مقدمة الدراسة

مالمح الخصوصية واالنكشاف في عصر التقنيات الذكية

Future Studies - - دراسات المستقبل - د. فاطمة الزهراء عبدالفتاح*

أدى التزايـد الهائـل يف أعـداد مسـتخدمي األجهـزة والتطبيقـا­ت الذكيـة والنمـو املتصاعـد يف تقنيـات جمــع البيانــات ومعالجتهــ­ا، والربــط بــن كل ذلــك بتقنيــات الشــبكات واالتصــاا­لت املتقدمــة، إلعــادة تشـكيل العـامل مـن قبـل رشكات التكنولوجي­ـا التـي تصمـم منتجاتهـا الرقميـة بشـكل يسـمح لها بالسـيطرة الكاملـة عـى بيانـات املسـتخدمن، وهـي البيانـات التـي باتـت ال تقتـر عـى بيانـات االتصـال أو تفضيـات الـرشاء أو املوقـع الجغـرايف وإمنـا متتـد للبيانـات الحيويـة، مثـل بصـات الصـوت والعـن واألصابـع والصفـات الوراثيـة ومامـح الوجـه املميـزة، وهـو مـا يوفـره املسـتخدمو­ن عـن أنفسـهم وعـن دوائرهـم االجتاعيـة، بشـكل طوعـي متامـاً ومـن دون أدىن سـيطرة منهـم عـى كيفيـة وطـرق اسـتغاله.

تجعـل هـذه التطـورات مـن الحديـث عـن الخصوصيـة أمـراً ينتمـي للـايض، السـيا مـع تداخـل عوامــل اقتصاديــة وسياســية تجعــل مــن جمــع البيانــات الشــخصية ثــروة وقــوة ال تقــدر بثمــن، مبــا يخلــق فواعــل عــدة، متنافســة أو متــآزرة، تتســابق لجمــع البيانــات عــر طــرق مبتكــرة تفتــحٍ املجــال أمـام أصغـر الـرشكات لجمـع بيانـات ضخمـة عـن مايـن املسـتخدمن ملجـرد املشـاركة يف تحـد صاعـد مـن تحديـات شـبكات التواصـل االجتاعـي، األمـر الـذي يؤسـس يف مجملـه لحالـة مـن االنكشـاف املعلومــا­يت يف بيئــة رقميــة جديــدة شــكلتها تقنيــات الــذكاء االصطناعــ­ي ‪)Artificial Intelligen­ce(‬ وتحليــات البيانــات الضخمــة ‪)Big Data Analysis(‬ التــي تتدفــق إليهــا املعلومــا­ت عــر الحواســيب والهواتـف وكامـريات الشـوارع واملسـوح البيومرتيـ­ة وغريهـا مـن التقنيـات “الذكيـة” التـي يبـدو أنهـا أنهـت عـر الخصوصيـة.

هـذه السـيطرة العامليـة مـن قبـل عالقـة التكنولوجي­ـا تجابههـا حركـة عامليـة تضامنيـة للحـد مـن تلـك الهيمنـة، كـا تاحقهـا السـلطات الترشيعيـة بتنظيـات قانونيـة تكافـح لحايـة حقـوق األفـراد وتفـرض غرامـات غـري مسـبوقة يف حـاالت االخـرتاق املعلومـاي­ت إلجبـار الـرشكات عـى تعديـل سياسـاتها مبـا مينـح األفـراد قـدراً مـن التحكـم يف البيانـات التـي يتـم جمعهـا عنهـم، بيـد أن تلـك االتجاهـات التـي تعـر يف مجملهـا عـن حركـة مقاومـة عامليـة لتقويـض االنكشـاف املعلومـاي­ت املتنامـي، ال تتحقـق بشـكل عــادل ومتــوازن، إذ يحظــى الشــال بالقــدر األكــر منهــا فيــا ال يــزال الجنــوب فريســة الســتغال البيانـات؛ مـا مينـح تلـك الـرشكات قـوة هائلـة عـى اخـرتاق مجتمعـات الجنـوب األقـل حظـا تقنيـاً وترشيعيـاً.

وتتنــاول هــذه الدراســة مفهــوم الخصوصيــة والعوامــل التــي أدت إىل بنــاء بيئــة رقميــة جديــدة تهددهــا وتنــذر بانقراضهــ­ا، عــر تحليــل التحــوالت الضاغطــة عــى خصوصيــة األفــراد باملجــال االفـرتايض وأسـباب تراجعهـا، وذلـك مـن خـال ثاثـة محـاور يعالـج األول التحديـات الجديـدة التـي باتـت تواجـه خصوصيـة البيانـات، مبـا يؤسـس ملفهـوم االنكشـاف املعلومـاي­ت، والثـاين يرصـد األدوات األساســية التــي أدت لحالــة االنكشــاف املعلومــا­يت، فيــا يســتعرض األخــري اتجاهــات املقاومــة ضــد انتهــاكات الخصوصيــة عــى الصعيــد التقنــي والقانــوي­ن والســيايس.

أوًال: أركان وخصائص ”االنكشاف المعلوماتي“

يوضـح تاريـخ الخصوصيـة العاقـة القويـة بينهـا وبـن والتطـور التقنـي بـدءاً مـن النقاشـات الحديثـة التـي بـدأت مـع اسـتخدام الكامـريات وصـوالً إىل منـو مجتمـع املعلومـات الـذي يتـم فيـه جمـع وتخزين

* مدرس اإلعالم وتكنولوجيا االتصال بجامعة األهرام الكندية، مصر

البيانــات الشــخصية بشــكل مســتمر، عــى نحــو ال يقــر الحديــث عــى تــآكل الخصوصيــة فحســب، وإمنـا ينـذر بالدخـول يف حالـة “مجتمـع املراقبـة”(1).

فقـد أصبحـت أجهزتنـا “تعـرف” املـكان الـذي نعيـش فيـه، ومـا هـو عمرنـا، والكتـب التـي نحبهـا أو نوعيـة املنتجـات التـي نسـتخدمها، حتـى أنهـا باتـت تتوقـع سـلوكنا وتقـرتح علينـا مـا نفعلـه ألنهـا تعلـم مـا نـود فعلـه، فهنـاك قواعـد بيانـات ضخمـة حـول التاريـخ املـايل واالئتـاين الفـردي والسـجات الطبيـة واملشـرتيا­ت واملكاملـا­ت الهاتفيـة وغريهـا مـن املعلومـات الشـخصية فيـا ال يعـرف املسـتخدمو­ن مـا هـي املعلومـات املخزنـة حولهـم أو مـن الذيـن ميكنهـم الوصـول إليهـا.

