:Losing Control

لماذا تفقد الدول السيطرة ” أحيانا“ على أوضاع الداخل وتفاعلات الإقليم؟

Trending Events - Future Concepts - - تعقيدات التعامل مع حالات ”الانفلات“ الممتدة -

تطرح التحولات التي تشهدها الساحة الدولية في العقود الأخيرة، "قيوداً" كثيرة حول قدرة الدولة على التعامل مع موقف معين و"السيطرة" عليه بالكامل، ليس فقط لتحقيق مكاسب استراتيجية محتملة منه، وإنما أيضاً لتجنب أية تداعيات سلبية قد تنجم عنه، وتضر استقرار الدولة.

ويحظى النقاش حول مدى قدرة الدولة على السيطرة على موقف معين بأهمية وزخم خاصين في الفترة الحالية لثاثة عوامل رئيسية. يتمثل أولها في أن الدولة لم تعد الفاعل الوحيد على الساحة الدولية، حيث ظهرت أنماط أخرى من الفاعلين من غير الدول، على غرار التنظيمات المسلحة العابرة للحدود، والجماعات الإرهابية والإجرامية، كما لم تعد القوة حكراً على الدولة، حيث انتقلت القوة من الدولة إلى الفاعلين من غير الدول، وهي الظاهرة التي أطلق عليها المفكر الأمريكي جوزيف ناي مصطلح "انتشار القوة" Power Diffusion، والتي تعني وفقاً له خفوت سيطرة الدولة على العديد من المجالات، وتزايد تأثير فاعلين آخرين يمتلكون أنماطاً أخرى من القوة( ).

1 ومثل هذا التحول يقلص، إلى حد كبير، من أهمية القواعد القديمة التي حكمت العاقات الدولية، حيث لا يمكن الاستناد إليها حالياً في دراسة مسارات وأنماط التفاعل بين الدول والفاعلين من غير الدول) ،( لاسيما أن سلوك الأخيرة

2 لا تحكمه الاعتبارات ذاتها التي تحكم سلوك الدول، كما أنه يصعب التنبؤ بسلوكها، أو التأثير عليه.

كما أن هذه الأنماط الجديدة من الفاعلين، بدأت تتجه إلى تأسيس ما يمكن تسميته ب "أشباه الدول"، على غرار قيام تنظيم "داعش" بتأسيس "دولة إسامية" تضم أراضي عراقية وسورية، وتعيين قائده أبي بكر البغدادي خليفة عليها، فضاً عن أن هؤلاء الفاعلين أصبحوا متعددي الجنسيات وعابرين للحدود بشكل لم يعد يفرض فقط صعوبات في التعامل معهم وفقاً للقواعد القديمة التي حكمت التفاعات الدولية في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة، بل أصبح يقلص من قدرة الدولة على التعامل مع أي أزمة أو موقف يعد هذا النمط من الفاعلين طرفاً فيه، أو السيطرة على الموقف بمفرده، ولعل هذا يفسر الجهود الحثيثة التي تبذلها الولايات المتحدة الأمريكية لتكوين تحالف دولي يضم نحو أربعين دولة لشن حرب ضد تنظيم "داعش" في العراق وسوريا، على الرغم من أن مواجهة هذا التنظيم لا تتطلب تشكيل تحالف واسع النطاق، وذلك على خاف شن حرب على التنظيمات الإرهابية كافة، وليس "داعش" فقط، والتي تتطلب تعاون عدد كبير من الدول(3).

وينصرف العامل الثاني، إلى أن قدرة الدولة على السيطرة على موقف أو أزمة ما محدودة، حيث لم يعد بالإمكان تحقيق السيطرة الكاملة على أي موقف، وذلك يرجع إلى أن الحدود الفاصلة بين الداخل والخارج تاشت إلى حد كبير، لاسيما في بعض المناطق التي تشهد أزمات مزمنة على غرار منطقة الشرق الأوسط، التي يتصاعد فيها نشاط الجماعات السياسية العابرة للحدود، ويتزايد فيها تأثير التشابكات الطائفية والعرقية.

