د. مأمون مبيّض: رمضان المبارك فرصة مثالية لتغيير العادات السلبية

She and He - - دنيا الأسرة - حوار: سماح عماش

كلنا نعلم بأن الإنسان يرغب أحياناً بتغيير بعض عاداته وسلوكياته للأفضل، إلا أنه قد يفشل أو يعجز عن القيام بهذا التغيير، وذلك لأن تلك العادات تتأصل عنده شيئاً فشيئاً، وتصبح مع الوقت سجناً يكبلُه، ويمنعه من ممارسة حياته بشكل طبيعي بعيداً عن الأنماط الحياتية التي اعتاد عليها، وتغيير السلوك وتعديله هو من المواضيع المهمة التي تبحث فيها باستمرار العلوم النفسية المختلفة، وهنا يبرز السؤال الأهم، هل يمكننا حقاً تغيير عاداتنا وسلوكياتنا، وإلى أي درجة نستطيع التغيير، وكيف؟ وهل شهر رمضان المبارك يمكن أن يكون فرصة مثالية لتحقيق هذا الهدف، أسئلة كثيرة طرحناها على الدكتور مأمون مبيض، استشاري الطب النفسي، مدير إدارة العاج والتأهيل في مركز دعم الصحة السلوكية، فماذا قال؟..

لماذا تغيير العادات لدى الإنسان يعتبر من أصعب الأمور؟

تغيير العادات يُعتبر حقاً من أصعب الأمور، وذلك لأنه أصبح لتلك العادات ارتباط عضوي فيسيولوجي في دماغ الإنسان، كما أن عقل الإنسان يُعتبر معقداً جداً من حيث بنيته، وطبيعة الوظائف والعمليات الفكرية الكثيرة التي تجري فيه كالأفكار والمشاعر والعادات والسلوكيات والكلمات والذكريات. ولهذا كله نرى أنه ليس من السهل تغيير السلوك، وخاصةً الذي تكرر فأصبح عادة، وبالتالي فكل المحاولات المتسرعة لتغيير السلوك أو بعض العادات، يغلب عليها في كثير من الأحيان الفشل، وإذا ما أراد الإنسان تغيير عادة أو سلوك ما لكونه سلبياً أو ضاراً، فمن المفيد أن نعرف أن العقبة الأكبر أمام تحقيق هذا الهدف هو الإنسان نفسه، وليست البيئة الخارجية، لأن العوامل الداخلية هي الأساس، وكما يقول الله تعالى «إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم» (الرعد 11.)

ما هي المعوقات النفسية أو العقلية التي تؤثر على قدرة الإنسان لتغيير عاداته؟

تتنازع الإنسان عادةً قوتان متصارعتان بين الإقدام والإحجام، وبين الفعل أو عدمه، ويحتاج الإنسان للحفاظ على سلامته لكلا هاتين القوتين، ففي بعض المواطن يفيده الفعل والإقدام، وأحيانا أخرى يفيده الامتناع والإحجام، وهو دوماً بحاجة لتدريب كلا هاتين القوتين في داخله، لأنه بحاجة لتحقيق التوازن بينهما. وبالنسبة لقوة الإقدام فهي قوية متأصلة بطبيعتها عند غالبية الناس، بل الإنسان مجبولٌ عليها، ومثالها السلوكيات التي تغلب عليها مشاعر الرغبة والتمني والطمع والأخذ والاستعجال، أما قوة المنع والإمساك هي التي تحتاج إلى تدريب وانتباه، وكمثال، فقد احتاج آدم عليه السلام وزوجته حواء للتدريب العملي على تنميّة هذه القدرة عن الامتناع وضبط النفس، وذلك من أجل العيش في الأرض وإعمارها كما أمره الله تعالى، حيث أباح الله تعالى لهما الأكل من كل أشجار الجنة «وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رَغداً حيثُ شِئتما...» ولكن وضع لهما ما يدربهما عن الامتناع فقال لهما «... ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين» )البقرة 35.) كما أن الله تعالى قد وضع في جهازنا العصبيّ من خلال مراكز دماغية محددة، ونواقل عصبية معيّنة القدرة على منع النفس من الإقدام، وعلى ضبط النفس عن الفعل، وهذا ما يفسّر الظاهرة النفسية المعروفة وهي الإقدام أو الإحجام fight/flight(.)