ويف هـذا اإلطـار تتمثـل أهـم أركان “مجتمـع املراقبـة” الـذي رسـمت مامحـه البيئـة التكنولوجي­ـة الجديـدة فيـا يـي: -1 اتسـاع حجـم السـوق الرقميـة: تشـري اإلحصـاءات إىل وجـود 4.2 مليـار مسـتخدم لإلنرتنـت ميثلون %55.1 مـن سـكان العـامل يف 30 يونيـو 2018 وهـو مـا يزيـد بنسـبة %1066 عـى عـدد مسـتخدمي اإلنرتنـت يف العـامل عـام ،2000 وأن حصـص هـؤالء املسـتخدمن تتبايـن مـن منطقـة إىل أخـرى وفـق معـدالت التقـدم والنمـو، حيـث تبلـغ %95 مـن إجـايل السـكان يف أمريـكا الشـالية وتنخفـض إىل %36.1 يف أفريقيـا(2).

ووصـل عـدد مسـتخدمي الهواتـف املحمولـة عـام 2019 نحـو 5.1 مليـار ميثلـون %67 مـن إجـايل سـكان العـامل ويسـتخدمون 8.8 مليـار هاتـف منهـم %63 هواتـف ذكيـة بإجـايل 5.5 مليـار هاتـف ذيك حـول العـامل(3) قـادرة عـى االتصـال باإلنرتنـت والقيـام بعمليـات الرتاسـل والتصفـح والـرشاء وغريهـا مـن التفاعـات مـع الشـبكة الدوليـة مـا يعنـي مزيـداً مـن املعلومـات والتتبـع اللحظـي ملسـتخدمي تلـك الهواتـف.

وتشــري هــذه اإلحصــاءا­ت إىل أن الخصوصيــة يف املجــال االفــرتاي­ض ومناقشــة مخاطــر اســتغال البيانـات واالتجـار يف املعلومـات الشـخصية قـد أضحـت قضيـة عامليـة اتسـعت رقعـة املترضريـن منهـا لتضـم مليـارات املسـتخدمن. -2 تطــور تقنيــات جمــع املعلومــا­ت: أدى انتشــار الهواتــف الذكيــة واألجهــزة اللوحيــة إىل انكشــاف هائـل يف البيانـات الشـخصية عـر مـا تجمعـه تلـك األجهـزة مـن تفاصيـل دقيقـة ولحظيـة عـن سـلوك وأنشـطة املسـتخدمن، وهـو مـا يعـد جـزءاً مـن بيئـة تزدحـم بوسـائل جمـع املعلومـات بـدءاً مـن األجهزة القابلـة لارتـداء مـن سـاعات ونظـارات وأسـاور، إىل السـيارات الذكيـة املـزودة بلوحـات رقميـة قـادرة عــى تســجيل الســيارة وتســديد الرســوم والغرامــا­ت، وكذلــك األجهــزة واأللعــاب التــي تعمــل بتقنيــة إنرتنـت األشـياء، وصـوالً إىل أقـراص رقميـة يبتلعهـا املـرىض وتخـزن معلومـات دقيقـة عـن حاالتهـم وهـي التقنيـة التـي وافقـت إدارة الغـذاء والـدواء األمريكيـة عـى اسـتخدامها يف نوفمـر ،2017 فضـاً عـن التوسـع يف اسـتخدام تقنيـات تحديـد املواقـع الجغرافيـة والتعـرف عـى الوجـوه.

وحتـى األنشـطة اإللكرتوني­ـة غـري املتصلـة باإلنرتنـت ميكـن توظيفهـا يف جمـع البيانـات وتحليلهـا، إذ ميكـن اسـتخدام “الشـيفرة العموديـة” ‪)Bar Code(‬ يف تتبـع مشـرتيات األفـراد، كـا ميكـن اسـتخدام بطاقـات السـفر الرقميـة يف تتبـع رحـات األفـراد(4). -3 ظهـور أنـواع جديـدة مـن البيانـات: مل تعـد البيانـات الشـخصية التـي يتـم تخزينهـا عـن األفـراد تقتـر عـى االسـم والعنـوان ورقـم الهاتـف وغريهـا، وإمنـا متتـد إىل العـادات والتفضيـات ودوائـر املعـارف واألصدقـاء واملعتقـدا­ت السياسـية والدينيـة وامليـول الجسـدية والسـلوك والبيئـة املحيطـة.

