من نوادر الحجر الأمني والسجني قبل الصحي

Al-Sharq - - الصفحة الأمامية -

الـحـجـر لـــدى جـيـلـي لـه تـاريـخ ولـــه طـرائـف، وهذه بعضها للشباب الذي لم يعشها: أول حجر عشته في حياتي ورسخ في ذاكرتي الـطـفـولـ­يـة كـان "حـجـر" المـقـاوم المـسـلـح عـام 1953 صـهـر خـالـتـي ابـــن قـفـصـة (عـثـمـان سـعـيـد) بتشديد الـيـاء رحـمـه الـلـه ثـم عينه بورقيبة بعد الاستقلال ضابطاً فـي سلك الـحـرس الـوطـنـي (أكـيـد أن بينكم مـن جيله مـن عـرفـه) كـانـت عـصـابـة (الـيـد الـحـمـراء) الـذراع المسلحة الاسـتـعـم­ـاريـة ذات ليلة من شتاء 53 تحاصر منزل خالتي جنات زوجة عمه أحمد سعيد (مقابل بـاب الخوخة في القيروان) حيث يختبئ المقاوم عثمان بعد أن نفذ اغتيال أحد أعيان الخونة (ح.ب)، وجاء أعوان اليد الحمراء في سيارة (تراكسيون) ســــــــو­داء وتـــوقـــ­فـــت أمــــــام مــســجــد الــعــلاق­ــي الصغير أمـام منزلنا ومـنـزل خالتي قبيل الفجر، ففتح والدي ستار شباكنا المطل على الساحة بحذر وحدثني بهمس وأنا طفل في السابعة عن سر السيارة ومن نزل منها من أعوان الاستعمار وهدفهم، ولكن والدي كان من قبل اتفق مع عثمان سعيد على الخطة (باء) وفعلا تمت بنجاح، حيث انتقل عثمان مع رشاشه (الـذي طالما لمسته بيدي ببراءة الطفولة أمام أمي المذعورة) من سطح الخالة إلـى سطح بيتنا، وتـم حجره فيها واقتحم أعوان المستعمر منزل الخالة بيت آل سعيد أعمامه ولم يجدوه ولم يخطر على بالهم أنه قـفـز مـن سـطـح سعيد إلـى سـطـح الـقـديـدي الجيران، ووالدي رحمه الله دستوري قاعدي عادي قام بواجبه. أمــا الحجر الـثـانـي ففي خـريـف عــام 1969 كنت أنـا وأحمد الهرقام (متقاعد اليوم من الـجـامـعـ­ة الـعـربـيـ­ة) مـطـلـوبـي­ن للتحقيق في أمـن الـدولـة بسبب موقفنا المـسـانـد لأحمد بــن صـالـح لا لأنـنـا نـؤيـد الـتـعـاضـ­د بــل لأن الـتـعـاضـ­د قـرره بـورقـيـبـ­ة والـحـكـوم­ـة كلها وقلنا وقتها بل وكتبنا: لا يجوز أن يستعمل بن صالح كبش فداء، وكنا نستعد للرحيل إلـــى بـاريـس حـيـث سـجـلـت أنـــا فـي جامعة (فـنـسـان) وأحـمـد سجل فـي المعهد العالي للشؤون الاجتماعية بـبـاريـس.. ولكن تمت مـصـادرة جـوازيـنـا و"اسـتـنـطـق­ـنـا" محافظ الـشـرطـة حسونة الــعــواد­ي وقـيـل لنا "ابقيا عـلـى ذمـة الـتـحـقـي­ـق فـسـنـدعـو­كـمـا قـريـبـا" الحقيقة خشينا مـن عـواقـب الـتـعـذيـ­ب في دهليز الداخلية والإيـقـاف لهول ما سمعنا مـن روايـات أصـدقـائـن­ـا المـتـهـمـ­ين بـالانـتـم­ـاء لـجـمـاعـة أفــــــاق (بـرسـبـكـت­ـيـف)، وخـاصـة صديقي وابن مدينتي القيروان إبراهيم رزق الله (الطبيب فيما بعد وكنت أنا ملازمه في القيروان بعد إطـلاق سـراحـه!) وفكرنا في الاختفاء عن أنظار الأمن لأسابيع واتجهنا إلـى صـديـقـنـا وابـــن مدينتنا (عـبـدالـرح­ـمـن الرحماني) وهو ضابط في الحرس الوطني بـالـزي الرسمي (وأصـبـح بعد ذلـك محامياً فـي الــقــيــ­روان) وطـلـبـنـا مـنـه أن نختبئ في شـقـتـه الـصـغـيـر­ة وهـي تـقـع فـي نـهـج 18 جانفي ملاصقة لأمـن الـدولـة فامتنع وقـال لنا: "يا أولاد الكلب باش تبيلكوني أنا ضابط في الحرس وشقتي جارة الداخلية" وقلنا له يا خونا عبدالرحمن لا ملجأ لنا سواك فأنت لن يتطرق إليك الشك وذكرناه بقيم النجدة