وهذا التطور يطرح دلالة مهمة تتمثل في أن مدى نجاح دولة أو فشلها في السيطرة على موقف ما، لم يعد يقاس بقدراتها فقط، على الرغم من أهميتها التي لا يمكن إغفالها، فهناك محددات أخرى أصبحت تمثل رقماً مهماً في تحديد قدرة الدولة على السيطرة على موقف معين. فعلى سبيل المثال، قد تتمكن دولة صغيرة من السيطرة على موقف معين أو مواجهة أزمة محددة، على عكس دولة كبيرة، وهو

ما يعود إلى اعتبارات عديدة أهمها، حرص الدولة الصغيرة على تركيز كل مواردها في التعامل مع هذا الموقف أو تلك الأزمة، على عكس الدولة الكبيرة التي توزع قدراتها على العديد من القضايا والمواقف، فضاً عن أن ذلك الموقف ربما يمثل قضية وجود بالنسبة للدولة الصغيرة، خاصة في حال كونه يمس هويتها الوطنية أو تماسكها الاجتماعي أو قدراتها البشرية والاقتصادية، وذلك على خاف الدولة الكبيرة التي ربما لا يحظى الموقف بأهمية كبيرة بالنسبة لها.

إلى جانب ذلك، تعد مدركات صانع القرار متغيراً مهماً في تحدي قدرة الدولة على إدارة موقف ما بطريقة معينة، فثورة المعلومات تزيد، في بعض الأحيان، من مساحة الفجوة بين المعطيات على الأرض وبين مدركات صانعي القرار، خاصة إذا كانوا يتبنون أنماطاً "تقليدية" من التفكير، بشكل يجعلهم غير قادرين على استيعاب الكم الهائل من المعلومات والأنماط الجديدة من التفكير التي بدأت تظهر على الساحة الدولية، والتي ساهمت في تغيير قواعد التفاعل بين الأطراف المختلفة.

وينصرف العامل الثالث إلى أن ثمة اختافاً كبيراً في نوعية وطبيعة الأزمات والمواقف التي باتت تواجهها الدول، إذ لم تعد الأزمات ذات الطابع العسكري، على غرار أزمة العدوان الثاثي على مصر في 1956، وأزمة الصواريخ الكوبية في 1962، تشكل الرقم الأهم في الصراعات القائمة على الساحة الدولية في الوقت الحالي، حيث تزايد تأثير أنماط أخرى من الأزمات تتسبب فيها قوى الطبيعة forces of nature ، مثل زلزال اليابان الذي تسبب في وقوع انفجار في المحطة النووية الأولى في فوكوشيما عام 2011، وبركان أيسلندا الذي أدى إلى إغاق المجال الجوي الأوروبي عام 2010، فضاً عن الأمراض والفيروسات، على غرار فيروس الإيبولا، الذي دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى إرسال 3000 جندي أمريكي إلى ليبريا، في 16 سبتمبر 2014، لمساعدتها في مواجهة الفيروس وتجنب وصوله إلى الأراضي الأمريكية( ،) كما قدمت واشنطن

4 مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي، في 18 سبتمبر 2014، يعتبر الإيبولا مهدداً للسلم والأمن الدوليين( (.

5 إلى جانب ذلك، لم تعد التنظيمات الإرهابية التي يتزايد تأثيرها حالياً في الشرق الأوسط، تميز بين الأهداف المدنية والعسكرية، بشكل بات يفرض ضغوطاً غير مسبوقة على الدولة عند مواجهة أي مواقف أو أزمات طارئة تعد تلك التنظيمات طرفاً فيها، على نحو يقلص من قدرتها على التحكم في مسارات الأزمة، وقد يدفعها لطلب تدخل قوى دولية لمساعدتها في مواجهة هذه التنظيمات.

وعلى ضوء ذلك، ظهرت اتجاهات عديدة تشير إلى أن الاستخدامات التقليدية للقوة والتي ساعدت الدول في مواقف سابقة في السيطرة على أزمات معينة، وأحياناً تفكيكها، ومنع تطورها إلى صراع مسلح، على غرار أزمة الصواريخ الكوبية، لم تعد ذات فعالية كبيرة في مواجهة الأنماط الجديدة أو غير التقليدية من تلك الأزمات(6).

ومن هذا المنطلق، فسرت بعض الاتجاهات فشل الولايات المتحدة الأمريكية في تجنب وقوع أحداث 11 سبتمبر 2001، حيث اعتمدت مجموعة إدارة الأزمات التي شكلتها الإدارة الأمريكية حينها على القواعد التي وضعت بعد الحرب الباردة، إلا أنها لم تكن كافية للتعامل مع تهديد استخدام طائرات مدنية في مهاجمة منشآت اقتصادية وعسكرية داخل الولايات المتحدة الأمريكية( ).