وإىل جانـب تلـك املعلومـات النفسـية واالجتاعيـ­ة، باتـت التقنيـات الحديثـة تجمـع وتخـزن معلومـات هائلـة عـن أجسـادنا فيـا يعـرف باملقاييـس الحيويـة ،)Biometrics( مثـل بصـات الصـوت والعـن واألصابـع والصفـات الوراثيـة ومامـح الوجـه املميـزة، كـا ميتـد األمـر ملراقبـة التفاعـات الجسـدية التـي تكشـف عـن املشـاعر، مـن خـال نظـام يسـمى “نظـام مراقبـة املشـاعر”، والـذي قالـت صحيفـة صينيـة إن مـا ال يقـل عـن 12 مصنعـاً ورشكـة تسـتخدمه ملراقبـة العـال يف الصـن، حيـث يتـم تركيـب حساســات خفيفــة الــوزن يف خــوذات العــال تنقــل موجاتهــم الدماغيــة لخوارزميــ­ات ذكيــة تقــوم بتحليلهـا، بحيـث تقِّيـم الحالـة العاطفيـة واملزاجيـة لـكل منهـم، بهـدف تجنـب املشـكات التـي تسـببها االضطرابـا­ت العاطفيـة والنفسـية عـر السـاح بالعطـات أو تعديـل املهـام(5). -4 انتشـار تحليـل البيانـات الضخمـة: ترتاكـم البيانـات املتنوعـة واملتدفقـة مـن مصـادر متشـابكة يف تفاصيـل حياتنـا كافـة يف هيئـة حـزم ضخمـة، وهـو مـا أنتـج حالـة مـن االنفجـار املعلومـاي­ت حتـى أن رشكـة “آي يب إم” قـدرت حجـم البيانـات التـي يتـم إنتاجهـا يوميـاً حـول العـامل بنحـو 2.5 كوينتليـون بايـت(6)، وعـى شـبكة اإلنرتنـت يقـوم املسـتخدمو­ن يف اليـوم الواحـد بعمليـات مـرور بحجـم 4.5 مليـار جيجــا بايــت ويرســلون 172.1 مليــار رســالة بريــد إلكــرتوين ويجــرون 4.4 مليــار عمليــة بحــث عــى جوجــل وينــرشون 503.4 مليــون تغريــدة عــى تويــرت ويحملــون 54.7 مليــون صــورة عــى إنســتجرام ويجـرون 235.4 مليـون اتصـاالً عـر سـكايب(7). هـذا التضخـم يف حجـم البيانـات التـي تتدفـق عـر عـدد ال نهـايئ مـن املصـادر وبشـكل لحظـي وبوتـرية فائقـة كان مـن الصعـب إدارتـه وفـق الطرق التقليديــ­ة ملعالجــة البيانــات، مــا اســتدعى تطويــر تقنيــات للتخزيــن واملعالجــ­ة والتحليــل ملــا أثبتتــه هــذه العمليــات مــن فاعليــة اقتصاديــة تنقــذ هــذه املـوارد مـن اإلهـدار بالحـذف أو اإلهـال، حتـى أن عائــدات ســوق البيانــات الضخمــة بلغــت 42 مليــار دوالر عـام 2018 ومـن املتوقـع أن تتضاعـف إىل 103 مليـارات بحلـول العـام ،2027 وهـو مـا يؤسـس لبيئـة معلوماتيـة جديـدة بالتضافـر مـع تقنيـات الـذكاء االصطناعــ­ي(8).

وال تحمـل هـذه البيانـات الضخمـة تهديـدات ملسـائل الخصوصيـة مـن قبيـل كميـة ونوعيـة املعلومـات التـي يتـم الحصـول عليهـا عـن األفـراد وحيواتهـم الشـخصية فحسـب، وإمنـا أيضـاً املـؤرشات التـي تكشـف عنهـا تلـك البيانـات مـن خـال تحليلهـا يف صورتهـا األكـر، مـع إمكانيـة اسـتخدامها وإعـادة اســتخدامه­ا بشــكل خــارج عــن ســيطرة األفــراد متامــاً، وبطــرق ال ميكــن تصورهــا يف وقــت جمــع البيانـات نفسـه، فضـاً عـن تـآكل املجهوليـة يف منـاذج تحليـل البيانـات الضخمـة حتـى لـو تـم تجريـد كل معلومــة فرديــة مــن املعلومــا­ت الشــخصية، إذ تظــل العاقــات بــن القطــع الفرديــة قــادرة عــى الكشـف عـن هويـة الفـرد، وفقـاً ملركـز معلومـات الخصوصيـة اإللكرتوني­ـة(9).

وتتزايـد مخاطـر تلـك القـدرات التحليليـة بالنظـر إىل إمكانـات الربـط بـن قواعـد البيانـات، مثـل الربـط بـن تقنيـات التعـرف عـى الوجـوه وكامـريات املراقبـة يف الشـوارع، مثـل النظـام الـذي طبقتـه مدينـة شـينزين الصينيـة يف أبريـل 2017 لـردع السـكان عـن عبـور الشـارع مـن دون مراعـاة إشـارات املـرور، فـإذا تخطـى املـرء اإلشـارة الحمـراء يظهـر وجهـه واسـمه وجـزء مـن رقـم هويتـه عـى شاشـة كبـرية فـوق التقاطـع نتيجـة اعتـاد الرشطـة عـى أجهـزة التعـرف عـى الوجـوه املنتـرشة يف جميـع أنحـاء املدينـة، وهـو مـا يعـد جـزءاً مـن نظـام حكومـي يقـوم عـى ربـط أنشـطة املواطنـن والخدمـات

أدى انتشـار الهواتـف الذكيـة واألجهـزة اللوحيـة إىل انكشـاف هائـل يف البيانـات الشـخصية عـر مـا تجمعـه تلـك األجهـزة مـن تفاصيـل دقيقـة ولحظيـة عـن سـلوك وأنشـطة املسـتخدمن­ي.

واملزايـا االجتاعيـة التـي يحصلـون عليهـا(01)، مـن دون أي حاجـة منهـم لتقديـم إقـرارات موقعـة، إذ إن كل مـا يقومـون بـه مسـجل ويخضـع للربـط والتحليـل اآليل. -5 متييــز الهويــة الشــخصية: قــد يعتقــد البعــض أن عمليــات جمــع البيانــات التــي تتــم ملايــن املسـتخدمن ال تتسـم بتحديـد الهويـة الشـخصية لألفـراد، وإنهـا تخـرج مبـؤرشات إجاليـة مـن دون أي متييـز للفـرد، وهـو مـا يجانـب الصـواب لحـٍد بعيـد، إذ تسـتند تلـك التقنيـات إىل أسـاليب تقـوم عــى تحديــد الهويــات الشــخصية، مثــل البصمــة الصوتيــة وبيانــات املوقــع الجغــرايف ،)GPS( التــي باتـت متوفـرة عـى أجهـزة الهواتـف الذكيـة والكوكيـز ،)Cookies( التـي تحتفـظ بهـا برامـج التصفـح لحفـظ تفضيـات ومعلومـات املسـتخدمن، كـا تقـوم محـركات البحـث بجمـع قـدر هائـل مـن البيانـات الشـخصية مبـا يف ذلـك عناويـن بروتوكـول اإلنرتنـت وطلبـات البحـث والوقـت والتاريخ واملـكان الـذي قـدم فيـه جهـاز الكمبيوتـر الطلـب، وهـي املعلومـات التـي تكـون قابلـة لتحديـد الهويـة.