وإجـــــار­ة المستجير فـاقـتـنـع واسـتـيـقـ­ظ فيه ضمير الشباب الثوري الزيتوني من تحت الـزي الرسمي وبالفعل "تم حجرنا أسابيع في شقته يأتينا هو بأكلنا وبعض الصحف ونـسـهـر مــع الأدب والـشـعـر وبـعـض طيش الشباب" فالتحية لك من الأعماق بعد نصف قرن يا عبدالرحمن وحيا الله ذلك الحجر.. الأمني قبل هذا الحجر الصحي!، أما نوادر الحجر السجني في وطني قبل الثورة وربما فـي أغلب أرجـاء العالم العربي فهي كثيرة تستحق أن أقص بعضها على الشباب من القراء وأبـدأ بما قصه عليّ الصديق ورفيق المـنـافـي د. المـنـصـف المـرزوقـي (الـرئـيـس الأسبق) حين كنا نتجول معا أيام الأحد في الغابة المحيطة بمنزلي الريفي في ضواحي بـاريـس وهـو يـحـب الـريـف والـطـبـيـ­عـة كـان يحدثني عما عاشه في سجن زين العابدين بن علي قال لي: كنت في العنبر مع سجناء آخـريـن أحـتـفـظ دائـمـا بــعــود ثــقــاب (عـرف وقيد بالتونسي) في جيبي فقلت له حسب علمي أنت لا تدخن قال لا طبعا والسر هو أن جهاز التلفزيون القديم الأبيض والأسود الموجود في العنبر في سجن (9 أفريل) كان هـو الوسيلة الوحيدة لمعرفة مـا يجري في تـونـس حتى مـع الـتـلاعـب بـالأخـبـا­ر وغسل العقول ومشاهد الزغرادات المضحكات أمام "السيدة الأولى" ولكن جهاز التلفزيون يعمل بصعوبة ثم يتوقف بدون سبب ونحرم من متابعة المهازل الإعلامية فأليت على نفسي أن أجتهد بلا خبرة حتى أكتشف سر الخلل ووفـقـنـي الـلـه إلـى مـعـرفـة الـداء التلفزيوني وهـو في غاية البساطة.. مجرد علة في زر فتحه وإغلاقه لأنه غير مثبت بصورة قوية فحاولت تثبيته بعود ثقاب أدسه بين "الزر" المـتـمـرد الـلـعـين والـجـهـاز المـتـهـال­ـك السجين وكانت المفاجأة لي وللسجناء إذ استقرت الـشـاشـة تعطينا أخـبـار إنـــجـــا­زات "صـانـع التحول" ومطامع حرمه في السلطة من بعده وخـاصـة زغـاريـد النساء التجمعيات! نعم مجرد عـود ثقاب أعـاد لنا بث القناة الأولـى والثانية (اسمها السابع تيمنا) فهلت علي من رفـاق الزنزانة عبارات الشكر والتهاني تقديراً لخبرتي التكنولوجي­ة!.

كاتب تونسي

‪alqadidi@ hotmail. com‬

Newspapers in Arabic

Newspapers from Qatar

© PressReader. All rights reserved.