‪Geographic Neighbors:‬

إشكاليات التعامل مع «الجوار المباشر» في السياسة الخارجية

Trending Events - Future Concepts - - News - باسم راشد

ساهمت التطورات التي تمر بها العديد من الدول والأقاليم في العالم، في عودة الحديث مرة أخرى عن أهمية الجغرافيا السياسية في العاقات الدولية، وما يرتبط بها من أهمية القرب الجغرافي في تحديد سياسات الدول الخارجية، لاسيما وأن هذه التطورات تعيد تشكيل خريطة الدول والأقاليم كما عرفناها.

وقد صاحب ذلك تجدد النقاش في الدوائر السياسية والأكاديمية عن دول الجوار، وبالتحديد دول الجوار المباشر immediate ‪neighboring countries‬ ، وكيفية تطوير سياسات لإدارة العاقات معها، خاصة وأن هذا "الجوار"، تحول إلى مصدر "قلق"، فالتطورات التي تقع في الجانب الآخر من الحدود تؤثر على الدولة بصورة كبيرة، كما أن دول الجوار المباشر، قد تنقسم إلى عدة دول، كما في حالة السودان، التي تعد دولة جوار مباشر بالنسبة لمصر، حيث انقسمت إلى دولتين، أو قد تسيطر عليها جماعات وميليشيات مسلحة، كما هو الوضع بالنسبة لداعش في العراق، أو قد تحتلها إحدى القوى الدولية، فتتحول القوة الدولية إلى دولة "جارة"، كما حدث في العراق في 2003 حين احتلتها القوات الأمريكية، وتحولت واشنطن حينها إلى "جارة" أمر واقع لإيران.

- خüشائüص «الجوار المباTشر»:

يشير مفهوم الجوار، بشكل عام، إلى القُرب المكاني بما يتضمنه ذلك من صات وروابط، أي أنه كمفهوم يشتمل على معنيين هما المتاخمة المكانية من ناحية، والروابط المترتبة على ذلك من ناحية أخرى) (. وبحكم ارتباط مفهوم الجوار بالمكان، فقد

1 ظهر المفهوم في إطار علم الجغرافيا السياسية، الذي يهتم بدراسة تأثير العوامل الجغرافية على الأوضاع السياسية في مجتمع ما أو دولة ما.

وفي إطار ذلك تُعرَّف دول الجوار المباشر بأنها "الدول التي لديها حدود مشتركة مع الدولة"، سواء في صورة حدود طبيعية، كالجبال أو البحار أو الأنهار أو غيرها، وتعد هذه الحدود هي نقطة بداية سيادة دولة الجوار المباشر ونقطة نهاية سيادة الدولة المعنية) .)

2 وبصفة عامة، يمكن القول إن تعامل صناع القرار مع هذا المفهوم، يتأثر بمتغيرين رئيسيين. يتمثل المتغير الأول في عدد دول الجوار المباشر بالنسبة للدولة، فهناك دول لا تتمتع بجوار مباشر كالدول الجزرية؛ أي التي تتكون من مجموعة من الجزر كالمالديف، وهناك دول لها حدود مشتركة مع دولة واحدة فقط مثل كندا، وهناك دول لديها ثاث دول جوار مباشر مثل مصر، حيث يقع في جوارها المباشر ليبيا والسودان وقطاع غزة، ويرتفع عدد دول الجوار المباشر إلى ست دول في حالة زامبيا على سبيل المثال، حيث تضم جمهورية الكونغو الديمقراطية وأنجولا وناميبيا وزمبابوي ومالاوي وتنزانيا وموزمبيق.

وينصرف المتغير الثاني إلى درجة التجانس الثقافي والسياسي مع دول الجوار المباشر، باعتباره أحد العناصر التي تؤثر في طبيعة التفاعات بين الدول، فإيران، على سبيل المثال، تشمل دول جوارها المباشر ست دول عربية وهي العراق والكويت وقطر والإمارات والبحرين وعمان، و3 دول آسيوية هي أفغانستان وباكستان وتركمانستان، وتختلف درجة التجانس بينها وكل من هذه الدول، كما يختلف نمط عاقاتها معها.