وعــى الرغــم مــن رغبــة جوجــل يف إضفـاء قـدر مـن الخصوصيـة عـى عمليـات التصفــح عــر وضعيــة املتصفــح املتخفــي ‪)Incognito Mode(‬ الـذي ال يسـجل بيانات التصفــح ويتيــح قــدراً مــن الخصوصيــة للمســتخدم، فــإن دراســة أجرتهــا جامعــة فاندربيلــ­ت عــام 2018 كشــفت عــن أن وضـع التصفـح الخفـي يف جوجـل ال مينـع الرشكــة مــن جمــع بيانــات املســتخدم­ن بشـكل كامـل(11).

ويتزايــد خطــر متييــز الهويــة الشــخصية مــع جمــع البيانــات الطبيــة واملــؤرشا­ت الحيويـة، مثـل بيانـات الجينـوم التـي تعـد بطاقـة هويـة يف حـد ذاتهـا وتشـهد توسـعاً عامليـاً حتـى أن عـدد األشـخاص الذيـن أجـروا اختبـارات الحمـض النـووي بلـغ أكـر مـن 12 مليـون عـام 2017 فقـط(21)، وتـزداد احتـاالت انكشـاف تلـك البيانـات بالنظـر إىل عـدم وجـود مظلـة قانونيـة شـاملة لتنظيـم بيانـات الحمـض النـووي التـي يتـم جمعهـا. حيـث إن أغلـب الـرشكات لديهـا تريـح مبشـاركة بيانـات الحمـض النـووي مـع أطـراف ثالثـة، مثـل سـلطات التحقيـق والباحثـن، أي أن بيانـات الحمـض النـووي ال تكـون لـدى الرشكـة فحسـب، مـا يعنـي أن تتبعهـا وحذفهـا يعـد أمـراً صعبـاً، فضـاً عـن مخاطــر تعرضهــا للقرصنــة وترسيــب البيانــات(31).

وقـد اتجهـت الـرشكات لاسـتثار يف تطويـر تقنيـات طمـس الهويـة الشـخصية وإلغـاء تعريـف األفراد مــن البيانــات وتصفيتهــا مــن بيانــات الهويــة، مثــل االســم والرقــم التأمينــي وبروتوكــو­ل اإلنرتنــت، السـيا مـع انتشـار جمـع املعلومـات املتعلقـة باملـؤرشات الحيويـة، وهـو مـا انـرت األبحـاث العلميـة يف تطويـره عـى غـرار جهـود فريـق بحثـي مـن قسـم علـوم الحاسـب والـذكاء االصطناعـي يف معهـد ماساتشوسـت­س للتكنولوجي­ـا، حيـث قامـوا بوضـع “بروتوكـول تحليـل بيانـات الجينـوم واسـعة النطـاق” الــذي ميكنــه حفــظ وإدارة والتحكــم يف بيانــات تصــل إىل مليــون شــخص بطريقــة آمنــة وأخاقيــة،

بهـدف إتاحـة تلـك البيانـات للمجتمـع العلمـي وكذلـك السـاح لألفـراد باملسـاهمة بجينوماتهـ­م مـن دون املسـاس بخصوصياتهـ­م(41). -6 الجـدل حـول ملكيـة البيانـات: أصبـح أي نظـام متصـل باإلنرتنـت قـادرا عـى جمـع البيانـات عـن املسـتخدم، سـواء التـي يقدمهـا للتسـجيل كاالسـم وتاريـخ امليـاد وغريهـا مـن البيانـات األساسـية، أو البيانـات التـي يتـم جمعهـا آليـاً عـن كل نشـاط يقـوم بـه مـن خـال الخدمـة التـي قـد تكـون مـزودة أيضـاً بنظــم تحديـد املواقـع الجغرافيــ­ة، وهـي البيانـات التــي ميكــن اسـتخدامها أو بيعهـا أو إعــادة اسـتخدامها الحقـاً، سـواء تـم جمعهـا كطـرف أول أو ثالـث، وكذلـك كمصـدر أسـايس أو مشـرت.

وقــد أجــرت منظمــة الخصوصيــة العامليــة ‪)Privacy Internatio­nal(‬ بحثــاً لتعقــب البيانــات التــي تجمعهـا أنظمـة التسـلية واملعلومـا­ت بالسـيارات ‪)In-car infotainme­nt systems(‬ لإلجابـة عـن تسـاؤل رئيـيس مفـاده “مـا يحـدث لبياناتنـا التـي تجمعهـا السـيارات املسـتأجرة؟” وهـي السـيارات التـي تتيـح أنظمتهـا ربـط هواتـف الـركاب لاسـتمتاع بخدماتهـا، فيتوافـر عليهـا اسـم الراكـب ومسـاره.

وقـد أظهـر تقريـر املنظمـة أن كاً مـن رشكات اإليجـار واملصنعـن يضعـون املسـؤولية عـى األفـراد لحـذف البيانـات املوجـودة عـى أنظمـة املعلومـات والرتفيـه بالسـيارات التـي يسـتقلونها، إال أن املنظمـة أشـارت فـإن عـدم وجـود اتفـاق بشـأن مـن املتحكـم يف تلـك البيانـات هـو أمـر مثـري للقلـق، كـا أن الـرشكات ال توفـر معلومـات كافيـة أو تنبيهـات للمسـتخدمن لحثهـم عـى حـذف البيانـات، والتـي عـى الرغـم مـن بسـاطتها إال أن ربطهـا بالبيانـات املتاحـة عـى شـبكات التواصـل االجتاعـي ميثـل مصـدر مثــن للمعلومــا­ت، خاصــة مــع تطويــر تقنيــات دمــج تلــك النظــم بتطبيقــات الهواتــف املحمولــة، وهـي عمليـات الدمـج التـي تتيـح خدمـات إضافيـة للمسـتخدم وتجمـع معلومـات إضافيـة عنـه أيضـاً .

)15( -7 املوافقــة عــى جمــع البيانــات: يتــم جمــع البيانـات التـي يقدمها املسـتخدمو­ن طوعـا للمنصات الرقميــة أو مــن خــال موافقاتهــ­م عــى أحــكام االســتخدا­م بقــدر مــن الوعــي الكامــل واملوافقــ­ة املبــارشة أو الضمنيــة مــن جانــب املســتخدم­ن، إال أن تطـور تقنيـات جمـع املعلومـات وإتاحتهـا تسـبب يف جمـع البيانـات الشـخصية مـن دون أي قـدر مـن اإلذعـان ليـس فقـط مـن خـال تسـلل برمجيـات التجسـس الخبيثـة لألجهـزة الخاصـة، وإمنـا أيضـاً باســتخدام تقنيــات مثــل برمجيــات تحديــد الوجــوه مــن دون أي قــدر مــن التنبيــه.

