Gاجي الع?ي Cان محظوoا..!

Al Ghad - - 8 - علاء الدين أبو `ينة ala.zeineh@alghad.jo

رح��ل ن�اج�ي العلي بعد أن ناشه رصاص غادر في مثل هذه الأي�ام، 29 آب )أغسطس( 1987، ويُعتقد أنه وُلد في العام 1937، قبل عقد من النكبة الفلسطينية تقريبا. وبذلك يكون قد عاش 50 سنة. ولم تكن تلك الفترة التي عاشها ناجي سهلة. بل العكس تماماً. كانت تجربة ذل�ك الجيل من الفلسطينيي­ن م�ن أصعب التجارب الإنسانية في البؤس والإذلال وشظف العي“ على الإطلاق. فبأي معنى يمكن أن يكون ناجي العلي محظوظا «

حقق ناجي نفسه وحضوره في العالم كفنان ومناضل من خلال رسوماته التي صنعت له جمهورا كبيرا وخلّدته في الذاكرة العربية والإنسانية. وبالنسبة لأي فنان أو مفكر أو مبدع، ف”ن عمله وتأثيره يعنيان ما يعنيان فقط إذا وصل إل�ى جمهور مهتم. وف�ي حالة الرسم الكاريكاتو­ري، ف”ن وسيلة إيصاله هي الصحف والمجلات في الأساس، بشرط وجود مساحات ناجية لحرية التعبير هنا وهناك.

بالإضافة إلى ذلك، كانت الفترة التي عاش فيها ناجي العلي مجالا لتفاعلات وتجاذبات، وانتصارات وهزائم، وحوارات واشتباكات. ولم تكن حصيلة تفاعلاتها تراجعاً صرفاً؛ كانت فيها نهضة عربية فكرية واجتماعية، وأفكار وأيديولوجي­ات تقدمية تزاح · م على حيز في المجال العام وتنافس على تفضيلات الأفراد. وكانت هناك حالة ث �ورة، من أج�ل فلسطين ومن أجل تقدم الإنسان العربي. وحتى مع كل الشد العكسي، كان هناك شعور ب”مكانية التغيير والتحرر والإي�م�ان بجدوى العمل. وق�د شكل ذل�ك أطرا حاضنة، ثقافية وأيديولوجي­ة، تخفف شعور الفرد بالوحدة والعزلة وت�زوده بحس من الحماية.

ك�ل ذل �ك تغيّر الآن. منذ عقود، تذهب أحوال المنطقة في اتجاه واحد، انحداري. وربما كان أول منعطف هابط، والذي عايشه ناجي وحرض سخطه، هو معاهدة كامب ديفيد التي بدأت تطبيع ال�ع�دو ف�ي المنطقة وح�رم�ت قضية فلسطين والعرب من ظهير أساسي. ومنذ ذلك الحين، لم تر المنطقة نورا واحدا في العتمة المطبقة، وانعكست وجهة النهضة العربية وكسبت كل القوى والأفكار الرجعية أرضية كل الوقت.

وف�ي أول التسعينيات، بعد وقت قصير م�ن استشهاد ن�اج�ي، جعلت تداعيات قضية العراق والكويت الكثير من المثقفين يقترحون أن أفضل ما يستطيعه الفرد في الواقع الجديد هو مجرد الكفاح للحفا± على نظافته الداخلية، وال�ص�م�ت. واخ �ت �ار آخ �رون التوقف عن معاندة التيار الجارف وتغيير الوجهات.

منذ ذلك الحين، تراجعت الحريات والمساحات، وانفضت التجمعات والأطر، وهُ�زم�ت الأيديولوج­يات والمشاريع التقدمية. وفي المقابل، ترسخت القوى المتصلبة بحيث ب�ات من المستحيل زحزحتها، وذوى الأمل وتوالت الهزائم. والثورة الفلسطينية، التي شكلت مرة طليعة حركة التحرر العربية، فقدت بالتدريج حضورها وأدواتها ولم تعد جاذبة بعد أن أصبحت تشهد هزيمة تلو أخرى. وفي هذه المناخات، انسحبت إلى الظلال أي محاولات تغييرية كانت تحتال لحجز مكان تحت الشمس.

لو عاش ناجي العلي هذه الأيام، ربما لم يكن ليجد صحيفة أو مجلة تنشر رسومه، لأن الكل خائفون ومراقبون. وربما كان الإحباط الطاغي الذي يطبق على المشهد والناس اليوم سيصيبه ويفري كبده ويضيّق موضوعاته. وحتى لو أدرك وسائل التواصل الاجتماعية، التي سُوقت ذات مرة كفضاء واعد بديل

من أجل التعبير الحر، لكان قد اصطدم بالأسلاك الشائكة والممنوعات التي قيدت هذا العالم وتتعقب سكانه فيه وتحاسبهم على ما يفعلون.

لو عاش ناجي الآن، لما وجد جمهورا مهتما بالرؤية والاستماع والتأثر، وقد انفض الأغلبية عن الثقافة والسياسة وال�ف�ن وال�ف�ك�ر، وأص�ب�ح�وا يشككون ف �ي ج �دواه �ا. ول �و ع��اش، ل��رأى اليد الفلسطينية وه�ي تسقط البندقية وت �رف �ع غصن زي �ت �ون ذاب ��ل بيدين مرتجفتين ولا يشتريه أحد. وبدلاً من الخلافات الفصائلية وتحريك الثوابت وتعالي القيادة التي كان ينتقدها، كان سيرى حرب »فتح« و«حماس«، وخديعة »أوسلو« وما جرّته على الفلسطينيي­ن، والاع�ت�راف�ات المتوالية بحق الكيان الغاصب في امتلاك معظم فلسطين. ول �رأى الحائط ال �ذي ك�ان يسند ظهر الفلسطينيي­ن وهو يتداعى قطعة في إثر قطعة.

من حسن حظ ناجي العلي أنه سقط في عز الاشتباك وهو يتأهب للمعركة التالية التي تُخاض مع احتمال الانتصار. ولم يدرك هذا الوقت المهزوم، الذي يموت فيه المحاربون الذين أصبحوا كلهم قدامى، في أسرتهم با أمجاد، »كما يموت البعير .«

الوطن العمانية

Newspapers in Arabic

Newspapers from Jordan

© PressReader. All rights reserved.