- حقائق جديدة عن «الجوار المبا�شر» :

صاحب التحولات التي تشهدها العديد من الدول العربية، نتيجة التغيير السياسي في نظمها إما بسبب ثورة كما في حالة مصر وتونس، أو نتيجة لتدخل عسكري خارجي كما في حالة ليبيا، أو بسبب انتقال مخطط للسلطة كما في حالة اليمن، تحول في طبيعة دول الجوار المباشر في المنطقة، وتزايدت صعوبة تعامل صناع القرار معها، لاسيما وأن اهتمام صنَّاع القرار بالتحولات الجديدة المرتبطة بدول الجوار المباشر لم يعد نابعاً فقط من أن تلك الدول تمثل عمقاً استراتيجياً للأمن القومي للدولة، أو بسبب قربها الجغرافي فحسب، بل لأنها أصبحت تمثل تهديداً مباشراً لأمن الدولة، ومصدراً لتهديدات غير تقليدية، يتطلب التعامل معها تطوير سياسات غير تقليدية، وفقاً لقدرات كل دولة وحدود إمكانياتها ونطاق تفاعلها وقدرتها على التأثير.

وياحظ أن دول الجوار المباشر بالنسبة لمعظم دول المنطقة،

تمر بتحولين رئيسيين، يكشفان عن التحول في طبيعة الجوار المباشر، ومن ثم كيفية التعامل معه من قبل صناع القرار. يتمثل التحول الأول في أن استقرار دول الجوار ليس القاعدة، حيث أصبح عدم الاستقرار، أو تحول الدولة الماصقة للحدود إلى دولة فاشلة، أو "متصدعة" أمراً غير مستبعد، وهو تطور يزيد من حجم المخاطر أو التهديدات للأمن القومي للدولة المعنية) (، ويضعف من

3 قدرة الدولة على ضبط حدودها، وهي المشكلة التي تواجهها مصر مع ليبيا بعد سقوط حكم العقيد معمر القذافي، لاسيما مع استمرار محاولات انفصال برقة، وازدياد نشاط الميليشيات المسلحة، وكذلك تواجهها دول الجوار المباشر لكل من العراق وسوريا في ظل تنامي نشاط الجماعات الجهادية على الحدود المشتركة معهما.

إلى جانب ذلك، تواجه الهند مشكلة تزايد ضعف الدول الواقعة على حدودها المباشرة، وهي بنجاديش ونيبال وباكستان، إذ تقع في أعلى قائمة الدول الضعيفة طبقاً لتصنيف ‪Fragile States Index‬ لعام 2014، حيث تصنف باكستان وفق هذا المؤشر في مجموعة ‪High Alert States‬ ، وتعد من أكثر الدول ضعفاً مقارنة ببقية دول الجوار الهندي، وتليها في الترتيب بنجاديش ونيبال

(، وهذا يعني أن دول الجوار المباشر للهند 4( تهدد أمنها القومي وتجعلها عرضة للأخطار الخارجية ولعدم الاستقرار الداخلي.

وينصرف التحول الثاني، إلى صعوبة عزل الدولة عن أي تطور يقع في دولة الجوار المباشر الماصقة لها، فامتداد أو انتقال الأزمات من دول الجوار المباشر عبر الحدود أصبح هو القاعدة، حيث لم تعد تلك الأزمات مجرد مشاكل داخلية للدول المجاورة. ويعد الصراع في سوريا مثالاً جيداً على ذلك، حيث امتدت آثاره للعديد من دول الجوار المباشر لسوريا، خاصة لبنان الذي يعد الأكثر تأثراً مقارنة بغيره من دول الجوار، إذ ساهم الصراع في سوريا في تفاقم حدة التوتر الطائفي في لبنان، لاسيما في ظل دعم حزب اله اللبناني لنظام الأسد، وعبور الآلاف من مقاتليه للحدود السورية من أجل مساعدة الجيش في قمع المعارضة السورية، وفي المقابل استهدفت المعارضة السورية بعملياتها بعض المناطق في لبنان والتي يسيطر عليها حزب اله) .)