فالنقـاش العـام عـادة يركـز عـى اسـتغال البيانـات التـي يكشـفها األشـخاص عـن قصـد، وهـو مـا ينـدرج يف إطـار قوانـن حايـة البيانـات وترشيعـات حقـوق اإلنسـان، إال أن التقنيـات الذكيـة باتـت قـادرة عـى ماحظـة البيانـات وتسـجيلها مبـارشة وبشـكل تلقـايئ ال يخضـع للمراقبـة ومـن دون أدىن تحكـم أو تدخـل مـن املسـتخدمن، وهـو مـا ال يتـم فقـط عـى اإلنرتنـت عـر تحليـات الويـب والبيانات الوصفيـة، ولكنـه يتـم أيضـاً عـر األجهـزة غـري املتصلـة باإلنرتنت، مثـل امليكروفون­ـات وكامـريات التعرف عـى الوجـوه، وغريهـا مـن التقنيـات الذكيـة التـي تقـوم بجمـع البيانـات ليتـم اشـتقاق بيانـات أخـرى منهـا، مثـل حسـاب الجـدارة االئتانيـة أو التنبـؤ باملخاطـر الصحيـة املسـتقبلي­ة(61).

وقــد أصــدرت “مؤسســة الجبهــة اإللكرتوني­ــة” ‪)Electronic Front Foundation(‬ بيانــاً بشــأن الخصوصيـة البيوميرتي­ـة أعربـت فيـه عـن أهميـة توفـري الحايـة القانونيـة لتلـك البيانـات التـي بـات

تفــرض التقنيــات الحديثــة تحديــات جســيمة أمــام الخصوصيــة، تهــدد بانقراضهــ­ا وتدشــني عــامل تحــت املراقبــة، تجمــع فيــه مليــارات األجهــزة باليــني املعلومــا­ت كل لحظــة وتقــوم اآلالت الذكيـة بتحليلهـا، بحيـث يصبـح التنبـؤ بسـلوك األفـراد ممكنـا بسـبب الكـم الضخـم مـن البيانــات املتوافــر عنهــم.

يتـم جمعهـا عـن بعـد ومـن دون أي موافقـات حتـى أن املتاجـر باتـت تسـتخدمها للتعـرف عـى سـلوك املسـتهلكن وتحديـد الزبائـن املحتملـن، كـا يسـتخدم أصحـاب الـرشكات بصـات األصابـع، ومسـح القزحيـة، وبرامـج التعـرف عـى الوجـوه إلدارة وصـول املوظفـن إىل هواتـف الرشكـة وأجهـزة الكمبيوتـر مـن دون أي سـيطرة أو سـلطة لألفـراد عـى جمـع تلـك البيانـات التـي تعـد انتهـاكا لخصوصياتهـ­م(71). -8 الوعـي مبفاهيـم اسـتغالل البيانـات: تتزايـد تهديـدات الخصوصيـة يف ظل عدم علم املسـتخدمن بهـا أو عـدم وعيهـم بإمكانيـة الحـد منهـا، إذ أظهـر اسـتطاع للـرأي أجـراه تحالـف األمـن السـيراين الوطنــي بالواليــا­ت املتحــدة عــام 2016 أن %31 فقــط يفهمــون كيــف تشــارك الــرشكات املعلومــا­ت الشـخصية، واعتقـد %32 أن حايـة بياناتهـم الشـخصية عـى اإلنرتنـت أمـر معقـد للغايـة، فيـا قـال %75 إنهـم يعتقـدون أنهـم يحمـون بياناتهـم بشـكل كاف عـى اإلنرتنـت، %92و ليسـوا قلقـن بشـأن خصوصيتهـم عـى اإلنرتنـت، وهـو مـا وصفـه املـؤرش بالوعـي املحـدود بالخصوصيـة(81).

وكشــف تقريــر حالــة الخصوصيــة لعــام 2015 والــذي تضمــن اســتبياناً لنحــو 7000 مبحــوث، عــن قيـام %25 فقـط بقـراءة أحـكام ورشوط االسـتخدام عنـد رشائهـم منتجـات أو خدمـات عـر اإلنرتنـت، واعـرتف %59 أنهـم بالـكاد يقرؤونهـا بشـكل رسيـع فيـا قـال %14 إنهـم مل يقرؤونهـا أبـداً، كـا قـال %66 إنهـم يريـدون أن يحمـوا بياناتهـم الشـخصية ولكنهـم ال يعرفـون كيـف يقومـون بذلـك(91).

وســبق أن أظهــر املســح العاملــي ملســتخدمي اإلنرتنــت ‪)Global Internet User Survey(‬ الــذي أصدرتـه مؤسسـة مجتمـع اإلنرتنـت ‪)Internet Society(‬ عـام 2012 أن هنـاك واحـداً مـن كل خمسـة مسـتخدمن لإلنرتنـت يقـرؤون سياسـات الخصوصيـة وأن ذلـك ال يعنـي بالـرضورة أنهـم فهمـوا متامـاً اللغـة القانونيـة التـي تعتمـد اإلسـهاب والتفصيـل(02).

ثانيًا: مداخل اختراق الخصوصية في بيئة المعلومات

تفـرض التقنيـات الحديثـة تحديـات جسـيمة أمـام الخصوصيـة، تهـدد بانقراضهـا وتدشـن عـامل تحـت املراقبــة، تجمــع فيــه مليــارات األجهــزة بايــن املعلومــا­ت كل لحظــة وتقــوم اآلالت الذكيــة بتحليلهــا، بحيـث يصبـح التنبـؤ بسـلوك األفـراد ممكنـاً بسـبب الكـم الضخـم مـن البيانـات املتوافـر عنهـم، ويف هـذا اإلطـار تتمثـل أهـم مداخـل اخـرتاق خصوصيـة األفـراد عـى املنصـات املختلفـة فيـا يـي: -1 الهواتـف الذكيـة: تـم تصميـم الهواتـف الذكيـة بحيـث تقـوم باملهـام كافـة التـي يقـوم بهـا أكـر مـن جهـاز رقمـي يف السـابق، ولكـن عـر جهـاز واحـد فقـط متنقـل وخفيـف الحجـم وسـهل االسـتخدام ومصمـم ليكـون دومـاً عـى اتصـال باإلنرتنـت، فضـاً عـن تطويـر قدراتهـا عـى نقـل البيانـات مـن خـال تطويـر شـبكات الجيـل الثـاين والثالـث والرابـع وصـوالً إىل الخامـس التـي تتمتـع بقـدرات هائلـة يف رسعـات نقـل البيانـات.

