمت صيانتها بشكل مستمر، لكنها لا تستطيع استيعاب أي شيء قريب من الحجم نفسه وبالتكلفة نفسها. ويشكل مطار بيروت أيضًا نموذجًا مصغرًا للوضع الأمني متعدد الأوجه في لبنان، حيث ترتبط أجـزاء مختلفة من أمن المطار بمعسكرات سياسية مختلفة في البلاد.

يقول بوجار هوشا، المدير القُطري لمنظمة "كير": "كان لبنان يواجه بالفعل أزمة إنسانية". وتتواجد منظمة "كير" في لبنان منذ العام 2006، وزادت عملها في البلاد بعد بدء الحرب الأهلية في سورية المجاورة. ويقول: "أضف إلى ذلك أزمة اللاجئين السوريين؛ وأضف ‘كوفيد19-’. كانت لدينا أزمة ثلاثية في لبنان. وعندئذ كنا نسأل، هل يمكن أن يزداد الأمر سوءًا؟ نعم يمكن أن يفعل. وقع الانفجار".

كانت إدارة الأزمات الإنسانية المتداخلة قبل الانفجار تعني إدارة توفير السكن والغذاء والمساعدات الطبية. وقد تغيرت الأساليب التي نجحت قبل الوباء بينما ابتعدت المنظمات عن الاتصال الشخصي إلى العمل عن بعد عن طريق الاتصالات السلكية واللاسلكية، الأمر الذي تطلب الكثير من التغيير في الممارسة لتلبية الاحتياجات نفسها. وكانت تلبية احتياجات الإسكان، التي شكلت أزمة مُسبقاً، صعبة عندما أصبح العديد من الناس في الفئات الأكثر ضعفاً يعيشون في ظروف متداعية ويعانون من انعدام الأمن الغذائي.

يقول ريموند: "ما يمكن أن يكون سيئًا حقًا في كثير من الأحيان، خاصة في بداية سريعة مثل هذه، هو أن الناس يبدؤون في إرسال الأشياء. آخر شيء مطلوب هنا هو الأشياء، إلا إذا كنا نتحدث عن طلبات محددة مباشرة من مواد مثل البلازما؛ مثل المستشفيات المتنقلة، وما إلى ذلك".

من المعروف أن الحصول على الأموال للمنظمات التي توزع المساعدات على أرض الواقع هو الطريقة الأكثر فاعلية للمساعدة بالنسبة للأشخاص الموجودين خارج البلاد، لكن هناك بعض العقبات الخاصة المتعلقة بالكيفية التي يتم بها توزيع هذه الأموال المخصصة للمساعدة.

يقول ريموند: "ستكون أسئلة مكتب مراقبة الأصول الأجنبية كبيرة"، مشيرًا على وجه التحديد إلى أن قيود العقوبات الأميركية، التي تمر عبر مكتب مراقبة الأصول

– )المصدر( الأجنبية، تشكل تحديًا لأي مساعدة قد ينتهي المطاف بها وهو توزّع من خلال حزب الله؛ أحد أقوى الفصائل في السياسة اللبنانية. وتفرض وزارة الخزانة حاليًا عقوبات على عدد من أعضاء حزب الله المحددين وعلى المنظمة ككل، بالإضافة إلى الإبقاء على خيار تطبيق العقوبات الثانوية على أي شخص أو مجموعة تتعامل مع حزب الله.

ويضيف ريموند: "سوف تحصل على أنواع مختلفة من المساعدة في أحواض تجميع مختلفة للأموال المقبلة. وعلينا أن نتأكد من عدم توقف القدرة على نقل الأموال بسرعة عندما يكون حزب الله أحد أكبر العوامل في هذا الصدد".

في أفضل الأوقـات، تكون إدارة قضايا الحوكمة حول المساعدة والحواجز القانونية والمادية القائمة أمرًا صعبًا، حتى مع افتراض أن جميع الأطراف تقوم بذلك بحسن نية.

