املفكر العربي

Arriyadiyah - - News - طالل احلمود

من أشهر املسميات التي ذاعت طويالً في محيطنا العربي، مسمى "مفكر"، وهو اصطالح حقيقي كان يطلق على املتنورين، من أمثال طه حسني ومحمود عباس العقاد وغيرهما، قبل أن يتم تفريغه من محتواه ويصبح حكرا على املثقفني أصحاب النزعة القومية أو اإلسالمية دون غيرهم، بدليل عدم وجود ملسمى مفكر اقتصادي أو تقني، أو حتى رياضي!.

"املفكر العربي" املعاصر، ميتلك مواصفات خاصة، وقدرات خارقة، من أبسطها معرفة بلدان اخلليج أكثر من أهلها، وتشخيص مشاكلها أكثر من حكوماتها، بل طرح احللول الغوغائية أحيانا حتت تصنيف الفوضى امللهمة، أو التشظي االجتماعي داخل بوتقة األنظمة الرجعية، أو تقطير احلضارات في ذهن املتلقي!. وهذا "املفكر" ميتلك ثقة عجيبة بقدرته على حتريك الشارع العربي، اعتمادا على تراكماته الثقافية وحصيلته اللغوية، ورمبا كانت ثقته في محلها خالل القرن املاضي، إال أنه أصبح اآلن خارج حسابات الزمان واملكان!.. حتى بات املفكر العربي يغيب طويال دون أن يفقده أحد، ورمبا ميارس طقوسا مثل "التتنيح" في اجلدران أليام دون أن يرن هاتفه!، لكنه مبجرد سماع أصوات الغوغاء في الشارع، ينهي اعتكافه ويخرج من صومعته ليبدأ في التقطير!.

"املفكر العربي" في زماننا نذر دماغه امللكي للتفكير وال شيء غير التفكير، حتى أصبح ينزعج من احلديث عن جديد التكنولوجيا، أو التحول االقتصادي، أو فساد جوزيف بالتر، أو وسائل التواصل االجتماعي!، حتى بات هذا املفكر جاهال مبحيطه، وبال نتاج مؤثر؛ ألن مدخالت دماغه القدمية ال تكفي حلل مسألة بسيطة!

وألن لكل ساقط القطا، وجد "املفكر العربي" في قطر املأزومة واحملتقنة ضد محيطها، حاضنة ميكن أن تعيد أفكاره البالية إلى الواجهة، وتساعده على تفريغ ما بداخله من كراهية ضد بلدان اخلليج وشعوبها؛ ولهذا حج "املفكر العربي" عزمي بشارة إلى الدوحة ملساعدة حكومتها في بعثرة أوراق الدول العربية وخاصة اخلليجية، معتمدا على قدراته اخلارقة في معرفة اخلليج أكثر من أهله!

وألن عزمي بشارة يعتمد املدرسة الكالسيكية في تسويق نظرية املؤامرة، وألنه "املفكر العربي" الذي ال يهتم إال بالشأن السياسي اخلالص، بات هذا العزمي يراهن موهوما على حتريك الشارع السعودي ضد حكومته، معتمدا على معلومات تعود إلى السبعينيات، ومن أهمها نسبة األمية التي كانت تصل إلى 50 في املئة، ولو كلف نفسه بتعلم التقنية وحتديث معلوماته، لوجد أن السعودية من أصعب البلدان التي ميكن اختراقها بالتحريض؛ ألن نسبة األمية تراجعت بني مواطنيها إلى 3 في املئة، وال تقارن إطالقاً بالبلدان التي استهدفتها قطر في موجة الربيع العربي!، إذ تقل نسبة األمية في السعودية عن تونس وليبيا وسوريا ومصر واليمن بفارق كبير تظهره اإلحصاءات بوضوح.

اجملتمع السعودي "املتعلم" أصبح يتابع ويلم بكل ما حوله من متغيرات، سياسية، اقتصادية، اجتماعية، أدبية، فنية، رياضية، تقنية، مبعنى أن "املفكر العربي" املعزول عن محيطه، بات ال ميتلك القدرة حتى على إقناع املراهقني، فما بالك بالفئات العمرية األعلى!، وحتى ال نظلم هذا "املفكر"، يجب أال نضع اللوم عليه كامال؛ ألنه في نهاية األمر بياع كالم، و"رزق الهبل على اجملانني"، فهو وجد من استقدمه ليوليه على شبان قطر، ويضعه وصيا على اإلعالم في بالدهم، حتى بات يحدد لهم ما يقال، وما ال يقال!، علًما أن قطر أيًضا من أقل الدول العربية في نسبة األمية، ويصعب على "املفكر العربي" أيضا، التفاهم مع شبان قطر الذين يفوقونه قدرة على التفكير، باستثناء قدرته على التفكير بنسج املؤامرات!.

كاتب صحفي TALALHOMOUD@

Newspapers in Arabic

Newspapers from Saudi Arabia

© PressReader. All rights reserved.