وتبـدو أنظمـة تشـغيل هـذه الهواتـف مصممـة أساسـاً للحصـول عـى معلومـات املسـتخدمن، حيـث تكـون اإلعـدادات التلقائيـة دامئـاً باتجـاه التشـارك واإلتاحـة إال عنـد تعديلهـا مـن قبـل املسـتخدم الـذي قـد ال يكـون عـى معرفـة أصـاً بذلـك، وهـي البيانـات التـي تسـتحوذ عليهـا الـرشكات املصنعـة للهواتـف وأنظمـة التشـغيل أو تسـتحوذ عليهـا التطبيقـات التـي يقـوم بتحميلهـا املسـتخدم ويقـوم بالتنـازل طوعـاً عـن بياناتـه إليهـا مـن خـال موافقتـه عـى رشوط االسـتخدام، فضـاً عـن تسـلل برمجيـات الدعايـة والتجسـس، وهـي البيانـات التـي قـد تشـمل: أ-البيانـات الوصفيـة: أظهـرت دراسـة نرشتهـا جامعـة سـتانفورد، أن البيانـات الوصفيـة للهاتـف الذيك – وهـي املعلومـات املسـجلة حـول املكاملـات والرسـائل النصيـة، مثـل التوقيـت واملـدة – ميكنهـا أن تكشـف

عـن قـدر مذهـل مـن التفاصيـل الشـخصية، حيـث صمـم الباحثـون تطبيقـاً عـى أندرويـد، واسـتخدموه يف اســرتجاع البيانــات الوصفيــة حــول املكاملــا­ت والرســائل النصيــة ألكــر مــن 800 متطــوع وفــروا سـجات أكـر مـن 250 ألـف مكاملـة، ونحـو 1.2 مليـون رسـالة نصيـة، وهـي البيانـات التـي عنـد تحليلها وجـد الباحثـون أنـه مـن املمكـن اسـتنتاج مـا هـو أكـر بكثـري مـن مجـرد بيانـات اتصـال، فعـى سـبيل املثـال، الشـخص الـذي يجـري الكثـري مـن املكاملـات مـع طبيـب أمـراض القلـب والخدمـات الطبيـة هـو عـى األرجـح مصـاب بأحـد أمـراض القلـب، ومـن يجـري مكاملـات متكـررة مـع متجـر لألسـلحة الناريـة هـو عـى األغلـب مـن عمائـه وهكـذا(12). ب-املوقـع الجغـرايف: أصبحـت الهواتـف املحمولـة كافـة مـزودة بتقنيـة تحديـد املواقـع الجغرافيـة، وقـد سـبق أن كشـفت صحيفـة وول سـرتيت جورنـال عـن قيـام رشكتـي آبـل وجوجـل بتصميـم أنظمتهـا للهواتـف الذكيـة، بحيـث تنقـل إليهـا باسـتمرار املوقـع الجغـرايف لبنـاء قاعـدة بيانـات عماقـة تتمكـن مـن خالهـا االسـتحواذ عـى سـوق الخدمـات القامئـة عـى تحديـد املواقـع والتـي قـدرت قيمتهـا بنحـو 2.9 مليـار دوالر(22). ج- بيانـات الصـور: تحتفـظ أنظمـة الهواتـف الذكيـة ببيانـات متضمنـة يف الصـور ‪،)Photo Metadata(‬ ويكشـف تحليـل هـذه البيانـات عـن األماكـن التـي يـرتدد عليهـا الشـخص كـا ترسـم خريطـة ملسـاراته خـال فـرتة زمنيـة محـددة وباإلضافـة إىل التعـرف أكـر عـى تفضياتـه بتحليل تلـك املواقع واملسـارات، وهـو التحليـل الـذي ميكـن أن يتـم مـن خـال أي تطبيـق مينحـه املسـتخدم صاحيـة الوصـول للصـور، وهـي الصاحيـة املوجـودة بـرشوط اسـتخدام الكثـري مـن التطبيقـات الرائجـة.

فاإلعــداد­ات التلقائيــ­ة اللتقــاط الصــور عــى الهواتـف التـي تعمـل بنظامـي أندوريـد وأي أو إس تضيـف بيانـات ضمنيـة يف كل صـورة توضـح موقـع التقاطهـا، وتعديـل ذلـك يسـتلزم خطـوات إضافيـة يف كامـريا الهاتـف متنـع االحتفـاظ بتلـك املعلومات، وقـد أعـد املطـور األمريـي فيليكـس كـراوس تطبيقاً يف عـام 2017 باسـم محقـق املواقـع detect.loca-( )tion وأتاحـه للمسـتخدمن حتـى يجربـوا بأنفسـهم مـا تفعلـه التطبيقـات وحجـم البيانـات التـي ميكنهـا الحصـول عليهـا عنـد موافقتهـم عـى منحهـا الوصـول لصورهـم التـي التقطوها باسـتخدام هواتفهـم(32). د-السـلوك الرقمـي: ويقصـد بذلـك تفاعـل املسـتخدمن مـع التطبيقـات واملواقـع، إذ أجـرى فريـق مـن علـاء الحاسـب بجامعـة نـورث إيسـرتن دراسـة شـملت 17.2 ألـف تطبيـق ضمـن األكـر رواجـاً بـن مسـتخدمي الهواتـف الذكيـة واكتشـفوا قيـام بعضهـا بتسـجيل شاشـة الهاتـف وإرسـال هـذه املعلومـات إىل أطــراف ثالثــة، ومنهــا تطبيــق شــهري لطلــب الوجبــات الرسيعــة قــام بتســجيل فيديــو لتفاعــات املسـتخدمن مـع التطبيـق وإرسـالها إىل رشكـة ألبحـاث املحمـول مبـا يف ذلـك البيانـات الشـخصية التـي قامـوا بإدخالهـا للتطبيـق، وقـد متـت هـذه التسـجيات بشـكل رسي ومـن دون إدراك املسـتخدمن(42).