إلى أي مدى الإنسان بحاجة لامتاك القدرة على الامتناع أو الإحجام عن السلوك السلبي؟

الإنسان في حاجة دوماً لامتلاك القدرة على الامتناع، وعدم الإقدام على عمل ما، بل إن الكثير من مآسي الأفراد والمجتمعات إنما هي في

فقدان أو ضعف هذه القوة من ضبط النفس وإمساكها عن السلوكيات والعادات السيئة، حيث نجد الجشع والسرقة والاحتيال وإتيان المعاصي والمحرمات... والانسياق وراء المغريات والمثيرات، وكأن الإنسان ليس لديه مكبح يلجم النفس ويمسكها ويمنعها، والله تعالى امتدح الإنسان الذي يملك زمام نفسه، ووعده بالجنة لهذه الخصلة فقال تعالى «وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى» (النازعات ‪.)41- 40‬

ما دور شهر رمضان المبارك في تدريب الإنسان على ضبط النفس؟

بالطبع رمضان المبارك شهر عظيم في تدريب هذا الجانب المهم في الإنسان، وهو ضبط النفس ومنعها من كل ما يضر، والذي يُعتبر الجانب الأضعف عند الإنسان، فالمسلم الصائم يقوّي عنده هذه القدرة طوال هذا الشهر الفضيل، حيث يمنع نفسه طيلة ساعات النهار عن المفطرات المادية والمعنوية، بالرغم من شدة إغرائها، وميل النفس إليها، فنجده طوال نهاره يذكـّر نفسه بأنه صائم، فهنا تنتصر الروح على الغريزة، والنفس على الجسد، والجانب المعنوي على المادي، والجانب الإنساني على الحيواني، وبالتالي يكون الإنسان بهذا الشكل كاملاً، والإنسان الكامل في الإسلام ليس الذي يكبت غريزته بشكل كلي، فهذا غير ممكن، وليس هذا من طبيعة الإنسان والأشياء، وإنما هو الذي يُمسك نفسه عندما يتوجب

رمضان يعلمنا القدرة على ضبط النفس والإحجام عن العادات السيئة

عليه إمساكها، ويطلقها عندما يكون هذا هو المطلوب. ومن هنا نهتم نحن التربويون وأطباء النفس بهذا الشهر الكريم لأنه فرصة مثالية مناسبة يمارس فيها الإنسان، وكل المجتمع الصائم، هذا التدريب اليومي على تنمية القدرة على قول «لا» وبالتالي زيادة احتمال النجاح في تغيير العادات وأنماط الحياة التي قد نكون اكتسبناها خلال العام.

ما السلوكيات التي يساعد شهر رمضان على تغييرها، وذلك وفقاً لرؤيتكم؟

هناك الكثيرين من الناس ينجحون حقاً في تغيير سلوكياتهم عن طريق تغيير عاداتهم، فهناك أناس مثلاً يتوقفون عن التدخين، أو عن الشراء الذي لا مبرر له، أو يتبعون نظام تغذية صحي، أو المواظبة على الصلاة، أو التوقف عن بعض السلوكيات المحرمة، أو الاعتياد على الاستيقاظ المبكر بعد تنظيم النوم.

هل يمر الإنسان بمراحل ليستطيع تغيير سلوكه وعاداته؟

بالطبع تغيير السلوك المتأصل لا يحصل بين يوم وليلة، وفي الطب النفسي، تغيير السلوك أو العادات يمرّ بخمس مراحل، وهي: مرحلة ما قبل التفكير في التغيير: وهي المرحلة التي لم يفكر فيها الإنسان بعد في تغيير سلوكه، أو غير راغب أو غير قادر على هذا التغيير، بل قد لا يدرك أن لديه مشكلة أصلاً. مرحلة التفكير في التغيير: يبدأ الإنسان في هذه المرحلة يدرك باحتمال وجود المشكلة، غير أنه يكون متردداً في التغيير، ويكون غير متأكد بما هو مطلوب عمله. مرحلة التحضير للتغيير: في هذه المرحلة يقتنع الإنسان بوجود المشكلة أو العادة التي تحتاج للتغيير، ويبدأ الإلتزام بالتخطيط لهذا التغيير في المستقبل القريب، ولكن لا يزال يفكر في كيفية فعل ذلك، أو في وقت التنفيذ، وهنا قد يسوّف ويؤجل.

