Re-Framing:

إعادة التفكير في مفهوم «الجوار» في العلاقات الدولية

Trending Events - Future Concepts - - News - إيمان رجب

لم يعد من الممكن تجاهل الجوار neighborhood، أو عدم الاهتمام بدقة بكل ما يتعلق به، سواء كان الأمر يتعلق بأوضاعه الداخلية أو توجهاته الخارجية، فالجوار هو "القدر" الذي لا يمكن تغييره، إذ لا يمكن نقله بعيداً أو الانتقال بعيداً عنه، بسبب اعتبارات الجغرافيا، أو التاريخ، فالدول لابد أن تتعامل مع الجار أياً كان، وذلك على خاف الجار في الحياة العادية، حيث يستطيع الفرد أن يغير جاره ببساطة من خال الانتقال للعيش في مكان آخر، ولكن مشكلة الدول أنها لا تستطيع أن تغير موقعها على الخريطة.

تشير نظريات العلوم السياسية إلى أن 60 في المائة تقريباً أو أكثر من التفاعات التي تتخذ شكل تعاون أو مشاكل تتم مع الجار أو ترتبط به، فهو حليف جيد يمكن أن يساهم في "الاستقرار" أو مصدر متاعب يمكن أن يتحول إلى عدو محتمل. وقد أدركت الثقافات المحلية لكل الشعوب تلك الحقيقة مبكراً، فهناك مقولات تاريخية تناقلتها الأجيال المختلفة، تؤكد على: "اسأل عن الجار قبل ما تشتري الدار"، وانتقل ذلك إلى الأفام السينمائية، ففيلم ‪Bad Neighbors‬ هو الفيلم الأمريكي الكوميدي الأول للعام 2014.

ارتبط مفهوم الجوار تاريخياً بأنه "كيان غريب" alien، وأنه "المجهول"، وأن الجار قد يكون "جيداً" good، أو "سيئاً" bad، مع ميل واضح في التاريخ لاعتبار الجار مصدر مشاكل وأحياناً "عدواً"، وأن التعامل معه يجب أن يكون من خال التجسس عليه، أو الدخول معه في حرب، أو احتاله، أو عزله . ورغم أن كل الجيران لم يعودوا كذلك، فبعضهم حلفاء مخلصون، إلا أن فكرة " الجوار" ظلت دائماً مقلقة.

ويمكن تفسير عودة الاهتمام بدول الجوار neighborhood، وكيفية التعامل معها، من قبل مؤسسات صنع القرار ومراكز الفكر في الفترة الأخيرة، بالتحولات الاستراتيجية التي تشهدها المنطقة العربية في المرحلة الحالية، نتيجة التغير الحادث في النظم السياسية، سواء بسبب الثورات العربية، أو بسبب تعثر عمليات الإصاح الداخلي، والتي حولت طبيعة الدولة وسياساتها الخارجية، فبعدما كانت دولة مجاورة ما "مدنية"، فجأة وبسبب ثورة داخلية تلتها سيطرت فصيل على السلطة تحولت إلى دولة "دينية"، و"فجأة" بعدما كانت الدولة الجارة دولة مركزية، تحولت إلى دولة ميليشيات مسلحة، و"فجأة" وبعد أن كانت الدولة غنية، تحولت إلى دولة فقيرة تمثل عبئاً اقتصادياً وأمنياً على الدولة الجارة.

كما أصبح التعامل مع الجوار في ظل هذه التحولات، سواء كان دولة، أو منطقة مجاورة area ، أو إقليماً مجاوراً region مكوناً مهماً في الدور الإقليمي الذي يمكن أن تلعبه الدولة، ولحجم المكانة الإقليمية، وأحياناً المكانة الدولية التي يمكن أن تتمتع بها، وأصبحت الدول، خاصة الصغيرة، بحاجة لبدائل سياسات للتعامل مع "الجوار" الخاص بها، لاسيما وأنها غدت محاطة بدوائر ممتدة وربما متداخلة من الدول المجاورة غير المستقرة، والتي بحكم اعتبارات الجغرافيا لا يمكن تجنب التعامل معها.