وتقـوم املتصفحـات ومحـركات البحـث بتسـجيل البيانـات كافـة املتعلقـة بسـلوك املسـتخدم وتفضياتـه وهـو مـا يتـم بشـكل قانـوين متامـاً، إذ إنـه يتـم وفـق أحـكام وسياسـات اسـتخدامها التـي يوافـق عليـه املســتخدم مســبقاً. فعــى ســبيل املثــال، تنــص سياســة الخصوصيــة لجوجــل عــى التريــح ب“جمــع املعلومـات لتقديـم خدمـات ذات مسـتوى أفضـل للمسـتخدمن - بـدءاً مـن تحديـد األمـور األساسـية، مثـل اللغـة التـي يتحدثونهـا إىل أمـور أكـر تعقيـداً، ومنهـا عـى سـبيل املثـال اإلعانـات التـي يجدونهـا

تفــرض التقنيــات الحديثــة تحديــات جســيمة أمــام الخصوصيــة، تهــدد بانقراضهــ­ا وتدشــني عــامل تحــت املراقبــة، تجمــع فيــه مليــارات األجهــزة كــم هائــل مــن املعلومــا­ت كل لحظــة وتقـوم اآلالت الذكيـة بتحليلهـا، بحيـث يصبـح التنبــؤ بســلوك األفــراد ممكنــا بســبب الكــم الضخــم مــن البيانــات املتوافــر عنهــم.

أكـر فائـدة، أو األشـخاص الذيـن يهتمـون بهـم عـى اإلنرتنـت، أو الفيديوهـا­ت التـي قـد تعجبهـم عـى يوتيـوب. وتعتمـد طبيعـة املعلومـات التـي يجمعهـا جوجـل وكيفيـة اسـتخدامها عـى اسـتخدام األفـراد لخدماتهـم وإدارتهـم لعنـارص التحكـم يف الخصوصيـة(52). هــ- مــؤرشات البيئــة املحيطــة: قــام مطــورون أمريكيــون عــام 2016 بتثبيــت برنامــج يحمــل اســم “ســيلفربنش” )Silverpuns­h( يســتخدم امليكروفــ­ون اللتقــاط إشــارات صوتيــة تحــدد الرامــج التلفزيوني­ـة التـي يقـوم املسـتخدمو­ن مبشـاهدتها لتحليـل أنـواع الرامـج التـي يشـاهدونها وتوقيتاتهـ­ا، كــا ذكــرت منظمــة الخصوصيــة الدوليــة أن هنـاك أكـر مـن ألـف تطبيـق لأللعـاب واملراســل­ة والتواصــل االجتاعــي، بعضهــا يسـتهدف األطفـال ويسـتخدم تقنيـة مشـابهة تحمــل اســم )Alphonso( لتتبــع الرامــج التلفزيوني­ــة التــي يشــاهدونه­ا، وتقــوم باسـتخدام ميكروفـون الهاتـف حتـى ولـو مل يكــن التطبيــق يف وضعيــة االســتخدا­م، وأن البيانـات التـي يتـم جمعهـا وربطهـا بعناوين بروتوكــوا­لت اإلنرتنــت الخاصــة بهــؤالء املسـتخدمن متنـح تفاصيـل كثـرية لتحديـد خصائصهــم حتــى وإن مل يتــم متييزهــم باالســم(62).

وتتضمـن الهواتـف الذكيـة مجموعـة مـن أجهــزة االستشــعا­ر التــي تقيــس املعلومــا­ت املاديـة عـن الجهـاز، مثـل مقيـاس الرسعـة والــذي تســتخدمه تطبيقــات اللياقــة البدنيــة، ومقيــاس الحــركات الصغــرية أو الجريوســك­وب الــذي تسـتخدمه بعـض األلعـاب ومقيـاس املغناطيسـ­ية القـادر عـى تحديـد االتجاهـات الجغرافيـة ويسـتخدم يف تطبيقــات الخرائــط والبوصلــة، فضــاً عــن نظــام تحديــد املواقــع العاملــي )GPS( ومستشــعرا­ت أخـرى، مثـل مستشـعر اإلضـاءة لتحديـد درجـة سـطوع الشاشـة مثـاً، وميكـن ملجموعـة متنوعـة مـن التطبيقـات وكذلـك نظـام التشـغيل الخـاص بالهاتـف الـذيك الوصـول إىل هـذه املستشـعرا­ت ألغـراض مختلفــة، وذلــك عــر موافقــات االســتخدا­م والتــي تتيــح للمســتخدم خدمــات عديــدة ولكنهــا تتيــح إمكانــات ال نهائيــة للمراقبــة وجمــع املعلومــا­ت ليــس فقــط عــن عــادات االســتخدا­م الرقمــي، ولكــن معلومـات عـن الهاتـف نفسـه كتحديـد موقعـه، وهـل هـو يف حالـة سـكون أم حركـة وهكـذا. -2 وسـائل التواصـل االجتامعـي: تابـع العـامل مشـاهد اسـتجواب “مـارك زوكريبريج” أمـام الكونجرس األمريـي يف قضيـة اسـتغال معلومـات 87 مليـون مسـتخدم فيا عـرف بفضيحـة “كامريـدج أناليتكا”، وهـي القضيـة التـي متـت تسـويتها بتغريـم فيـس بـوك خمسـة مليـارات دوالر مـن جانـب املفوضيـة الفيدراليـ­ة للتجـارة بالواليـات املتحـدة، يف غرامـة هـي األعـى مـن نوعهـا، وسـط انتقـادات لاكتفـاء بالعقوبـة املاليـة مـن دون إجـراء إصاحـات هيكليـة للتعامـل مـع مـا تـم وصفـه باالنتهـاك­ات املتكـررة للخصو صية .