مرحلة التنفيذ : يكون الفرد في هذه المرحلة قد اقتنع، وبدأ في اتخاذ خطوات فعلية للتغيير، إلا أنه لم يصل بعد إلى مرحلة الاستمرار الكامل في التغيير. مرحلة الاستمرار والمحافظة على التغيير: هنا يكون الفرد قد تمكن من تحقيق الأهداف الأولية للسلوك المطلوب، ويعمل على الاستمرار والمحافظة على هذا السلوك.

هل هناك خطوات معينة تساعد الإنسان على تغيير سلوكه؟

نعم هناك خطوات تساعدنا على تغيير عاداتنا وأهمها:

1-اعرف نفسك

اعرف نقاط قوتك وضعفك، واستفد من هذه المعرفة معززا الأولى ومتحرراً من الثانية. اعرف ما الذي يحفزك للتغيير، وابنِ عليه. زدّ من ثقتك في نفسك، فهذا مما يحسن فرص نجاحك. احرص على ما ينفعك. تعرّف على العقبات والتحديات الممكنة.

2-غير في عقلك أولاً

لتنجح في القيام بالتغيير الفعلي، عليك أولاً أن تحدث هذا التغيير في عقلك قبل واقعك. تجنّب ما يذكرك أو يُعيدك للسلوك القديم الذي تريد تغييره. أوجد بدائل سلوكية إيجابية بدلاً عن السلوك الذي تريد تغييره، ومارس هذا السلوك الجديد ليصبح عادة.

3- كن إيجابياً

ركزّ على الإيجابيات، ولا تستهلك نفسك بالتفكير في السلبيات. اذكر الإيجابيات والنجاحات في حياتك، واشكر الله تعالى عليها. أوجد شبكة علاقات اجتماعية داعمة ومؤيدة للسلوك الجديد الصحيّ. احتفل بالنجاحات وكافئ نفسك على السلوك الإيجابي المرغوب.

4-اعتن بنفسك

كثيراً ما نقوم بالسلوكيات السلبية للتخفيف من قلقنا وتوترنا، فحاول تخفيف هذا القلق والتوتر عبر رعاية ذاتك بالأنشطة الصحيّة. التعب والنعاس والجوع والملل سلوكيات قد تدفعنا للسلوك السلبي، فاحرص على نمط الحياة الصحيّ. تذكر أن مما يساعدك على تغيير السلوك رعاية ذاتك، وشعورك بكفاءتك وإمكاناتك. احرص على الاسترخاء، وأخذ قسطاً من الراحة والتأمل والتفكر والصلاة والدعاء. بالرغم من عزمك على التغيير، اقبل نفسك وقدّر ذاتك، فهي التي ستقوم بالتغيير المطلوب.

5-اصبر وثابر

يحتاج التغيير للوقت والصبر، فأعطه الوقت اللازم، ولابد أيضاً من المثابرة. احرص على التغيير المتدرج لأن التغيير السريع يزول سريعاً، وكما جاء في الحديث النبوي «أحب الأعمال إلى الله أدومها، وإن قلّ». قد يكون التغيير مؤلماً أحياناً، ولكن مع الوقت يخفّ هذا الألم، وتقوى الإرادة تدريجياً.

كم المدة التي نحتاجها لتغيير السلوك؟

يقال علمياً بأن تغيير السلوك يحتاج بين 20-30 يوم، ولعل في هذا حكمة صيام شهر رمضان، وفي رمضان شهر الخير والبركة فإننا نقوم بمثل هذا التغيير، متطلعين إلى تلك الدرجة الرفيعة في امتلاك النفس وصولاً بها إلى درجة «التقوى» التي طلبها الله تعالى منا، مما يصب في ضبط النفس، تقبل الله الصيام، وأعاننا على ضبط النفس، وتغيير السلوك والعادات.

د. مأمون مبيّض

Newspapers in Arabic

Newspapers from Qatar

© PressReader. All rights reserved.