اقتصاد العربة وانقطاع الصلة بين البطالة والأجور

Al-Sharq Economy - - الصفحة الأولى -

أجـرى صندوق النقد الدولي على مـدار الثلاث سنوات الأخيرة دراسات مفصلة على أسواق العمل، حيث لاحظت هذه الدراسات أن أسواق العمل في كثير من الاقتصادات المتقدمة أبدت دلائل متزايدة على التعافي من "الركود الكبير" الـذي وقع في الفترة ٢٠٠٨-٢٠٠٩. ولكن رغـم تراجع معدلات البطالة، فقد ظل نمو الأجور ضعيفا – مما يثير سؤالا محيرا: لماذا لا يؤدي ارتفاع الـطـلـب عـلـى الـعـمـالـة إلـى رفـع الأجــــور؟ وفـي سـيـاق إعـداد عـدد أكتوبر ٢٠١٧ من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، أجرى الصندوق أبحاثا ألقت الضوء على أسباب هذه الظاهرة، حيث اتضح أن هـنـاك عـدة عـوامـل مـؤثـرة تفسر هـذا الـنـمـط، وهـي عـوامـل ذات طابع دوري وهيكلي – أو بطيء الحركة ولكن أبرزها ما يسمى بتعاظم دور اقتصاد العربة. وقـد بـرز مفهوم اقتصاد العربة مع التوسع العالمي والعولمة والاقتصاد الحُر، ومع الأزمات المالية والاقتصادية المتكررة من حين إلى آخر، ارتفع عدد الناس الذين لا يجدون وظائف، وظهور مفهوم اقتصادي جديد عٌرِفَ سمي ”اقتصاد العربة“كترجمة لمصطلح ‪Gig Economy”‬ .“وقد تم استعارة كلمة ”عربة“أو gig)( أو ”إزعاج“كترجمة حرفية لـهـا، مـن صناعة المـوسـيـقـى، حيث كـان أصـحـاب عـربـات البيع يستخدمون موسيقى قـد تـكـون فـي بـعـض الأحــيــان مزعجة لـلـتـرويـج لُمـنْـتَـجـاتـهـم، وقـد أشـار الكثير مـن الاقـتـصـاديـين إلـى سبب نمو هـذا النوع من الأعـمـال وبشكله الجديد إلـى تسريح الموظفين والعمال الكبير والمتكرر بسبب الأزمـات الاقتصادية، بالإضافة للبحث عن تقليل النفقات مع تنفيذ المهام أو الوصول لأهـــداف الـشـركـات بـأقـل التكاليف. ويمكن الـقـول إن اقتصاد الـعـربـة (الأعـــمـــال الـحُـرّة) اعـتـمـد بـشـكـل أسـاسـي على التجارة الإلكترونية وعلى منصات تنظيم هذه الأعــمــال. وتـقـوم منصات الأعمال الحُرّة مقام العربة أو المـوسـيـقـى التسويقية لـجـمـيـع المـــتـــعـــامـــلـــين مـن خلالها. وتـبـين أبـحـاث صـنـدوق الـنـقـد الــدولــي إن فـي الـسـنـوات العشر المـاضـيـة شـهـدت عـدة بـلـدان ارتـفـاعـا فـي مـعـدلات العمل بـدوام جزئي غير طوعي (العاملون لأقل من ٣٠ ساعة أسبوعيا الذين يرغبون في العمل وقتا أطـول) وزيـادة في نسبة عقود العمل المؤقتة. ويرجع جانب من هـذه التطورات إلـى استمرار ضعف الطلب على العمالة (الذي يرجع بدوره إلى ضعف الطلب النهائي على السلع والـخـدمـات). وبعض هـذه التطورات تمثل التغيرات المستمرة فـي الـعـلاقـات بـين الـشـركـات والعاملين والـتـي تعكس التحولات الأساسية في الاقتصاد – مع ظهور "اقتصاد العربة" وانكماش القطاعات التقليدية كالصناعات التحويلية. ولذلك فقد يحتاج صناع السياسات إلـى تكثيف الجهود لمعالجة مواطن الضعف التي تواجه العاملين بدوام جزئي. ومن أمثلة الإجراءات الممكنة في هذا الصدد توسيع تغطية الحد الأدنـى للأجور في الحالات التي لا تغطي العاملين بدوام جزئي، وتأمين المساواة مع العاملين بدوام كامل عن طريق إتاحة الإجازات السنوية والعائلية والمرضية على أساس تناسبي، وتحسين التعليم الثانوي وبعد الثانوي لتعزيز المهارات على المدى الأطول. وفـي بلدان الاقـتـصـادات النفطية، مثل الاقـتـصـادات الخليجية، فـإن تـراجـع الإيــــرادات النفطية والضغط على ترشيد النفقات وتقلص فرص التوظيف في القطاع العام مقابل توسع التوظيف فـي القطاع الـخـاص وتـوفـر الأيـدي العاملة الأجنبية بكثرة من جهة، وتعاظم وتشجيع اتجاهات العمل الحر والـريـادة والمهن التي تمارس عبر المنصات الإلكترونية من جهة أخرى جميعها يضغط باتجاه توليد الوظائف لكن بنفس الوقت يتزامن معه بروز هياكل جديدة للأجور منفصلة عن النمط القديم وتتسم باتساقها مـع نـوعـيـة الـعـمـل وحـجـم قيمته المـضـافـة للأنشطة الاقـتـصـاديـة والـخـدمـات الـتـي يـتـعـاظـم الـطـلـب عـلـيـهـا فـي ظل التحولات الاقتصادية التي تشهدها دول مجلس التعاون.

Newspapers in Arabic

Newspapers from Qatar

© PressReader. All rights reserved.