سوف تقع إدارة تدفق الأموال من أجل المساعدة على كاهل اقتصاد كان يعاني مسبقاً، وعلى دينامية سياسية على وشك المزيد من الانهيار بسبب الحكم الذي صدر في قضية اغتيال رئيس الـوزراء السابق رفيق الحريري في العام 2005، التي كان عملاء حزب الله متهمين فيها.

يقول هوشا: "يعيش الناس في لبنان حالة من الصدمة والتروما بينما نتحدث الآن. وأصبحت الحالة أكبر بكثير بعد الانفجار، لكن الناس كانوا عرضة للأزمات الاقتصادية. كانت القوة الشرائية تتراجع بسرعة خلال الأشهر الخمسة الماضية. وفُقدت نصف مليون وظيفة خلال الأشهر الخمسة الماضية. ويعيش 50 في المائة من اللبنانيين تحت خط الفقر؛ هذا من دون آثار الخبرة الأخيرة".

وليست القوة الشرائية مقياساً للمال المتوفر في المتناول فحسب، وإنما للمدى الذي يمكن أن تذهب إليه تلك الأموال بالنسبة لأسعار السلع المحلية. وعلى الرغم من أن القوة الشرائية لا تؤثر بشكل مباشر على المساعدات التي يتم التبرع بها، إلا أنها تجعل من الصعب على الأشخاص شراء السلع التي يتم جلبها، خاصةً عندما يتم نقل هذه البضائع

جواً بدلاً من تسليمها عن طريق البحر. وقد تفاقم كل ذلك بسبب المخاطر التي قد تتسبب في المزيد من التفشيات لفيروس كورونا المستجد "كوفيد19-"، التي تنجم عن جهود التعافي الفورية بعد الانفجار.

مشيرًا إلى لوحة براندون بيرد المسماة، "إنه يوم سيئ في أعالي البحار"، يقول ريموند: "إنه حبار عملاق. إنه حوت. إنه ديناصور هائل. والآن، هذا انفجار عملاق. إن ما هو هذا حقاً هو لغز لوجستي ملفوف في كابوس سياسي".

وسيكون حل هذا اللغز اللوجستي والسياسة المحيطة به من عمل المجتمع المدني اللبناني القوي.

يقول هوشا: "إذا نظرتِ إلى تأثير ما بعد الانفجار، فسوف تلاحظين أن أكثر المبادرات استباقية قد اتخذها المواطنون أنفسهم، والمنظمات المجتمعية والمنظمات الشعبية والمنظمات غير الحكومية المحلية، ونحن في ‘كير’ استجبنا بسرعة. لقد أظهرت منظمات المجتمع المدني أنها نشطة للغاية وأن لديها قيادة متماسكة وقوية للغاية".

في حين تسعى الدول إلى الاستجابة لعواقب الانفجار في الأسابيع والأشهر المقبلة، وفي حال اختارت العمل مع أولئك الموجودين مباشرة على الأرض، الذين لديهم بالفعل خبرة في توزيع المساعدات، فإن ذلك يجب أن يساعد على التغلب على العديد من العقبات التي تأتي بشكل طبيعي مع استجابة متعددة الجنسيات في بلد له هيكلية مقسمة مثل لبنان. إذا كانت الكارثة تنظر في الأمام، فإنها ستأتي في شكل احتكاك مُنتَج؛ استغلال يسعى إلى تضخيم بعض القوى الداخلية على حساب قوى أخرى. أو أنها ستأتي من رؤية الانفجار على أنه أزمة قائمة بذاتها تماماً، وليس كأزمة مندرجة في سلسلة من المصاعب المترابطة والمتشابكة التي يجب أن تتم إدارتها معًا. *صحفية في مجال تكنولوجيا الدفاع، مقرها

البوكيرك، نيو مكسيكو. *نشر هذا التقرير تحت عنوان : Lebanon’s ‪Ruined Port Is a Nightmare to Rebuild‬

الدمار الذي لحق بميناء بيروت بعد الانفجار الكيماوي الضخم الذي ضرب العاصمة اللبنانية

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan

© PressReader. All rights reserved.