7

- خطأ المعلومات وسوء الإدراك miscognition :

يعتبر سوء الإدراك أحد أهم أسباب فقدان السيطرة على موقف معين، وهو يرتبط بنوعية المعلومات التي تقدم إلى صانع القرار، حيث إن مدى دقة ومصداقية تلك المعلومات يمثل متغيراً مهماً في تقييم نوع المدركات التي تتشكل لدى صانع القرار عن الموقف، ومدى قدرته على اتخاذ القرارات المناسبة، في التعامل مع هذا الموقف.

وربما يعود الإخفاق في السيطرة على موقف معين، إلى حرص المجموعة التي تقدم المعلومات لصانع القرار على اختزالها بما يتوافق مع تصوراته الذهنية، أو اتجاهها إلى بناء آليات مستقرة للتعامل مع التطورات المختلفة والتي عادة لا تنجح في التنبؤ بالظواهر الجديدة، أو إلى اهتمامها بمعرفة "الأحداث غير المعلومة المعلومة" known unknowns ، أي تلك التي يتوقع حدوثها على الرغم من أنها لم تحدث من قبل، بدلاً من الأحداث "غير المعلومة غير المعلومة" unknown، unknowns والتي تفتقد أية سوابق تاريخية تعزز من إمكانية حدوثها، ولا توجد أية مؤشرات تفيد باحتمال وقوعها( (.

8 وفي هذا السياق، تقدم السياسة الغربية تجاه أوكرانيا مثالاً مهماً، حيث تشير عدة اتجاهات إلى أن أحد أسباب فشل السياسة التي تبنتها الدول الغربية في أوكرانيا، يعود إلى القراءة الخاطئة للأوضاع داخل كييف، حيث تصور صانعو القرار في الغرب أن "ثمة دولة جديدة تولد في الميدان في كييف"، وأن جميع الأوكرانيين متحدون للعودة إلى "حظيرة أوروبا"، وأن "قادة أوكرانيا، وتحت تهديد الكرملين، يقفون وحدهم في طريق أوروبا كلها"( .) وقد ثبت أن هذه القراءة

9 لا تعكس المعطيات الموجودة على الأرض، والتي أكدت أن قسماً من مواطني أوكرانيا اتجهوا إلى الانفصال والاندماج مع روسيا.

وحتى في حالة تقديم معلومات دقيقة لصانع القرار، فإن ذلك ربما لا يحل الإشكالية، لأن الأخير ربما يتبنى تصورات قديمة أو لا تتوافق مع هذه المعلومات، كما أنه يمكن أن يلجأ إلى التعامل مع الموقف وفقاً لتصورات نمطية stereotypes يتبناها، بشكل يمكن أن يدفعه إما إلى رفض المعلومات الجديدة المقدمة إليه، أو اختزالها بما يتوافق مع تلك التصورات، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى اتخاذ قرارات معينة، ربما لا تتوافق مع معطيات الواقع

الجديد بشكل يساهم في كثير من الأحيان في فقدان السيطرة على الموقف، كما أن النسق العقيدي لصانع القرار ربما يتسم ب"الانغاق"، أي عدم القدرة على تبني خيارات واقعية، وهو ما يؤدي إلى عدم اتخاذ قرارات واقعية( ).

10 وتفرد بعض الكتابات أهمية خاصة للسمات الشخصية لصانع القرار، ودورها في كيفية التعامل مع الموقف، حيث تشير إلى أن بعض صانعي القرار يتعاملون مع المواقف المختلفة من منطلق بعض التصورات والمعتقدات التي يتبنونها، بشكل يدفعهم إلى عدم منح أهمية للمعلومات التي تتعارض مع ما يعتقدونه، فيما تتجه فئة اخرى من صانعي القرار إلى إجراء تغييرات في هذه التصورات والمعتقدات بناء على المعطيات التي تفرضها المواقف المختلفة، بشكل يمكن التمييز معه بين فئة صانعي القرار البرجماتيين أو المرنين، وفئة صانعي القرار المتصلبين أو المؤدلجين( ).

11

-"محدودية" قدرات الدولة:

إن مناقشة أسباب فقدان الدول السيطرة على موقف معين، لا ترتبط بالمواقف الخاصة بتفاعات الدولة الخارجية فقط، وإنما بالمواقف الخاصة بالتطورات الداخلية أيضاً. وفي حالات معينة، يعود فشل الدولة في السيطرة على موقف معين، إلى وجود صراعات داخل مؤسساتها، أو نتيجة ما يسمى ب"انتشار القوة" المرتبط بموقف معين، فنتيجة تزايد المطالب الإثنية أو الطائفية مع تراجع دور الدولة، تنتقل القوة من الدولة إلى الجماعات الدينية أو الإثنية( ،) مما يضطر

12 الدولة إلى طلب المساعدة من أطراف خارجية لمواجهة حالة فوضوية ما.