وتحليل مفهوم "الجوار"، باعتباره مفهوم سياسات ‪Policy Concept‬ ، عادة لا تخصص له مساحات في الدراسات العربية، وما هو متوافر من إسهامات، لا يعكس التطور الذي طرأ على هذا المفهوم في السياسات العملية للدول، والتي كشفت عن وجود أنواع مختلفة من الجوار، حتى أنه تم تطوير تصنيفات لهم، حيث ظهرت تصنيفات من قبيل الجار الجامح unruly neighbors، والجار "الجيد" ، والجار "غير الجار" ، وغيرها من الصفات التي تعكس مواقف سياسية محددة.

وتتزايد أهمية مفهوم الجوار في ضوء التطورات الحالية التي تشهدها المنطقة العربية، بالنظر إلى عاملين، يتمثل العامل الأول في أن القرب الجغرافي ‪geographic contiguity‬ ، رغم أهميته وصعوبة تغيير الحقائق المرتبطة به لم يعد هو المحدد الرئيسي لما إذا كانت الدولة تعد "جارة" يهتم بها صانع القرار أو لا، وإنما أصبحت المصالح هي المحدد الأكثر أهمية. ففي السابق، كان القرب الجغرافي محدداً رئيسياً في تعريف الدول التي تمثل العمق الاستراتيجي لدولة ما، أو

التي تمثل المجال الحيوي للدولة، أو نطاق نفوذها orbit، ومؤخراً أصبح مفهوم الدولة الجارة أكثر اتساعاً وتعقيداً من الدول التي تقع على الطرف الثاني من الحدود ‪next door‬ neighbor، إذ تطورت أنواع أخرى من الجيران من قبيل دول جوار الجوار، ودول الجوار الإقليمي ‪the outsiders‬ ، ولم يعد الجوار يرتبط بالحدود المباشرة، وإنما أيضاً بما وراءها ‪borders beyond borders‬ ، على نحو أوجد حدوداً متعددة للدولة بقدر تعدد دول الجوار أو مناطق الجوار التي تهتم بها .

كما ياحظ، أن المصالح التي تعتمد عليها الدول في تحديد جيرانها، لم تعد ترتبط بالمصالح الأمنية، فاتجاه الدول لتطوير سياسات محددة في التعامل مع دول الجوار بأنواعها المختلفة، لا يهدف فقط إلى ضمان عدم تحول هذه الدول إلى مصدر تهديد لأمنها، أو تحويلها إلى مناطق "عازلة" تحيط بالدولة في مواجهة أي تهديدات قد تستهدفها، وإنما تهدف إلى توسيع الفرص الاقتصادية التي يمكن أن تحصل عليها، وما يرتبط بذلك من تعزيز نفوذها ومكانتها الإقليمية.

ومن ناحية ثانية، لم يعد من الممكن "عزل" أي من دول الجوار، أياً كان حجمها، من خال إنشاء جدار على غرار الستار الحديدي الذي فصل دول أوروبا الشرقية عن دول أوروبا الغربية أثناء الحرب الباردة، أو تجاهل وجودها، أو ببساطة اتخاذ قرار بعدم التعامل معها، فإذا لم تهتم الدولة بالدولة الجارة ستهتم هي بها، لاسيما وأن التفاعات العابرة للحدود أصبحت هناك صعوبة لا متناهية في ضبطها، وهو ما أصبح يتطلب سياسات غير تقليدية في التعامل معها، على نحو يضمن الحفاظ على مصالح الدولة، واحتواء المخاطر والتهديدات المرتبطة بها.

وفي هذا السياق، تم تخصيص هذا العدد من ملحق "مفاهيم المستقبل"، لتحليل أربعة أبعاد "جديدة" أخذت تتشكل مؤخراً فيما يتعلق بمفهوم الجوار، باعتباره أحد مفاهيم السياسات، ولتحليل بدائل السياسات المتاحة، أو الممكنة في إدارة العاقات مع الدولة الجارة بأنواعها المختلفة.