5

- م�شاكل الجوار: الحدود والاجتياح الب�شري:

في السياسات العملية، أصبح صناع القرار يواجهون مشكلتين رئيسيتين في التعامل مع دول الجوار المباشر، تتمثل المشكلة الأولى في الصعوبة "الامتناهية" في ضبط الحدود، سواء خطوط الحدود أو مناطق الحدود. وتتزايد هذه المشكلة في حالة الدول التي لديها أكثر من جار مباشر، فمثاً العراق مُحاط بست دول جوار مباشر هي سوريا وإيران والكويت والأردن والسعودية وتركيا، وتطورات الأوضاع على الحدود السورية - العراقية تصعِّب من مهمة ضبط مناطق الحدود وخطوط الحدود بين العراق وسوريا، وهو ما يفسر سهولة الحركة التي يتمتع بها تنظيم داعش في مناطق الحدود المتاخمة لخطوط الحدود بين الدولتين.

ونظرياً، تزداد صعوبة مهمة ضبط الحدود كلما ازداد عدد الدول التي تشترك في الحدود مع الدولة، في حين أنها تقل كلما قل عدد دول الجوار المباشر التي تشترك معها في الحدود، ولكن من الناحية العملية، توجد مشكلة أيضاً في تأمين الحدود المشتركة مع الدولة الواحدة، حيث أصبحت هناك صعوبة كاملة في تأمين وضبط الحدود بنسبة 100%، أي تحقيق التأمين الكامل لها، ولعل المثال الواضح على ذلك هو الحدود اليمنية -السعودية، وهو ما يمكن تفسيره بعوامل من قبيل مساحة خط الحدود، ووجود منطقة حدود من عدمه، ومدى قدرة الدولة على السيطرة على التهديدات غير التقليدية للأمن القومي التي تنبع منها.

وتعد الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك مثالاً جيداً على هذه الحالة) (، حيث يتنامى في مناطق الحدود المشتركة نشاط

6 عصابات تهريب المخدرات بين البلدين، كما تتزايد معدلات التسلل والهجرة غير الشرعية إلى الولايات المتحدة، ويبلغ طول خط الحدود بينهما 3145 كم، بما يصعب إمكانية ضبطه أو حتى مراقبته بشكل كامل، وتُقدَّر إحصاءات إدارة حراسة الحدود الأمريكية عدد المتسللين عبر الولايات المتحدة ما بين 400 ألف و1.2 مليون شخص سنوياً) .)

7 وتنصرف المشكلة الثانية إلى ظاهرة الاجتياح البشري "العشوائي"، فكلما اشتدت الأزمات في دولة ما واتسع نطاقها وازدادت خطورتها، كلما لجأ مواطنو تلك الدولة إلى النزوح للدول المجاورة مباشرة بصورة غير منظمة، على نحو يهدد الأمن القومي لتلك الدولة. ومثال ذلك ما حدث خال حرب "الرصاص المسكوب" التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة خال ديسمبر -2008 يناير 2009، حيث اجتاحت مجموعات من سكان غزة معبر رفح الحدودي مع مصر، واشتبكت مع القوات المسلحة المصرية على الحدود؛ مما أسفر عن استشهاد ضابط مصري وإصابة ما يقرب من 46 جندياً) .)

8 وعلى الرغم من محاولات الحكومة المصرية وقف هذا الاجتياح ومحاولة ضبط الحدود، إلا أنها في الوقت نفسه كانت تسعى إلى ضبط النفس قدر الإمكان.

وقد كان من الممكن أن يتكرر هذا الاجتياح في الهجوم الأخير للجيش الإسرائيلي على قطاع غزة في إطار عملية حافة الهاوية، إلا أن السلطات المصرية سارعت بتنظيم فتح معبر رفح للتعامل مع حالات نقل واستقبال الجرحى والمصابين من الجانب الفلسطيني، وتنظيم إدخال المساعدات المقدمة للفلسطينيين من مصر وغيرها من الدول العربية، سواء في صورة مواد غذائية أو مساعدات طبية) .)

9 وتتكرر هذه الظاهرة في سوريا، حيث ساهم الصراع فيها منذ مارس 2011 في نزوح مايين الاجئين إلى الدول المجاورة، وتشير إحصاءات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، إلى أن لبنان وحدها، والتي تعد أكثر الدول استقبالاً للسوريين، هاجر إليها ما يزيد على مليون و127 ألف سوري، وإلى تركيا حوالى 799 ألفاً، وإلى الأردن ما يقرب من 606 آلاف، وإلى العراق ما يزيد على 220 ألف سوري) .)