وتقدم ليبيا ومالي نموذجاً على ذلك، حيث أعلنت الحكومة الليبية، في 14 يوليو 2014، عن أنها تدرس طلب تدخل دولي لمساعدتها على فرض الأمن والنظام في الباد، لاسيما في العاصمة طرابلس) (،

13 على خلفية تصاعد حدة الصراع بين الميليشيات المتنافسة وعدم قدرتها على مواجهته. كما طالبت مالي الأمم المتحدة باتخاذ إجراءات عسكرية فورية لاستعادة الشمال من سيطرة الجهاديين) .) وأكدت فرنسا على أن

14 تدخلها في شمال مالي تم بناء على دعوة من الحكومة المالية( ).

15 لكن الافت في هذا السياق، أن العاقة بين قدرات الدولة ونجاحها أو فشلها في السيطرة على موقف معين تبقى نسبية، حيث تتحكم فيها اعتبارات عديدة، مثل مدى أهمية هذا الموقف وتأثيره على مصالح وأمن الدولة، ومدى تعدد تلك المواقف وتزامنها. إذ إن احتمالات نجاح الدولة في السيطرة على موقف معين ربما تتزايد في حالة تعرضها لخطر داهم يهدد هويتها أو تماسكها، وفي حالة عدم وجود

مواقف أخرى معقدة تواجهها في الوقت ذاته.

- مشاكل المواقف "المعقدة":

أحياناً تفشل الدولة في التعامل مع موقف معين، خاصة إذا كان موقفاً "معقداً" complex situation ، إما بسبب التداعيات غير المتوقعة التي قد تنجم عنه unintended consequences ، أو بسبب "عدم اليقين" المرتبط بمساره، أو بسبب عدم ثبات الموقف وتطوره بصورة متسارعة إلى أزمة ضاغطة على صانعي القرار.

وتواجه العديد من دول المنطقة في المرحلة الحالية مواقف خرجت عن سيطرتها نتيجة الطبيعة المعقدة أو المركبة لها. فمن ناحية، تشير بعض الاتجاهات إلى أن وجود تنظيم "داعش" في شمال العراق، هو أحد التداعيات غير المتوقعة التي أنتجها الاحتال الأمريكي للعراق بعد عملية 21 مارس 2003، وما نتج عنه من انهيار شامل للأجهزة الأمنية والعسكرية في الدولة، خاصة بعد قرار الحاكم الأمريكي السابق لدى العراق بول بريمر بحل الجيش العراقي، وهو القرار الذي ساهم في دعم نفوذ "داعش" في المناطق الشمالية( ،) خاصة بعد انضمام بعض ضباط وجنود

16 الجيش العراقي المنحل، والذين لم يتم دمجهم في الجيش الجديد الذي تم تشكيله بعد الاحتال، إلى هذا التنظيم الذي استفاد كثيراً من خبراتهم في المواجهات المسلحة التي اندلعت في الموصل ونينوى. ولذلك، فإن تحليات عديدة تشير إلى أن مسارعة واشنطن إلى تكوين تحالف دولي لمواجهة "داعش" في العراق، يعود إلى "إدراكها المتأخر" للأخطاء الفادحة التي ارتكبتها سياسة إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش بدءاً من عام 2003.

كما ساهم الاحتال الأمريكي للعراق، ضمن تداعياته الأخرى غير المتوقعة، في دعم جهود إيران للتحول إلى رقم مهم في المشهد السياسي العراقي بصفة خاصة، وفي المنطقة العربية بصفة عامة، خاصة بعد إسقاط أهم خصومها الإقليميين وهو نظام صدام حسين، وقد دفع ذلك بعض المحللين إلى القول إن قسماً كبيراً من قوة إيران ليس من صنعها وإنما من صنع الآخرين، في إشارة إلى الأخطاء التي ارتكبتها واشنطن في المنطقة.