يتمثل المفهوم الأول في الجوار المباشر immediate ‪neighboring countries‬ ، أي الدول التي تقع مباشرة على الجهة الثانية من خط الحدود، فالتحولات التي تشهدها المنطقة العربية، بسبب الثورات العربية وتداعياتها، جعلت دول الجوار مصدراً "ممكناً" للمخاطر والتهديدات لأمن الدولة، لاسيما وأن احتمال تحولها لدول فاشلة أو متصدعة غير مستبعد، على نحو يجعلها مصدراً لتهديدات غير تقليدية لأمن الدولة، سواء أخذت صورة الاجتياح البشري، أو بسبب انتقال أزمات الدول المجاورة إلى داخل الدولة، كما في حالة الصراع في سوريا الذي انتقلت تداعياته إلى لبنان والعراق والأردن.

ويتعلق المفهوم الثاني بمناطق الحدود ‪،border areas‬ والذي أصبح من القضايا المهمة وأحياناً الضاغطة على صناع القرار، ومشكلة هذه المناطق أنها تمثل الظهير الخلفي لخطوط الحدود المعترف بها دولياً، وتكون مصدراً للعديد من التهديدات العابرة للحدود، مثل الهجرة غير الشرعية وتهريب المخدرات، والإرهاب.

وبالنظر للتطورات التي تشهدها المنطقة، أصبح اتباع صناع القرار سياسات محددة في تأمين مناطق الحدود، يتطلب التعاون مع الدول المجاورة التي تعد الطرف الثاني في مناطق الحدود، وأحياناً الدول المجاورة لتلك الدول، على نحو يخلق آليات "ثاثية" الأطراف، كما أصبح يتطلب اتباع سياسات غير تقليدية، تستطيع أن تحول مناطق الحدود من عبء إلى مصدر فرص للدولة.

ويتمثل المفهوم الثالث في مفهوم دول جوار الجوار extended neighborhood، حيث لم تعد الدول الماصقة جغرافياً للدولة، هي من يحظى باهتمام الدول في سياساتها الخارجية، وأصبحت الدول المجاورة للدول المجاورة على درجة عالية من الأهمية، وربما تفوق في أهميتها الدولة الجارة، لاسيما في حالة الدول التي لديها طموح بلعب دور إقليمي مؤثر، أو في حالة الدول الحبيسة جغرافياً، حيث تضطر لتطوير سياسات تضمن لها الاحتفاظ بعاقات "غير متوترة" مع كل الدول التي تفصل بينها وبين الممرات المائية الحيوية.

وينصرف المفهوم الرابع إلى مفهوم دول الجوار الخارجي أو الإقليمي، أي الدول التي تقع على أطراف النظام الإقليمي the outsiders، حيث أصبحت دول الجوار الإقليمي، تمارس تأثيراً متزايداً في تفاعات الأقاليم التي تقع على حدودها لأسباب خاصة بوجود مصالح محددة لها في هذه الأقاليم، أو بوجود مصادر تهديد لأمنها نابعة من داخل الأقاليم وأصبح هذا الوضع، يطرح على صناع القرار في دول الإقليم خيارات أو مسارات محددة، يتم ترجمتها إلى سياسات محددة تضمن تحقيق مصالحها بأقل قدر من التكلفة.

يظل "الجوار" بأنواعه المختلفة وصوره المتعددة، والمشاكل المرتبطة به، من القضايا الضاغطة على الدول في المنطقة العربية خال المرحلة الحالية، حيث أصبح التعامل مع "الجوار" في بعض الحالات من متطلبات حفاظ الدولة على بقائها، وفي حالات أخرى، تحول "الجوار" إلى جزء من القضايا الداخلية التي تؤثر على الاستقرار في الدولة، وتظل عملية صناعة السياسة الخاصة بالتعامل مع الجوار تتأثر باعتبارات المصلحة، وموازين القوى، فضاً عن اعتبارات الجغرافيا.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.