10

-تحويل الجوار المبا�شر اإلى «حزام» من الاأ�شدقاء:

تكشف السياسات التي اتبعتها العديد من الدول، عن وجود اتجاه لتطوير سياسات في التعامل مع دول الجوار المباشر، يقلل من احتمال تحولها إلى مصدر تهديد لأمنها، ويجعلها تمثل حزاماً

من الأصدقاء ‪،belt of friends‬ يحيط بالدولة. وتكشف الخبرات المقارنة عن نموذجين، يتمثل النموذج الأول في تطوير آليات تسمح بمعالجة المشاكل العالقة معها، والتي تعد سبباً في التوتر أو الصراع، وتعبر عنه تركيا التي اتبعت سياسة تصفير المشكات، منذ تولي أحمد داوود أوغلو حقيبة وزارة الخارجية في مايو 2009.

وكانت تركيا تهدف من خال هذه السياسية إلى العودة لممارسة دور فعَّال في منطقة الشرق الأوسط، من خال الانفتاح على جميع الدول، خصوصاً الدول المجاورة لها مباشرة، وهو ما تطلب منها تقييم كافة عوامل التوازنات المعقدة والمقلقة في هذه الدول، حيث إن المناطق المتاخمة لحدودها الجنوبية والشرقية وهي سوريا والعراق وإيران، يقطنها الأكراد الذين لا يخفون تعاطفهم مع توجهات حزب العمال الكردستاني التركي، الذي يعد مصدر تهديد لأمن الدولة التركية) .)

11 وقد مكَّنت هذه السياسة تركيا من إقامة عاقات أكثر قوة مع جيرانها، حيث طوَّرت تركيا عاقاتها مع إيران على أساس من المصالح المتبادلة، ومع العراق بعد سقوط نظام صدام حسين في 2003 (، حيث اهتمت بتحسين عاقتها مع حكومة إقليم كردستان

12( العراقي، ولعبت دوراً رئيسياً في نقل النفط من شمال العراق إلى الغرب عن طريق خط أنابيب كركوك جيهان أو خط أنابيب نابوكو، ووقَّعت اتفاقية في مايو 2012 مع حكومة إقليم كردستان لإنشاء خط أنابيب جديد لنقل النفط الخام) (، كما وصلت العاقات

13 التركية - السورية إلى أقصاها بعد إدانة أنقرة الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في 2008-2009، ووقعت تركيا مع سوريا اتفاقية رسمية في أوائل 2011 لتدريب القوات المسلحة السورية، ولكن العاقات بينهما تدهورت بعد اندلاع الثورة في سوريا في مارس 2011.

وينصرف النموذج الثاني إلى تطوير مشاريع اقتصادية مشتركة، تعزز فرص التعاون الاقتصادي، مع دول الجوار المباشر، وتعبر عن هذا النموذج الهند، حيث تبنت استراتيجية تهدف إلى إنشاء دائرة من الدول المجاورة الصديقة ‪ring of friends‬ ، من خال تعميق الروابط في كافة المجالات بين الدول المجاورة، والعمل على إحداث تنمية حقيقية فيها؛ لذا طوَّرت العاقات الاقتصادية بصورة رئيسية مع تلك الدول، حيث تم إنشاء ما يُعرف بمؤسسة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي من أجل تنمية الروابط بينها وبين دول جنوب آسيا (، كما اهتمت بتنمية العاقات الاقتصادية مع دول

14) جوارها المباشر كنيبال وبنجاديش وباكستان، فعلى سبيل المثال تعد الهند مصدراً لحوالى 40% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة الموجهة لنيبال، كما أن هناك حوالى 5 مايين نيبالي يعملون في الهند) .)

15

تظل قدرة الدول على إدارة العاقة مع دول الجوار المباشر لها، تتأثر بتصورات النخبة الحاكمة لهذه الدول، ومدى إدراكها حجم الفرص أو التهديدات التي تطرحها، ففي حالتي تركيا والهند، هناك توافق في مؤسسات الدولة على أن التعاون الاقتصادي والسياسي مع دول الجوار، يساهم بشكل كبير في تحقيق الأمن الوطني للدولة وحماية مصالحها الاستراتيجية.

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.