وتـأيت القضيـة ضمـن سلسـلة طويلـة مـن الفضائـح الرقميـة التـي تؤكـد حالـة االنكشـاف املعلومـاي­ت وتضـع الحـق يف الخصوصيـة عـى املحـك، فاملعلومـا­ت التـي يتيحهـا املسـتخدمو­ن عـن أنفسـهم عـى

منصــات التواصــل االجتاعــي وتطبيقاتهـ­ـا ال تقتــر فقــط عــى االســم والعمــل وعنــوان الريــد اإللكـرتوي­ن ولكـن تتضمـن معلومـات مفصلـة عـن دوائـر األقـارب واألصدقـاء ومـدى التفاعـل والتوافـق أو الخـاف مـع كل منهـم، ومـن الـذي يتحـدث إليـه املسـتخدم بشـكل مسـتمر ومـن الـذي منعـه مـن متابعتـه مجـدداً، ومـا هـو مطعمـه املفضـل ومـا عـدد مـرات تـردده الشـهري عليـه، واألغـاين واألفـام والكتـب التـي يفضلهـا، وغريهـا مـن املعلومـات التـي متنـح صـورة تفصيليـة حـول الجوانـب املاديـة واملعنويـة الخاصـة بحياتنـا، والتـي ميكـن أن يولـد تحليلهـا مجتمعـة معلومـات أكـر عمقـاً وشـموالً عـن مجموعـات األفـراد واملجتمعـا­ت(72).

وال تجمــع شــبكات التواصــل االجتاعــي بيانــات املســتخدم­ن فقــط ولكنهــا تســمح أيضــاً بنــرش معلومـات عـن أشـخاص آخريـن مبـا يف ذلـك أبناؤهـم الصغـار، إذ تشـري اإلحصـاءات إىل وجـود أكـر مـن ألـف صـورة لبعـض األطفـال حتـى قبـل أن ميتلكـوا حسـابات ألنفسـهم، وهـو مـا أثـار تسـاؤالت بشـأن قدرتهـم املسـتقبلي­ة عـى التحكـم يف بيانـات شـخصية مل يكونـوا هـم نارشوهـا وال ميلكونهـا وال يعرفـون كيفيـة اسـتغالها وال يتوقعـون حـدود تأثريهـا املسـتقبي عليهـم. وال تكتفـي الـرشكات الكـرى باسـتخدام البيانـات التـي يشـاركها مسـتخدمو وسـائل التواصـل للحصول عــى اإلعانــات وتحقيــق املزايــا املاليــة بشــكل مبـارش فحسـب، وإمنـا تسـتخدمها أيضا يف تحسـن نظمهــا التحليليــ­ة اآلليــة بهــدف جمــع املزيــد مــن البيانــات بكفــاءة، فتحــدي الســنوات العــرش الــذي أغــرق صفحــات التطبيقــا­ت االجتاعيــ­ة ألســابيع مطلـع عـام 2019 وبلـغ حجـم املشـاركات فيـه 5.2 مليــون مشــاركة، يعتقــد خــراء تقنيــون أنــه مــن اخــرتاع فيــس بــوك لتدريــب خوارزميــا­ت الــذكاء االصطناعـي للتعـرف عـى الوجـوه عنـد التقـدم يف السـن، وعـى الرغـم مـن نفـي فيـس بـوك ذلـك فإنهـم اعتـروه “عاصفـة مثاليـة للتعلـم اآليل”، وأن هنـاك مخاطـر جـادة بشـأن اسـتغال فيـس بـوك كـاً هائـاً مـن البيانـات الشـخصية التـي يحملهـا 2.2 مليـار مسـتخدم حـول العـامل، والتـي قـد ال يكتفـي باالسـتفاد­ة منهـا لصالحـه فقـط بتحسـن تجـارب االسـتخدام واإلعانـات وإمنـا قـد متتـد ملشـاركة هـذه التكنولوجي­ـا مـع أطـراف أخـرى، خاصـة أنـه ال يوجـد قانـون مينـع الرشكـة مـن ذلـك(82).

ويف السـياق ذاتـه، ال تقتـر املعلومـات التـي تجمعهـا مواقـع التواصـل االجتاعـي عـى البيانـات التـي يرفعهـا املسـتخدمو­ن عـر حسـاباتهم فحسـب، وإمنـا تسـتغل موافقاتهـم عـى أحـكام اسـتخدام تطبيقاتهـا لاسـتحواذ عـى بياناتهـم املخزنـة عـى هواتفهـم وأجهزتهـم الذكيـة، إذ كشـف تحقيـق ملوقـع “آرس تكنيـكا” أن فيـس بـوك جمـع بيانـات سـجات اتصـاالت مسـتخدمي هواتـف أندرويـد ورسـائلهم لتخزينهـا، وتضمنـت هـذه البيانـات أرقـام الهواتـف ومـدة املكاملـات، وهـو مـا تـم بشـكل خفـي ولكنـه رشعـي متامـاً، حيـث حصـل املوقـع عـى تلـك البيانـات وفـق إذن غـري رصيـح يف تطبيقاتـه، زعـم أنـه بغـرض تحسـن تجـارب املسـتخدمن.

ويذكـر املوقـع أن ذلـك كان عـام 2015 وأنـه عـى الرغـم مـن تعديـل أندرويـد إذن الدخـول لتلـك البيانــات الحقــاً فــإن فيــس بــوك وتطبيقــات أخــرى اســتمرت يف الدخــول إىل ســجات االتصــاال­ت والرسـائل مسـتندة إىل أن هـذا اإلذن مذكـور يف اإلصـدار السـابق، وبقيـت الثغـرة موجـودة حتـى أكتوبر 2017 حـن حدثـت جوجـل طريقـة تخزيـن هواتـف األندرويـد للبيانـات، كـا أن جهـات االتصـال تبقـى

ال تكتفــي الــركات الكــرى باســتخدام البيانــات التـي يشـاركها مسـتخدمو وسـائل التواصل للحصول عــى عوائــد اإلعالنــا­ت وتحقيــق املزايــا املاليــة بشــكل مبــارش فحســب، وإمنــا تســتخدمها أيضــاً يف تحسـني نظمهـا التحليليـة اآلليـة بهـدف جمـع املزي ـد م ـن البيان ـات بكف ـاءة.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.