ومن ناحية ثانية، يمكن أن تمثل ظاهرة البجع الأسود Black Swans ، مدخاً مهماً في تفسير أسباب عجز الدولة عن السيطرة على موقف معين. وتعني كما طرحها الكاتب نسيم طالب، وقوع حدث معين يكتسب ثاث سمات رئيسية) .) أولاها، أنه حدث عرضي لم يتوقعه أحد لكنه

17 يؤثر على مجرى الأحداث بشكل كبير. وثانيتها، أنه ربما يفرض تأثيرات قوية على طرف ما بشكل يمكن أن يدفعه

إما إلى إعادة صياغة سياسته بما يتوافق مع المعطيات الجديدة أو فقدان السيطرة على الحدث. وثالثتها، أن الطبيعة البشرية تكون قادرة على تفسيره بعد وقوعه، بشكل يجعله أكثر قابلية للتنبؤ به بعد ذلك، ولكنه لم يكن كذلك قبل وقوعه.

ويمكن تطبيق نظرية البجع الأسود على نجاح تنظيم "داعش" في السيطرة على مناطق رئيسية في شمال العراق، وإعان قيام الدولة الإسامية في 10 يونيو 2014، في ظل انهيار غير متوقع لقوات الشرطة والجيش العراقية، ففضاً عن أن هذا الحدث كان مفاجئاً لصانعي القرار في العراق وبعض الدول الأخرى، فإنه فرض تأثيرات قوية دفعت تلك الدول إلى تكوين تحالف دولي لمواجهته.

ومن ناحية ثالثة، فإن تطور موقف ما إلى أزمة في لحظة محددة يمكن أن يؤدي إلى فقدان الدولة السيطرة عليه، وربما انهيارها بالكامل واصابتها بحالة من "الشلل"، ومن ذلك تطور التظاهرات إلى ثورة شعبية حاشدة، كما حدث في عدد من دول الثورات العربية. وتعد الأزمة موقفاً ضاغطاً يتضمن تهديداً مباشراً لأهداف وقيم صانع القرار مع وجود شعور بضيق الوقت، وضرورة التحرك بسرعة. وفي هذه الحالة، فإن الدولة قد تفقد القدرة على التحكم في الموقف، بسبب ضيق حلقة متخذي القرار وتعدد توجهاتهم من ناحية، لأن صانعي القرار، ربما يتجهون، نظراً لضيق الوقت، إلى عدم الاستعانة باستشارات من جانب المتخصصين والمهتمين بالقضية موضوع الأزمة، مما يؤدي إلى تبني خيارات ربما لا تتوافق مع المعطيات الموجودة على الأرض.

كما أن ضيق الوقت ربما يدفع صانعي القرار إلى الاستعانة بخبراتهم السابقة وعدم الاهتمام بالمعلومات الجديدة التي تحتاج إلى تحليل، وهو ما قد يكون مخالفاً للتطورات الموجودة على الأرض، فضاً عن أن تصاعد حدة تلك الأزمة ربما يؤدي إلى إرهاق ذهني لصانعي القرار قد يدفعهم في بعض الأحيان إلى عدم اتخاذ القرارات المناسبة للتأثير في تطورات الموقف أو الأزمة، أو اتخاذ قرارات تطيل الأزمة وتؤدي إلى تفاقمها.

وهنا، تشير اتجاهات عديدة إلى أهمية تأسيس مجموعة إدارة جيدة للأزمة، قادرة على تبني أكثر من خيار للتعامل مع تطوراتها المفاجئة، وتقديم معلومات لصانعي القرار للتحرك بناء عليها. ووفقاً لتلك الاتجاهات، فإن أي أزمة يمكن أن تجعل الدولة منتصرة أو خاسرة، بناء على درجة فاعلية مجموعة إدارة الأزمة في التعامل معها، والتي تكتسب أهمية خاصة نظراً لقدرتها على تحقيق مكاسب "محتملة" من الأزمة.

يمكن القول إن نجاح أي دولة في السيطرة بشكل كامل على موقف معين لم يعد يمثل في المرحلة الحالية "قاعدة عامة" أو "ظاهرة"، بل ربما يكون "استثناء"، لاسيما في ظل خفوت أهمية قوانين القوة التقليدية التي حكمت التفاعات بين الدول في المراحل السابقة، وظهور أنماط جديدة من الفاعلين من غير الدول، وتصاعد تأثير بعض المتغيرات غير التقليدية، على غرار التداعيات غير المقصودة، وانتشار البجع الأسود، وتراجع أهمية الأفكار النمطية في إدارة شؤون الدولة.

محمد عباس ناجي

باحث بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام,

”ورئيس تحرير مجلة ”مختارات إيرانية

Newspapers in Arabic

Newspapers from UAE

© PressReader. All rights reserved.